"أبسكرولد" تفرض نفسها: من يملك الصوت في معركة المنصات الكبرى؟

في زمنٍ تُدار فيه "الحقيقة" بخوارزميات صامتة، ويُعاد ترتيب الوعي وفق المصالح السياسية والاقتصادية.. يطرح "أبسكرولد" معادلة مغايرة: واجهة بسيطة، عرض زمني مباشر، ولا حظر خفياً. هنا لا تبدو البساطة خياراً تقنياً فحسب، بل موقفاً قد يتحدى منطق وادي السيليكون".

  • الفلسطيني عصام حجازي مطوّر المنصة (ain)
    الفلسطيني عصام حجازي مطوّر المنصة (الصورة: ain)

 "أبسكرولد" المنصة التي يطوّرها الفلسطيني الأسترالي عصام حجازي لا تُقدّم نفسها كتحديث شكلّي لنموذج مألوف، بل كبديل أخلاقي.

وعدها بسيط: عرض زمني مباشر، لا حظر خفيّاً، لا تلاعب خوارزمياً، ولا تفضيل لمن يدفع.

وفي زمن باتت فيه المنصات الرقمية تُدار عبر أنظمة توصية معقدة تُعيد ترتيب العالم في شاشاتنا، يبدو هذا الوعد أشبه بمحاولة لإعادة ضبط البوصلة.

الفكرة تبدو بسيطة: واجهة سهلة، عرض زمني مباشر للمحتوى، لا "حظر خفيّاً"، ولا "تلاعب خوارزمياً" يُعيد ترتيب الأولويات وفق مصالح إعلانية أو سياسية. لكن في اقتصاد المنصات، البساطة ليست ميزة تقنية فحسب، بل هي موقفٌ أيديولوجي.

 ابتكار رغم محاولات الإحباط

يروي حجازي أن فكرة "أبسكرولد"  وُلدت "في سياق سياسي مشحون. خلال العدوان على غزة، شعر – كما قال في مقابلات سابقة – بأن "المحتوى الفلسطيني يتعرض لتضييق غير معلن في المنصات الكبرى". بالنسبة له، لم يعد الأمر مجرد سياسات محتوى، بل مسألة عدالة رقمية.

وهكذا تحولت القناعة إلى قرار: إنشاء مساحة لا تُدار بخوارزميات مبهمة ولا تخضع لتوازنات الشركات العملاقة.

هذه السردية ليست غريبة عن تاريخ التكنولوجيا. كثير من الابتكارات الكبرى بدأت كرد فعل على خلل perceived في النظام القائم. لكن التحدي الدائم يكمن في الانتقال من الفكرة الأخلاقية إلى المنتج القابل للتوسع.

وأوضح حجازي أن التحولات التي شهدتها غزة من إبادة جماعية تركت أثراً عميقاً في مسيرته الشخصية والمهنية، مؤكداً أن تلك الأحداث أعادت تشكيل نظرته إلى عمله داخل شركات التكنولوجيا الكبرى.

وقال إنه "شعر بأن الاستمرار في هذا المسار لم يعد منسجمًا مع قناعاته"، ما دفعه إلى إطلاق منصة رقمية يسعى من خلالها إلى "توفير مساحة أكثر عدالة وشفافية تتيح للأصوات الفلسطينية التعبير بحرية".

صعود سريع… وامتحان مفاجئ

لم يكن "أبسكرولد" في بداياته لاعباً بارزاً. انتشاره ظل محدوداً، وتأثيره ظلّ محصوراً في دوائر ضيقة. غير أن تطورات شهدها سوق المنصات الاجتماعية مؤخراً فتحت نافذة غير متوقعة.

مع تغيّرات أثارت جدلاً واسعاً في ملكية وإدارة بعض المنصات الكبرى، بدأت موجة بحث عن بدائل. في غضون أيام، قفز تطبيق "أبسكرولد" في قوائم التنزيل، وبلغ قائمة التطبيقات المجانية الأعلى في بعض الأسواق. بيانات تتبع التطبيقات أظهرت أن عدد تحميلاته تضاعف عشرات المرات مقارنة بمتوسطه السابق.

قفزة لافتة في مؤشرات الأداء

شهد تطبيق "أبسكرولد" خلال الأيام الماضية قفزة لافتة في مؤشرات الأداء داخل متاجر التطبيقات، إذ صعد إلى قائمة أعلى 10 تطبيقات مجانية في بعض الأسواق على متجر "آب ستور"، واحتل مراكز متقدمة ضمن فئة الشبكات الاجتماعية، بحسب ما أورده موقع "ذا فيرج"، هذا التقدم السريع عكس موجة اهتمام مفاجئة بالتطبيق، خصوصاً في ظل التحولات التي يشهدها سوق المنصات الاجتماعية وتزايد بحث المستخدمين عن بدائل.

كما أظهرت بيانات شركة "آب فيغرز" المتخصصة في تتبع أداء التطبيقات أن "أبسكرولد" سُجّل له نحو 41 ألف تحميل خلال 3 أيام فقط، بمتوسط يقارب 14 ألف تنزيل يومياً، أي بزيادة تقارب 29 ضعفاً عن متوسطه السابق البالغ 460 تحميلاً يومياً.

وتزامن ذلك مع تصدر وسم التطبيق قوائم التداول في المنصات الاجتماعية، فيما أشار الحساب الرسمي له على  "بلوسكاي" إلى أن الارتفاع المفاجئ في الإقبال أدى إلى ضغط على الخوادم، ما استدعى العمل على إعادة تشغيل وتحسين البنية التقنية لاستيعاب النمو المتسارع.

اقتصاد الانتباه… وسؤال العدالة

منصات التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات نشر. إنها أنظمة اقتصادية معقدة تُدار عبر خوارزميات تتعلم من سلوك المستخدمين وتعيد تشكيله. كل تفاعل يتحول إلى بيانات، وكل بيانات تغذي نموذجاً يتنبأ بما سيُبقيك متصلاً أطول وقت ممكن.

في هذا السياق، يبدو رفض "أبسكرولد" للتلاعب الخوارزمي  موقفاً جذرياً. العرض الزمني المباشر يمنح المستخدم إحساساً بالتحكم. لكنه في الوقت ذاته يُلقي عليه عبء الانتقاء في بحر من المحتوى. الخوارزميات – رغم الانتقادات – تؤدي وظيفة تنظيمية.

من دونها، قد يتحول التدفق إلى فوضى. لكن مع الإفراط فيها، يتحول التنظيم إلى توجيه، والتوجيه إلى تحكم.

بالنسبة لمؤيديه، "أبسكرولد" ليس مجرد تطبيق، بل بيان. مساحة "من دون مليارديرات ومن دون رقابة"، كما وصفه بعض المستخدمين. منصة تعتمد عرضاً زمنياً بسيطاً بدل خوارزميات توصية معقدة، وتَعِد بعدم تفضيل من يدفع أكثر.

"أبسكرولد"، في مرحلته الحالية، يراهن على سردية مختلفة: أن المستخدمين سئموا من هذا الاقتصاد، وأنهم مستعدون لتجربة بديل أكثر شفافية. لكن التجربة الرقمية تُظهر أن المستخدمين غالباً ما يعودون إلى المنصات التي تمنحهم أكبر جمهور وأسرع انتشار.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by Noradeen Yahya (@noradeen_yahya)

هل تكفي الحرية وحدها؟

حرية التعبير، بوصفها مبدأ، جذابة. لكنها في بيئة رقمية عالمية تصبح معقدة. المنصات الكبرى تتعامل يومياً مع ضغوط حكومية، وقوانين محتوى متباينة، وحملات تضليل منظمة. بناء مساحة "بلا رقابة" يطرح تحديات قانونية وتنظيمية، خصوصاً إذا توسعت المنصة إلى أسواق متعددة.

في الوقت نفسه، هناك شريحة متزايدة من المستخدمين ترى أن سياسات المحتوى الحالية غير شفافة، وأن ما يُسمى بـ"الحظر الخفي" يقوّض الثقة. هذه الفجوة بين المستخدم والمنصة هي المساحة التي يحاول "أبسكرولد" احتلالها.

لكن تحويل هذه الفجوة إلى قاعدة مستخدمين مستقرة يتطلب أكثر من موقف مبدئي. يتطلب بنية تحتية قوية، ونموذج عمل واضحاً، وقدرة على إدارة النزاعات الرقمية المعقدة.

التحالف التقني… والدعم الرمزي

إطلاق المنصة بدعم تحالف "التكنولوجيا من أجل فلسطين"، الذي يضم عشرات المؤسسين والمستثمرين، يمنحها بعداً تنظيمياً أوسع. هذا الدعم قد يوفّر موارد وخبرات ضرورية في مرحلة مبكرة، لكنه لا يضمن النجاح في سوق شديد التنافس.

النجاح الطويل الأمد يتطلب بنية تحتية قادرة على تحمل نمو مفاجئ. وقد أشار حساب المنصة إلى أن الخوادم استنفدت طاقتها مع الارتفاع السريع في المستخدمين. هذا السيناريو مألوف في عالم الشركات الناشئة: النمو السريع قد يكون نعمة ونقمة في آن واحد.

معركة السرديات

ما يجري يتجاوز تطبيقاً واحداً. إنه جزء من معركة أوسع حول من يملك السردية في العصر الرقمي. المنصات الكبرى لا تكتفي باستضافة المحتوى،  إنها ترتّبه وتضخمه وتمنحه سياقاً. بهذا المعنى، الخوارزمية ليست أداة تقنية فحسب، بل هي محرر غير مرئي.

عندما تختار "أبسكرولد" التخلي عن هذا المحرر، فهو يراهن على أن المستخدمين مستعدون لتحمل مسؤولية أكبر في تشكيل تجربتهم. لكن التجربة الرقمية تُظهر أن كثيرين يفضلون سهولة الاكتشاف على شفافية الآلية. السؤال إذًا: هل يمكن أن تنشأ ثقافة استخدام جديدة تُقدّر البساطة على الإغراء الخوارزمي؟

وفي هذا السياق، تم إعلان بعض القادة السياسيين أن المنصات أصبحت ساحة معركة للرأي العام تعكس حقيقة لا جدال فيها: التكنولوجيا لم تعد محايدة. المنصات تُشكل السرديات، وتؤثر في الانتخابات، وتحدد ما يُرى وما يُخفى.

في هذا السياق، يظهر "أبسكرولد" كجزء من معركة أوسع حول من يملك مفاتيح الخوارزميات؟ هل تبقى في أيدي شركات عملاقة مدفوعة بالأرباح، أم يمكن أن تظهر بدائل أكثر قرباً من المستخدمين؟

التوسّع خارج الدافع السياسي

نجاح أي منصة اجتماعية يعتمد على تنوع مستخدميها. إذا ظل "أبسكرولد" محصوراً في إطار سياسي محدد، فقد يصعب عليه اختراق أسواق أوسع. أما إذا تمكن من تقديم تجربة جذابة لمستخدمين لا يشاركون بالضرورة الدافع ذاته، فقد يفتح لنفسه أفقاً عالمياً.

بعض المستخدمين وصف المنصة بأنها تمزج بين سرعة "تويتر" وطابع "تيك توك"، لكن بعرض زمنيٍّ مباشر. هذا الوصف يعكس محاولة الجمع بين عناصر مألوفة وتقديمها في إطار مختلف. 

اختبار الاستدامة

كل موجة تنزيل تحمل في طياتها اختباراً: هل سيتحول الفضول إلى التزام؟ المنصات الكبرى تستفيد من تأثير الشبكة: كلما زاد عدد المستخدمين، زادت قيمتها. كسر هذه الحلقة يتطلب لحظة فارقة أو ابتكاراً جذرياً.

"أبسكرولد" لا تدّعي امتلاك تقنية تفوق الذكاء الاصطناعي لدى العمالقة. رصيدها الأساسي هو الثقة. وإذا تمكنت من ترسيخ هذه الثقة عبر شفافية حقيقية واستجابة سريعة لملاحظات المستخدمين، فقد يحوّلها إلى أصل استراتيجي.

بين الاحتجاج والبناء

الهجرات الرقمية غالباً ما تبدأ احتجاجاً وتنتهي بالعودة إلى المألوف. المستخدم قد يترك منصة بدافع الغضب، لكنه يعود حين يجد أصدقاءه ومجتمعه هناك. التحدي أمام "أبسكرولد" هو بناء مجتمع لا يعتمد فقط على موقف سياسي، بل على تفاعل يومي حيّ. محتوى متنوع، أدوات إبداعية، وتجربة سلسة.

إذا نجح في ذلك، قد يتحوّل من "منصة احتجاج" إلى منصة استخدام دائم.

من يملك الصوت؟

السؤال الذي يطرحه صعود "أبسكرولد" يتجاوز حجمه الحالي: من يملك الصوت في معركة المنصات الكبرى؟ هل هو من يملك الخوارزمية الأكثر تطوراً؟ أم من ينجح في كسب ثقة المستخدمين؟

ربما الإجابة تكمن في توازن بين الاثنين. الخوارزميات قد تبقى ضرورة تقنية، لكن شفافية عملها واحترامها لحرية التعبير قد يصبحان معياراً تنافسياً. 

في النهاية، "أبسكرولد" ليس بعدُ تهديداً وجودياً لتيك توك أو ميتا. لكنه تذكير بأن الهيمنة الرقمية ليست قدراً محتوماً، وأن فجوة الثقة يمكن أن تفتح الباب لبدائل غير متوقعة.

المعركة الحقيقية ليست بين تطبيق وآخر، بل بين نموذجين لإدارة الفضاء العام الرقمي: نموذج يرى في الانتباه سلعة، وآخر يرى في الصوت حقاً. إذا كان هذا الحق قادراً على هز عمالقة وادي السيليكون، سيعتمد على ما سيحدث بعد انقضاء موجة الحماسة الأولى. هل سيتحوّل الوعد إلى بنية؟ وهل تستطيع منصة وُلدت من رحم أزمة أن تبني مستقبلاً مستداماً؟

اقرأ أيضاً: "Responsiblestatecraft": كيف بنى البنتاغون منطقة وادي السيليكون؟

الإجابة لم تُكتب بعد. لكن المؤكد أن النقاش حول من يملك مفاتيح الخوارزميات، ومن يحدد ما يُرى وما يُخفى، لن يتراجع قريباً. وفي قلب هذا النقاش، يقف "أبسكرولد" كتجربة تختبر حدود القوة الرقمية في عصر تتقاطع فيه السياسة بالتكنولوجيا، والصوت بالكود.

 

اخترنا لك