مونديال الولايات المتحدة.. الهجرة والحرب والغلاء تطغى على البطولة
للمرة الأولى، تجري مباريات كأس العالم لكرة القدم في 3 دول، بينها الولايات المتحدة، حيث تنعكس سياسات الهجرة والحرب على إيران وارتفاع التكاليف في مجريات البطولة.
-
مونديال الولايات المتحدة.. الهجرة والحرب والغلاء تطغى على البطولة
لم يكن فوز الولايات المتحدة على الباراغواي في إحدى مباريات كأس العالم 2026 هو الحدث الذي استحوذ على اهتمام رواد مواقع التواصل الاجتماعي وعناوين الأخبار. بل تصدّر المشهد رئيس الوزراء الكندي السابق جاستن ترودو، الذي رافق حبيبته الأميركية، المغنية كايتي بيري، لحضور العرض الذي قدّمته قبيل المباراة، في وقت كان المنتخب الكندي يخوض مباراة أمام البوسنة والهرسك على أرضه.
هذا المشهد أثار موجة واسعة من الانتقادات لترودو، إذ تساءل كثيرون: كيف يغيب عن تشجيع منتخب بلاده، ويتوجه لمتابعة مباراة منتخب آخر في دولة وصف رئيسها كندا بـ"الولاية الأميركية الحادية والخمسين"، ووصف ترودو بـ"الحاكم" عندما كان لا يزال يتولى رئاسة الوزراء؟
أما في المكسيك، ثالث الدول المستضيفة لكأس العالم، فلم تُقم أي مباراة في ذلك اليوم. ومع ذلك، لم تغب عن المشهد التهديدات التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد المكسيك خلال الفترة الماضية، والتي حضرت بالتوازي مع أجواء البطولة. وهكذا وجد متابعو كأس العالم 2026 أنفسهم يتابعون السياسة بقدر متابعتهم كرة القدم، في بطولة تُقام للمرة الأولى في ثلاث دول، تتبنى إحداها سياسات عدائية تجاه الدولتين المضيفتين الأخريين، بينما تخوض حرباً ضد دولة مشاركة، وسط تداعيات سياسات الهجرة وارتفاع تكاليف السفر والإقامة.
نرحب بالجميع.. ولكن
"لا يسعنا الانتظار للترحيب بجماهير كرة القدم من كل أنحاء العالم".
- الرئيس الأميركي دونالد ترامب
"نريد توحيد العالم، وسنوحده العام المقبل. الجميع مرحب بهم".
- رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو
لكن سرعان ما بدا أن الواقع يناقض هذه التصريحات. فمنذ انطلاق مباريات كأس العالم 2026، عادت قضية الهجرة وأزمة التأشيرات إلى الواجهة. وعلى خلاف البطولات السابقة، التي سعت فيها الدول المضيفة إلى تسهيل دخول الجماهير، تحولت البطولة في الولايات المتحدة إلى مناسبة لتطبيق سياسات أكثر تشدداً تجاه الهجرة.
وكان أبرز الأمثلة منع الحكم الصومالي عمر أرتان من دخول مدينة ميامي، رغم تعيينه من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم، وحصوله على جائزة أفضل حكم رجال في إفريقيا لعام 2025. وكان من المنتظر أن يصبح أول حكم صومالي يدير مباريات في كأس العالم، إلا أن سلطات الجمارك وحماية الحدود الأميركية منعته من الدخول، بدعوى وجود "معلومات سلبية" تتعلق بارتباطه المزعوم بأشخاص يشتبه بانتمائهم إلى منظمات إرهابية، معتبرة أنه غير مؤهل لدخول الولايات المتحدة بموجب قانون الهجرة والجنسية.
واحتجت الصومال، وهي إحدى نحو أربعين دولة فرضت عليها إدارة ترامب قيوداً على السفر، لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم، من دون أن تحقق أي نتيجة. أما "فيفا"، الذي كان قد منح ترامب "جائزة فيفا للسلام" في كانون الأول/ديسمبر الماضي، فاكتفى بالقول إنه لا يملك صلاحية التدخل في قرارات الهجرة التي تتخذها الدولة المضيفة.
ولم يقتصر التشدد الأميركي على الحكم الصومالي، بل طال أيضاً بعض المنتخبات المشاركة. فقد خضع منتخب السنغال لإجراءات تفتيش وُصفت بالمهينة لدى وصوله إلى الولايات المتحدة، شملت استخدام الكلاب البوليسية والتفتيش اليدوي. كذلك أخضعت السلطات الأميركية مهاجم المنتخب العراقي أيمن حسين لتحقيق في مطار أوهير بمدينة شيكاغو، بسبب تشابه اسمه مع اسم شخص آخر مدرج على لوائح المراقبة الأميركية. واستمر التحقيق معه سبع ساعات، فيما خضع مصور المنتخب، طلال صلاح، لتحقيق تجاوز عشر ساعات، انتهى بالسماح لحسين بدخول البلاد، مقابل منع صلاح من دخول الأراضي الأميركية.
قيود التأشيرات تطال المشجعين والإعلام
ولم تتوقف الإجراءات عند حدود المنتخبات، إذ امتدت إلى الجماهير أيضاً. فقد رُفضت طلبات تأشيرات دخول عدد كبير من مشجعي المنتخبات الأفريقية المتأهلة إلى كأس العالم، ومن بينها غانا. كما حُرم عشرات المشجعين المغاربة من الحصول على تأشيرات الدخول، برغم شرائهم تذاكر المباريات، فيما أُلغيت تأشيرات عدد من المشجعين الاسكتلنديين بصورة مفاجئة.
وامتدت التعقيدات إلى وسائل الإعلام، إذ واجه مئات الصحافيين الحاصلين على اعتمادات رسمية من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) صعوبات كبيرة في الحصول على تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة لتغطية البطولة. ولم يتلقَّ عدد منهم أي رد من القنصليات والسفارات الأميركية لتحديد مواعيد المقابلات اللازمة لاستكمال إجراءات التأشيرة. وكان معظم هؤلاء من دول عربية وأفريقية، بينها مصر والمغرب والجزائر والسنغال وساحل العاج وغانا وغينيا بيساو ونيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، إضافة إلى إيران.
ولم يقتصر تأثير سياسات الهجرة الأميركية على الحدود والمطارات والسفارات، بل امتد إلى الملاعب أيضاً، حيث نُشرت عناصر من وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية (ICE) لتتولى مهاماً أمنية خلال البطولة. وكان وزير الداخلية الأميركي ماركواين مولين قد أعلن، في أيار/مايو الماضي، عن هذا الدور الأمني، من دون أن يستبعد تنفيذ الوكالة عمليات توقيف تستهدف مهاجرين.
وبذلك، وجد أفراد الجاليات المختلفة، ولا سيما القادمون من أميركا اللاتينية والدول التي يواجه مواطنوها قيوداً على دخول الولايات المتحدة، أنفسهم أمام احتمال التعرض للتوقيف، في ظل الحملات التي تصاعدت منذ كانون الثاني/يناير الماضي. وعلى الرغم من عدم تسجيل حالات اعتقال داخل الملاعب حتى الآن، فإن وجود عناصر الوكالة فيها عزز مخاوف كثير من المسافرين إلى الولايات المتحدة، الذين يخشون أن يصبحوا أهدافاً لإجراءاتها.
إيران.. المنتخب الأكثر تعرضاً للتضييق
"لن نسمح بإدخال أشخاص لا علاقة لهم بالرياضة، ولديهم ارتباطات بحرس الثورة".
- وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو
"منتخبنا هو الأكثر تعرضاً للاضطهاد في كأس العالم".
- مدرب المنتخب الإيراني أمير قلعة نويي
وتأتي هذه القيود في وقت تُقام فيه البطولة بينما تخوض إحدى الدول المضيفة، وهي الولايات المتحدة، حرباً ضد دولة مشاركة في البطولة، هي إيران، في سابقة غير معهودة في تاريخ كأس العالم.
وكما حدث مع منتخبات عربية وأفريقية وجماهيرها، منعت السلطات الأميركية 15 عضواً من الجهازين الإداري واللوجستي للمنتخب الإيراني من الحصول على تأشيرات الدخول، بينهم رئيس الاتحاد الإيراني لكرة القدم مهدي تاج. كما سُحبت بطاقات عدد من المشجعين الإيرانيين، برغم حصولهم مسبقاً على التأشيرات واستكمالهم حجوزات السفر والإقامة.
وفي خطوة أثارت مزيداً من الجدل، ألغى الاتحاد الدولي لكرة القدم الحصة المخصصة لإيران من التذاكر، والتي كانت تقدر بآلاف البطاقات، قبل يومين فقط من انطلاق البطولة، ما حرم الجماهير الإيرانية من نسبة الـ8% من التذاكر التي يحق لكل منتخب توزيعها. ورأى الاتحاد الإيراني لكرة القدم أن هذه الخطوة تعكس إجراءات هدفت إلى عرقلة حضور المشجعين الإيرانيين في الملاعب.
كما اضطُر المنتخب الإيراني إلى نقل مقر إقامته من مدينة توسون في ولاية أريزونا الأميركية إلى مدينة تيخوانا المكسيكية، بعدما رفضت السلطات الأميركية السماح له بالإقامة داخل أراضيها طوال فترة البطولة. ونتيجة لذلك، بات الفريق مضطراً إلى السفر من المكسيك إلى الولايات المتحدة قبل كل مباراة، ثم العودة مباشرة بعد انتهائها، على خلاف بقية المنتخبات التي تقيم بالقرب من ملاعبها وتستفيد من فترات الراحة والاستشفاء.
وبحسب مدرب المنتخب الإيراني أمير قلعة نويي، فإن فريقه أصبح "الأكثر تعرضاً للاضطهاد" في البطولة، إذ لم يتمكن من الوصول إلى لوس أنجلوس قبل مباراته الأولى إلا في الليلة السابقة، قبل أن يغادرها بعد ساعات قليلة من صافرة النهاية. كما استغرقت رحلة الفريق بين تيخوانا ولوس أنجلوس نحو خمس ساعات بسبب إجراءات العبور الحدودية، برغم أن مدة الرحلة الجوية المباشرة لا تتجاوز ساعة واحدة.
وفي مباراته الثانية أمام بلجيكا، وصل المنتخب الإيراني إلى لوس أنجلوس قبل 24 ساعة فقط من موعد اللقاء، ثم عاد إلى المكسيك مباشرة بعد انتهائه، من دون أن يحظى بوقت كافٍ للتعافي، وهو ما وصفه المدرب بأنه "أسوأ الظروف الممكنة".
وبعد الشكاوى التي قدمها الاتحاد الإيراني لكرة القدم والاتحاد الدولي، خففت وزارة الأمن الداخلي الأميركية بعض القيود، فسمحت للمنتخب الإيراني بالوصول قبل يومين من مباراته أمام مصر في مدينة سياتل، إلا أنه ظل ملزماً بمغادرة الولايات المتحدة فور انتهاء المباراة والعودة إلى المكسيك.
ووصف قائد المنتخب الإيراني، مهدي طارمي، هذه الإجراءات بأنها "كارثية وغير عادلة"، مؤكداً أن الفريق لا يزال محروماً من كامل جهازه اللوجستي ومن فرص التعافي التي تتمتع بها بقية المنتخبات المشاركة.
كأس عالم الأغنياء
"لا يمكنك حضور مباراة جامعية في الولايات المتحدة، ناهيك عن مباراة احترافية رفيعة المستوى، بأقل من 300 دولار. ونحن هنا نتحدث عن بطولة كأس العالم".
- رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو
"بالتأكيد أود حضور المباراة، لكنني – بصراحة – لن أدفع هذا المبلغ".
- الرئيس الأميركي دونالد ترامب
وبعيداً عن القيود على السفر والخلفيات السياسية التي أحاطت بالتعامل مع بعض المنتخبات، واجه المشجعون تحدياً آخر لا يقل صعوبة، تمثل في الارتفاع الكبير لأسعار التذاكر.
فإلى جانب تكاليف التأشيرات وتذاكر السفر والإقامة، تختلف كلفة حضور المباريات تبعاً لعدة عوامل، أبرزها المدينة المستضيفة، ووسائل النقل، والمنتخبات المتنافسة، وموقع المقعد داخل الملعب، فضلاً عن نفقات الفنادق والطعام وسائر المصاريف المرتبطة بالسفر.
وبذلك، بات حضور المباريات متاحاً لشريحة محدودة من الجماهير، من دون أن يقترن دفع هذه الأسعار الباهظة بخدمات أو مزايا استثنائية، الأمر الذي أقصى كثيرين من عشاق كرة القدم عن المشاركة في الحدث الرياضي الأكبر في العالم.
وشكلت تذاكر الفئة الثالثة الخيار الأقل كلفة، إذ تراوحت أسعارها بين 140 و1410 دولارات، باستثناء عدد محدود من المشجعين المحليين الذين فازوا، عبر القرعة، بتذاكر بلغ سعر الواحدة منها 60 دولاراً. ولم يتجاوز عدد هذه التذاكر 130 ألفاً من أصل ما بين 6 و7 ملايين تذكرة طُرحت للبيع.
أما تذاكر الفئة الأولى، فقد لامست 11 ألف دولار عند طرح دفعة منها في نيسان/أبريل، فيما قاربت أسعار المقاعد الأمامية 33 ألف دولار، لتصبح من الأغلى في تاريخ بطولات كأس العالم.
ولم تقتصر المشكلة على ارتفاع الأسعار، بل إن هذه الأسعار لم تكن ثابتة، بعدما اعتمد الاتحاد الدولي لكرة القدم للمرة الأولى نظام "التسعير الديناميكي"، الذي يربط قيمة التذاكر بحجم العرض والطلب.
وأدى اعتماد هذا النظام إلى ارتفاع كبير في أسعار المباريات الأكثر طلباً، لتصبح الأغلى في تاريخ البطولة، كما أسهم في ازدهار السوق الثانوية لإعادة بيع التذاكر، حيث عُرضت بعض البطاقات بأضعاف سعرها الأصلي.
وشهدت مباريات المنتخبات الجماهيرية، مثل الأرجنتين والبرازيل، قفزات كبيرة في الأسعار، فيما انخفضت أسعار تذاكر بعض المباريات الأقل طلباً على منصات إعادة البيع، مثل StubHub وSeatGeek وTicket Club.
ودافع رئيس "فيفا"، جياني إنفانتينو، عن سياسة الأسعار المرتفعة، معتبراً أن انخفاض أسعار التذاكر سيؤدي إلى انتقال أرباح إعادة البيع إلى السوق السوداء أو إلى الشركات الوسيطة، بدلاً من أن تستفيد منها كرة القدم.
كما رأى أن طبيعة السوق الأميركية، التي تعد من أكبر أسواق الترفيه في العالم، تفرض اعتماد مستويات أسعار تتناسب مع قدرتها الشرائية.
لكن المفارقة أن الرئيس الأميركي، الذي تُقدّر ثروته بمليارات الدولارات، اعتبر أن دفع ألف دولار لحضور مباراة منتخب بلاده مبلغ مرتفع، في وقت اضطر فيه مشجعون من مختلف أنحاء العالم إلى تحمل تكاليف باهظة وإجراءات سفر معقدة لمساندة منتخباتهم.
وفي النهاية، لم يصطدم هؤلاء المشجعون فقط بارتفاع الأسعار، بل أيضاً بسياسات الهجرة والحدود والتأشيرات، وبقيود فرضتها الدولة المضيفة على بعض المنتخبات، ولا سيما المنتخب الإيراني، وسط موقف خجول من الاتحاد الدولي لكرة القدم، الذي سبق أن منع إندونيسيا من استضافة كأس العالم للشباب عام 2023 بسبب اعتراض مسؤولين فيها على مشاركة الاحتلال الإسرائيلي، بينما بدا أقل حدة في التعامل مع الإجراءات الأميركية خلال مونديال 2026.