وداع مهيب لرجل قلّ نظيره.. ملايين العراقيين يشاركون في تشييع الشهيد السيد خامنئي

طوفان بشري اجتاح محافظتي النجف الأشرف وكربلاء المقدسة العراقيتين، خلال مراسم تشييع القائد الأممي الشهيد السيد علي خامنئي.

  • وداع مهيب لرجل قلّ نظيره.. ملايين العراقيين يشاركون في تشييع السيد الخامنئي
    وداع مهيب لرجل قلّ نظيره.. ملايين العراقيين يشاركون في تشييع الشهيد السيد خامنئي

طوفان بشري اجتاح محافظتي النجف الأشرف وكربلاء المقدسة العراقيتين، خلال مراسم تشييع القائد الأممي الشهيد السيد علي خامنئي، في مشهد كشف حجم الترابط وعمق العلاقة التاريخية بين العراق والجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ملايين الزوّار من داخل العراق وخارجه، احتشدوا لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على نعش القائد الذي ضحّى بروحه لإعلاء كلمة الحق بوجه الغطرسة الأميركية والإرهاب الإسرائيلي.

البداية من النجف

مساء الثلاثاء في السابع من تموز/يوليو، وصلت جثامين السيد خامنئي وأفراد أسرته إلى مطار النجف الدولي، برفقة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقتشي.

وكان في استقبالهم وفد عراقي رسمي رفيع المستوى، يتقدمه رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، ورئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، ورئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي، والشيخ قيس الخزعلي، وهادي العامري، والسيد عمار الحكيم، إلى جانب شخصيات سياسية ودينية وعشائرية، مع حضور شعبي كبير ضاق به المطار ومحيطه.

صباح الأربعاء، انطلقت مراسم التشييع في النجف الأشرف، وسط إجراءات أمنية وتنظيمية مكثفة، حيث انطلق موكب الشهداء من شارع الكوفة باتجاه مرقد الإمام علي عليه السلام، حيث جرت صلاة الجنازة بإمامة السيد محمد تقي الحكيم أحد كبار أساتذة الحوزة العلمية في النجف.

على طول طريق الموكب، بدا المشهد غير مألوف، فشوارع النجف ضاقت بالطوفان البشري الذي حضر مراسم التشييع. رجالاً ونساء، شيوخاً وشباباً، قدموا من مختلف المحافظات العراقية حاملين صور القائد الشهيد ورايات الحزن، ليكون هذا التشييع واحداً من أكبر المراسم التي شهدتها المدينة.

الشاب السوري المقيم في محافظة النجف حيدر مشهدية قال للميادين نت إن السيد خامنئي شكّل جدار المواجهة الأول ضد المشروع الأميركي – الإسرائيلي في "الشرق الأوسط" والعالم، من خلال رفضه مبدأ الهيمنة والوصاية على شعوب المنطقة، ودعمه حركات المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق واليمن.

وأشار مشهدية إلى أن فكر السيد خامنئي زرع في الشباب العربي روح المقاومة وعدم الخنوع، وهذا ما بدا جليّاً من خلال التشييع المليوني للقائد الشهيد في النجف الأشرف، حيث أثبت العراقيون أنهم أصحاب غيرة وعنفوان، ويعرفون الصديق من العدو، وأنهم يريدون رد جزء من الدَين للسيد خامنئي الذي ضحّى بروحه من أجل المظلومين.

ورأى مشهدية أن دماء الشهيد الزكية ستثمر نصراً في نهاية الطريق، وستكون الشرارة لخروج قوات الاحتلال الأميركية والإسرائيلية من المنطقة، كما ستمهد شهادته المُباركة الطريق أمام الشباب المقاوم لمتابعة الطريق وإكمال المسيرة.

المحطة الثانية في كربلاء

في كربلاء المقدسة، كان من المفترض أن تبدأ مراسم التشييع عند الساعة الرابعة عصراً، لكن جموع المعزين من أبناء العشائر على امتداد الطريق الواصل بين النجف وكربلاء أخّروا بدء المراسم حتى الساعة التاسعة مساءً.

بالقرب من مشفى الشهيد أبو مهدي المهندس، كانت المحطة الأولى لمراسم التشييع في كربلاء؛ هناك كان مئات الآلاف من المعزين بانتظار جثمان السيد خامنئي في ظل درجات حرارة عالية جداً، لكنهم أصرّوا على الانتظار ساعات عديدة لحين وصول الجثمان.

في هذه الأثناء، كانت مواكب العزاء الشعبية تنتشر على الطرقات لتأمين المياه والطعام للمشيعين، من أجل تخفيف وطأة الحرّ الشديد عنهم.

مع وصول النعش إلى النقطة الأولى، كان عدد المشيعين قد تضاعف، ما جعل تحرك الموكب باتجاه مرقد الإمام الحسين عليه السلام ضرباً من المستحيل.

تقدم الموكب ببطء شديد بين جموع المشيعين، وشق طريقه بصعوبة نحو المرقد الشريف، حيث كان بانتظاره طوفان بشري لم يستوعبه المكان.

وصل النعش إلى مرقد الإمام الحسين محمولاً على الأكتاف عند الساعة الثانية ليلاً، قبل أن يغوص في أمواج المشيعين الذين انتظروا لحظة اللقاء منذ ساعات الصباح.

داخل مرقد الإمام الحسين عليه السلام، أمّ الشيخ عبد المهدي الكربلائي المتولي الشرعي للعتبة الحسينية المقدسة المشيعين في صلاة الجنازة، بحضور جمع غفير من القيادات السياسية والشخصيات الدينية والحشود الشعبية.

على أرض كربلاء، حيث تنبض الأرض بالحزن، وتلتقي الدموع بالدموع، وقفت الصحافية اللبنانية هدى علي وهي مثقلة بمشاعر الفقد أمام الوداع المهيب بين المرقدين الشريفين؛ وداع الرجل الذي عاش مقاوماً، ورحل حرّاً أبيّاً لا يرضى الذلّ، تاركاً في قلب أحرار العالم حزناً لا يندمل.

قالت علي للميادين نت: "نظرتُ حولي في الزحام، فرأيتُ الوجوه الحزينة وقد غشاها ذهول الفقد، والشفاه المكلومة وهي ترتجف بآهات الصدور وتتمتم بكلمات الوداع الأخير".

وتابعت: "هنا بين الحرمين يمتد الطوفان البشري كبحرٍ متلاطم من السواد واللوعة، حيث غصّ المكان بحشودٍ مليونية تزاحمت أكتافها بقلوب يعتصرها الألم، وامتزجت أصوات نحيبها بهتافات الوفاء التي هزت أركان المكان".

وأضافت: "في هذا المشهد الجنائزي، يشعر المرء بحجم الخسارة، إذ يشكّل فقد المرشد الأعلى خسارة كُبرى للشعوب الحرة حول العالم، والتي فقدت قائداً تاريخياً كان يحمل في حضوره أسمى معاني المقاومة والقوة، ومنارة رسخ مفهوم الإباء والثبات في وجه العواصف، لذاك فإن رحيله اليوم يعتبر خسارة فادحة لكل إنسان يتطلع نحو الحرية والعدالة".

وعبّرت عن حزنها الشديد بالقول: "أقف في كربلاء وسط هذه الأمواج البشرية المفجوعة، تملأ قلبي غصة لا يواسيها سوى أن مبادئ المقاومة والقوة التي عاش من أجلها السيد الخامنئي ستبقى حيّة، تنبض في عروق الأحرار، وتستمد من هذه الأرض الطاهرة وعود البقاء والانتصار".

من مرقد الإمام الحسين إلى مرقد العباس

خرج نعش السيد الخامنئي محمولاً على الأكتاف من مرقد الإمام الحسين نحو مرقد أخيه العباس، مروراً بمنطقة "بين الحرمين"؛ هناك كان المشهد يفوق حدود الوصف.

كباراً وصغاراً، نساء ورجال، ومرضى على كراسٍ متحركة، حملوا رايات الحزن وصور الشهيد خامنئي إلى جانب صور السيد علي السيستاني، تعبيراً عن التلاحم الذي يربط أبناء العراق بالشعب الإيراني.

تسابقت الأيدي للمس النعش، بينما كانت الورود تتناثر نحوه من جموع المعزين، حتى وصل الموكب إلى مرقد العباس، لتنطلق بعد ذلك صلاة الجنازة بإمامة السيد أحمد الصافي المتولي الشرع للعتبة العباسية.

الشيخ هاني العبودي من محافظة كربلاء قال للميادين نت: "أعزي الأمة الإسلامية جمعاء بشهادة القائد العظيم آية الله السيد علي خامنئي، الذي وقف طوال حياته إلى جانب المظلومين في جميع أنحاء العالم، والذي وقف إلى جانب الحق بجميع أشكاله، مجسداً تعاليم القرآن بنصرة الثبات والإخلاص والطاعة لله تعالى، غير مكترث بجبروت العدو وطغيانه".

وأضاف الشيخ العبودي أن السيد الخامنئي أعطى دروساً في كل جزئية من جزئيات حياته، والتي أمضاها واقفاً شامخاً ثابتاً بوجه الأعداء حتى لحظة استشهاده.

وعن التشييع المهيب للسيد الخامنئي في العراق، قال الشيخ العبودي إن أبناء العراق جسّدوا بحضورهم الغفير أصدق معاني الوفاء للسيد خامنئي الذي دعم العراق وشعبه في مختلف المراحل بجميع الإمكانيات التي تملكها الجمهورية الإسلامية.

وأضاف أن الحضور الكبير كان رسالة واضحة بأن الشعبين العراقي والإيراني يحملان الأهداف نفسها في التحرر من الظلم والاستكبار، ونصرة المظلوم، والوقوف مع الحق بوجه الباطل.

نجاح لافت لمراسم التشييع

قدّم العراق مجدداً صورة مشرفة عن قدرته الكبيرة على تنظيم الأحداث والفعاليات الجماهيرية، مستفيداً من تجاربه الفريدة على صعيد زيارتي عاشوراء والأربعين، اللتين يستقبل خلالهما ملايين الزوار من داخل العراق وخارجه.

إحسان ياسين العوادي، رئيس اللجنة العليا المكلفة بالإعداد والتنظيم لمراسم التشييع في العراق، قال إنه ورغم التدفق المليوني الذي شهدته المدينتان المقدستان، وتجاوز أكثر من 10 ملايين مشيّع، فقد أثبتت الخطط الموضوعة كفاءتها العالية، إذ أُنجزت مراسم التشييع بانسيابية وانتظام، ومن دون تسجيل أيّ خروقات أو حوادث تُذكر.

ولفت العوادي إلى أن اللجنة وضعت رؤية متكاملة لإدارة مراسم التشييع، فعقدت سلسلةً من الاجتماعات المكثفة مع الجهات المختصة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ونسقت مع القيادات العليا في الحكومتين المحليتين "كربلاء والنجف"، والعتبات المقدسة (العلوية والحسينية والعباسية)، وقيادة العمليات المشتركة، والأجهزة الأمنية والخدمية، وجميع المؤسسات المساندة، بهدف توحيد الجهود وتسخير الإمكانات لإنجاز هذا الواجب على أكمل وجه.

وأضاف: "إن اللجنة العليا، وهي تعلن نجاح هذه المهمة الوطنية والدينية، تتقدم بأسمى آيات الشكر والتقدير إلى جميع المؤسسات الرسمية، والعتبات المقدسة، والأجهزة الأمنية والعسكرية، ولا سيما هيئة الحشد الشعبي، والكوادر الصحية والخدمية، والمواكب الحسينية، وآلاف المتطوعين، وإلى أبناء الشعب العراقي كافة، الذين قدموا أنموذجاً مشرّفًاً في الانضباط، والتعاون والالتزام، وأسهموا في إنجاح هذه المناسبة بما يليق بمكانة الفقيد وعظمة المناسبة".

لقد أثبت التشييع المهيب للسيد الخامنئي في العراق عمق الترابط والتلاحم بين شعوب المنطقة، ووقوفهم صفاً واحداً بوجه المخططات الأجنبية التي تريد الإبقاء على القوات المحتلة في المنطقة، لتبقى الشعوب خانعة للمشاريع الاستعمارية، كما أكد الحضور الجماهيري أن رسالة السيد الخامنئي في التحرر من الظلم والاستبداد مستمرة ومترسخة لدى شعوب المنطقة.

اقرأ أيضاً: عراقتشي يشكر العراق على تشييع الشهيد السيد علي خامنئي: علاقتنا تتجاوز حدود الجغرافيا

بدأت يوم الجمعة 3 تموز/يوليو مراسم تشييع القائد الأممي الشهيد السيد علي خامنئي، في مراسم تستمر عدة أيام وتتنقل بين عدة مدن في إيران والعراق.

اخترنا لك