ابتكار نموذج لدراسة الآثار النفسية لانعدام الأمن الوظيفي الناجم عن الذكاء الاصطناعي

باحثان من جامعة فلوريدا الأميركية يبتكران نموذجاً لدراسة تأثير الذكاء الاصطناعي على الصحة النفسية للموظفين بهدف تعزيز التشخيص السريري ومعالجته في ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي في بيئات العمل حول العالم.

  • الآثار النفسية لانعدام الأمن الوظيفي الناجم عن الذكاء الاصطناعي
     الموظفون يعانون من ضغوط نفسية ترتبط بالخوف المستمر من فقدان الوظيفة مع تطور  الذكاء الاصطناعي

مع التوسع المتسارع للذكاء الاصطناعي في بيئات العمل حول العالم، لم يعد القلق محصوراً في تغيرات السوق أو تبدل المهارات المطلوبة، بل امتد ليطال الصحة النفسية للعاملين بشكل مباشر، حيث يشعرون بالقلق.

فقد طور باحثان من جامعة فلوريدا نموذجاً سريرياً جديداً يُمكن أن يُساعد مقدمي الرعاية الصحية على التعرف على التوتر والاضطراب المصاحبين له وعلاجهما. وتُحدد الدراسة المنشورة مؤخراً في مجلة "كيوريوس" Cureus Magazine خلل استبدال الذكاء الاصطناعي، Artificial Intelligence Replacement Dysfunction (AIRD): A Call to Action for Mental Health Professionals in an Era of Workforce Displacement  المعروف اختصاراً بـ AIRD، وتُبين الأعراض الشائعة التي قد تنجم عن الضغط النفسي المرتبط بتأثيراته على القوى العاملة.

وأطلق الباحثان على الدراسة اسم "اضطراب الاستبدال بالذكاء الاصطناعي" AI replacement disorder، في محاولة لفهم الضغوط النفسية المرتبطة بالخوف المستمر من فقدان الوظيفة، وفقاً لما أورده موقع مجلة "ميديكال إكسبريس" Medical Express العلمي.

ودعت الدراسة إلى تبني مقاربة طبية جديدة تمكّن الأطباء والمعالجين النفسيين من رصد هذه الحالة مبكراً والتعامل معها قبل تفاقمها.
 
وفي هذا السياق، أوضحت ستيفاني ماكنمارا، الباحثة المشاركة في الدراسة وطالبة علم النفس بجامعة فلوريدا، أنها رصدت خلال العام الماضي تزايد حالات التسريح المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ما دفعها للتساؤل حول التداعيات النفسية بعيدة المدى لهذه التحولات.

وتعمل ماكنمارا حالياً على إعداد مشروع بحثي موسع لجمع بيانات منهجية حول "اضطراب الاستبدال بالذكاء الاصطناعي"، سعياً لتعزيز الاعتراف السريري بهذه الحالة، ووضع أسس علاجية أكثر دقة.

اقرأ أيضاً: الذكاء الصطناعي يمكنه القيام بمهام 12% من القوى العاملة في أميركا

ووفق ماكنمارا تُغير التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي شكل القوى العاملة في مختلف القطاعات. ويخلق هذا التحول عدداً متزايداً من الأفراد الذين يعانون من ضغوط نفسية ناتجة عن التهديد الوشيك، وأحياناً الفوري، بالتقادم المهني - أي فقدان أهميتهم في العمل.

ومع أنّ اضطراب الذكاء الاصطناعي لم يُدرج بعد ضمن تشخيصات الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، إلا أنه بإمكان الأطباء فحصه من خلال دمج أسئلة محددة في التقييمات المعيارية.

هناك أعراض متشابكة، وفق الإطار المقترح، وقد يتجلى "اضطراب الاستبدال بالذكاء الاصطناعي" في مجموعة من التغيرات المعرفية والعاطفية، تشمل القلق المستمر، والأرق، والريبة أو الشك المفرط، وإنكار أهمية الذكاء الاصطناعي، إضافةّ إلى فقدان الهوية المهنية، والشعور بانعدام القيمة، والاستياء واليأس.

ونتيجةً لذلك، يؤكد - الإطار المقترح - على ضرورة "اتباع نهج فحص استراتيجي لتمييز اضطراب الذكاء الاصطناعي عن الحالات الأخرى ذات الأعراض المتشابهة".
 
غير أنّ الباحثين نبهوا إلى احتمال تداخل هذه الأعراض مع اضطرابات أخرى، مثل القلق أو الاكتئاب، ما يستدعي تطوير أدوات تقييم دقيقة تميز بين الحالات المختلفة.

ورغم أنّ "اضطراب الاستبدال بالذكاء الاصطناعي" لم يُدرج بعد ضمن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM)، فإنّ الدراسة أشارت إلى إمكانية إدراج أسئلة محددة في التقييمات الروتينية لرصد مؤشرات القلق المرتبط بالتحول التقني.

وفي الوقت الذي تتسارع فيه الخوارزميات، يبقى التحدي متمثلاً ليس فقط في مواكبة التكنولوجيا، بل أيضاً في صون التوازن النفسي للإنسان أمام مستقبل مهني سريع التغير.

اقرأ أيضاً: هل يشكّل الذكاء الاصطناعي خطراً وجودياً على البشر؟.. دراسة تجيب!

وبدروه، وصف الدكتور جوزيف ثورنتون، أستاذ الطب النفسي الإكلينيكي في الجامعة، من جهته، إزاحة العمال نتيجة الذكاء الاصطناعي بأنها "كارثة غير مرئية"، معتبراً أنّ آثارها النفسية قد تتجاوز حدود مكان العمل.
 
كما أكّد ثورنتون أنّ "التعامل مع هذه الظاهرة لا يجب أن يقتصر على العلاج الفردي، بل ينبغي أن يشمل دعماً مجتمعياً وتنسيقاً بين المؤسسات الصحية والتعليمية وصناع السياسات، بهدف حماية الصحة النفسية في ظل التحولات الرقمية المتسارعة".

ولأنّ ظاهرة الاستغناء عن الموظفين بسبب الذكاء الاصطناعي لا تزال في طور الظهور، فإنّ أمام الأطباء فرصةً فريدةً للترويج لها ودعمها. ومن خلال طرح هذه الظاهرة في المناقشات الرسمية حول تغييرات القوى العاملة، يُمكن للمهنيين الصحيين والمعلمين وصنّاع السياسات المساهمة في حماية الصحة النفسية للعاملين في ظلّ استمرار الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل أساليب العمل.

ويرى الباحثان في الدراسة أنّ المرحلة الراهنة تمثل فرصة للاعتراف المبكر بهذه الحالة قبل اتساع نطاق تأثيرها.

ويهدف الباحثان ماكنمارا وثورنتون، إلى دعم ممارسي الرعاية الصحية، مع التأكيد على أنّ فهم الإجهاد المرتبط بالذكاء الاصطناعي لا يزال في مراحله الأولى، بهدف تعزيز التشخيص السريري ومعالجة تحديات الصحة النفسية الناشئة في بيئة عمل تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

اقرأ أيضاً: الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى نهاية العالم وانقراض البشرية!

اخترنا لك