لومومبا المدرجات: كوكا يبعث تاريخ الكونغو من قلب المغرب

بثبات رخامي، أحيا المشجّع ميشيل كوكا ذكرى الزعيم المغتال لومومبا، محوّلاً مدرّجات "الكان" إلى صرخة سياسية ضدّ نسيان المحرقة الكونغولية الاستعمارية.

0:00
  • لومومبا المدرجات: كوكا يبعث تاريخ الكونغو من قلب المغرب
    لومومبا المدرجات: كوكا يبعث تاريخ الكونغو من قلب المغرب

وسط ضجيج الطبول الأفريقية الصاخبة وألوان المدرّجات الزاهية التي تملأ ملاعب كأس الأمم الأفريقية بالمغرب 2025، برز مشهد لم يكن مألوفاً لعدسات الكاميرات.

لم يكن الأمر يتعلّق بهدف إعجازي، بل برجل قرّر أن يكون هو نفسه "الأثر" و"الرسالة". ميشيل كوكا مبولادينغا، المشجّع الذي لم يذهب إلى المدرّج ليشجّع فريقه فحسب، بل ذهب ليُذكّر العالم بأنّ كرة القدم هي مرآة الشعوب وتاريخها الجريح.

وقف ميشيل طوال دقائق المباريات، بما فيها اللحظات العصيبة أمام المنتخب الجزائري، كتمثال من رخام لا تؤثّر فيه رياح التوتر.

  • لومومبا المدرجات: كوكا يبعث تاريخ الكونغو من قلب المغرب
    لومومبا المدرجات: كوكا يبعث تاريخ الكونغو من قلب المغرب

ببدلته الرسمية الأنيقة، ونظاراته التي تحاكي بدقة مظهر الزعيم الراحل باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء للكونغو المستقلة. لومومبا لم يكن مجرّد سياسي، بل كان الحلم الذي نبت وسط "محرقة منسية"؛ فبين عامي 1880 و1926، حصد الاستعمار البلجيكي الوحشي بقيادة الملك ليوبولد الثاني أرواح نصف سكان الكونغو، في واحدة من أبشع الجرائم ضدّ الإنسانية.

هذا التاريخ الثقيل هو ما يحمله ميشيل على كتفيه. لقد قرّر تجسيد لومومبا، الصحافي وموظف البريد البسيط الذي تحوّل إلى عملاق للوحدة الأفريقية، والذي اغتيل بوحشية عام 1961 بمؤامرة دولية اشتركت فيها بلجيكا والمخابرات المركزية الأميركية.

لم يكتفِ القتلة بإعدامه رمياً بالرصاص، بل أذابوا جثته في الحمض لإخفاء أثره، ولم يتبقَّ منه سوى "ضرس" واحد استُعيد مؤخّراً ليُدفن في ضريح بكينشاسا. هذه المأساة هي ما جعلت ميشيل يختار "وضعيّة التمثال"؛ ليعلن للعالم أنّ الرموز لا تذوب، وأنّ الذاكرة أقوى من الأسيد.

ثبات ميشيل الأسطوري، ويده اليمنى المرفوعة نحو الأفق بوقار لومومبا، يعكس أيضاً الامتداد القومي لهذه الشخصية. فالعالم العربي، وتحديداً مصر، ليس بعيداً عن هذه القصة؛ إذ احتضن الزعيم جمال عبد الناصر عائلة لومومبا وأطفاله الستة بعد اغتيال والدهم، ليظلّ لومومبا رمزاً للتحرّر المشترك بين ضفاف النيل وأعماق أدغال الكونغو.

  • لومومبا المدرجات: كوكا يبعث تاريخ الكونغو من قلب المغرب
    لومومبا المدرجات: كوكا يبعث تاريخ الكونغو من قلب المغرب

هذا الرقي في التعبير الذي أظهره ميشيل، خاصة في مواجهة "الخضر" الماراثونية، أوصل رسالة مفادها أنّ الصمود في المستطيل الأخضر هو الصمود السياسي الذي دفع لومومبا ثمنه حياته.

في عالم الرياضة الحديثة المليء بالمظاهر، أعاد ميشيل كوكا تعريف "الولاء". لقد أثبت أنّ كرة القدم يمكن أن تكون منصة "دبلوماسية شعبية"؛ فبينما كان الجميع ينتظر منه الانفعال، ظلّ وفياً لهيبة الزعيم. لقد دفع كلّ من يشاهده للبحث عن تاريخ "ليوبولدفيل" وصراع لومومبا ضدّ الانفصاليين والقوى الإمبريالية. لقد جسّد مقولة لومومبا الشهيرة في خطابه التاريخي أمام ملك بلجيكا: "لن ننسى السخرة والعبودية التي فُرِضت علينا".

لقد كانت رسالة ميشيل صرخة صامتة ضدّ "المحرقة المنسية" واستعادة لاعتبار لومومبا الذي "لم يقدّم نفسه كفاتح بل كمُحضّر للكرامة". غادر المشجّعون الملاعب، وبقيت صورة "تمثال لومومبا" محفورة في ذاكرة البطولة كأقوى لقطة تعبيرية شهدتها القارة السمراء. لقد أثبت ميشيل كوكا أنّ الصمت في المدرّج قد يكون أبلغ من ألف هتاف، وأنّ الثبات هو أسمى درجات المقاومة.

اخترنا لك