من دمشق إلى حمص.. كيف يخسر سوريون منازلهم بقوة السلاح؟
تتسع ظاهرة تهجير العلويين والشيعة في سوريا والاستيلاء على منازلهم وأراضيهم، من دمشق وريف حماة إلى كفريا والفوعة وريف حمص، وسط مخاوف من تغيير ديموغرافي قسري.
-
من دمشق إلى حمص.. كيف يخسر سوريون منازلهم بقوة السلاح؟
لم يكن ما جرى مع عائلة الممثل السوري لجين إسماعيل إلا جزءاً صغيراً مما تتعرض له الأقليات الدينية في سوريا الجديدة، من تهديد وتهجير بقوة السلاح، من دون قدرة على المقاومة أو حتى الشكوى.
لجين إسماعيل، بطل مسلسل "معاوية" عام 2025، قال في مقطع مصوّر انتشر على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، إن شقيقه معتقل لدى الأمن العام السوري، من دون السماح لعائلته بمعرفة مكان احتجازه أو تمكين محاميه من الوصول إليه، ومن دون توجيه أي تهم إليه.
كما كشف إسماعيل عن حادثة جديدة استهدفت عائلته المقيمة في منطقة المزة بدمشق، حيث طوّق الأمن العام الحي، قبل أن يُخرج شقيقتيه من منزل العائلة، ويعلن مصادرة المنزل والاستيلاء عليه، من دون توضيح الأسباب.
وتعرّض إسماعيل، بعد نشر المقطع، لهجوم كبير من مؤيدي السلطة الحالية، واتُّهم شقيقه بأنه كان يعمل ضابطاً ضمن صفوف "الفرقة الرابعة" في الجيش السابق، ما دفع الفنان السوري إلى الظهور مجدداً في مقطع مصوّر، ليقدّم إثباتات ووثائق تؤكد كلامه السابق عن شقيقه وعن المنزل الذي تم الاستيلاء عليه.
ما حدث مع عائلة الفنان لجين إسماعيل، من تهديد واعتقال وتهجير، ينطبق، بحسب معطيات هذا التقرير، على آلاف العائلات السورية التي وجدت نفسها، في ظل النظام الجديد، محرومة من منازلها بقوة السلاح، ومعرّضة للقتل إن فكّرت في الانتقاد أو الرفض.
في دمشق.. تهجير العلويين والاستيلاء على المنازل
وسط العاصمة السورية دمشق، تعرّضت أكثر من خمسين عائلة علوية للتهجير من منازلها في منطقة "الزهريات"، استناداً إلى أوامر صادرة عن وزارة الدفاع، حيث جرى إخراج العائلات بما عليها من ثياب فقط، والاستيلاء على محتويات البيوت والأموال الموجودة فيها، ثم توزيع المنازل على عناصر من الأمن العام، بحسب بيان نشرته مجموعة من الإعلاميين والمثقفين السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي.
واعتبر البيان أن هذه الحادثة تشكّل حلقة جديدة في مسار متكرر من التهجير القسري القائم على الهوية الطائفية والتغيير الديموغرافي بالقوة، وتمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق السكن والملكية والأمان الشخصي وسيادة القانون.
وحمّل الموقّعون على البيان السلطة الانتقالية المسؤولية السياسية والقانونية الكاملة عن الانتهاكات التي يتعرض لها السوريون العلويون.
وما تعرّض له أهالي "الزهريات" في دمشق يأتي امتداداً لما واجهه العلويون في أحياء السومرية والتضامن والمزة 86 وعش الورور في قلب العاصمة، من الاستيلاء على منازلهم بقوة السلاح، من دون قدرة منهم على الاعتراض، في وقت لم تلقَ فيه شكاواهم آذاناً صاغية من الجهات الأمنية.
وتشير معلومات الميادين نت إلى أن عمليات الاستيلاء على منازل العلويين في دمشق وباقي المحافظات تتم بطرق متعددة، مثل إصدار قرارات حكومية تزعم أن تلك الأملاك "مناطق مخالفات" أو "مرتبطة بعناصر النظام السابق"، ويعقب تلك القرارات تحرّك القوى الأمنية للاستيلاء على المنازل وطرد أهلها.
وقد تتم عمليات الاستيلاء على المنازل بطرق فردية من قبل قادة فصائل أصبحوا جزءاً من الأمن العام أو الجيش الجديد، وهنا تغيب القرارات الحكومية وتحضر سطوة السلاح لإخلاء المنازل والاستيلاء عليها بالقوة.
ومن الممكن أيضاً أن تتم عمليات الاستيلاء من قبل مسلحين موالين للحكومة الانتقالية وغير منتمين إلى الأجهزة الأمنية، وهذا ما يحصل في كثير من قرى ريف حمص، حيث تقوم جماعات من البدو بالسيطرة على منازل المدنيين وأراضيهم ومحاصيلهم الزراعية بقوة السلاح.
ريف حماة.. عائلات علوية مهجّرة ومخاوف من تغيير ديموغرافي
من دمشق إلى حماة، لا يزال أهالي 14 قرية في ريف حماة الشمالي مهجّرين من منازلهم وأراضيهم، رغم مرور قرابة 20 شهراً على سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، وسط مخاوف من تكريس واقع ديموغرافي جديد في المنطقة.
وينتمي غالبية سكان القرى إلى الطائفة العلوية، ومنها: معان، وطليسية، ومريود، والمبطن، والزغبل، والفان القبلي، والفان الوسطاني، والشعتي، وطوبا، وأبو منسف، والخرسان، وكفر الطون، وأرزة، والشيخ علي كاسون.
وتُعرف هذه القرى بنشاطها الزراعي، ولا سيما زراعة الفستق الحلبي والزيتون، حيث تشكّل أراضيها الزراعية مصدر الدخل الأساسي لعائلاتها.
وبحسب مصادر محلية، فإن عمليات التهجير طالت معظم سكان هذه القرى مباشرة بعد سقوط النظام، ورغم إصرار البعض على البقاء في منازلهم، فإن هؤلاء تعرّضوا للتهديد المستمر، وواجهوا جرائم قتل شبه يومية على يد مسلحين مجهولين، ما أجبرهم لاحقاً على مغادرة منازلهم، في ظل عدم تحرّك الأجهزة الأمنية لحمايتهم.
ومؤخراً، تم طرح بعض الأراضي في هذه القرى للاستثمار، رغم ملكيتها، وفق وثائق رسمية، لمدنيين من أبناء الطائفة العلوية، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة الاستثمار وأهدافه على أراضٍ غير مملوكة للدولة، وسط مخاوف من عمليات تغيير ديموغرافي صامتة في ريف حماة.
كفريا والفوعة.. شيعة سوريا أمام خطر فقدان الممتلكات
في عام 2018، تم إخلاء بلدتي الفوعة وكفريا من سكانهما الأصليين ضمن ما عُرف حينها بـ"اتفاق المدن الأربع"، حيث كانت البلدتان، الواقعتان في ريف إدلب الشرقي، محاصرتين من الفصائل المسلحة، ومنذ ذلك التاريخ لم يعد أهالي البلدتين، من أبناء الطائفة الشيعية، إلى منازلهم.
وما زاد الأمر سوءاً هو تحوّل البلدتين إلى مركز رئيسي للمقاتلين الأجانب، الذين أصبحوا، بعد سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد، جزءاً من الجيش الجديد في البلاد، حيث استوطن المقاتلون الأجانب وعائلاتهم في البلدتين، واستولوا على منازل المدنيين.
هذه التطورات جعلت من المستحيل على الأهالي العودة مجدداً إلى البلدتين، ما دفع العديد منهم إلى التفكير في بيع ممتلكاتهم بأسعار زهيدة كي لا يخسروها بالمجان.
وتشير معلومات الميادين نت إلى وجود نشاط ملحوظ لسماسرة ووسطاء، تكون مهمتهم تسهيل عمليات بيع الأراضي والمنازل من أصحابها الأساسيين المتواجدين خارج سوريا أو في محافظات أخرى، إلى المقاتلين الأجانب المستولين على المنازل.
وغالباً ما تجري عمليات البيع بأسعار زهيدة لا تتجاوز ثلاثة آلاف دولار أميركي، وفق ما أكدته مصادر محلية للميادين نت.
"طلب مني وسيط القبول بمبلغ 3000 دولار أميركي للتنازل عن منزلي الذي تبلغ مساحته 110 أمتار"، بهذه الكلمات بدأ علي زين حديثه للميادين نت عن الضغوط التي يتعرض لها لبيع منزله في بلدة كفريا السورية.
زين، الموجود حالياً في العراق، رفض العرض الذي قدّمه وسيط على علاقة بالمقاتلين الأجانب الموجودين في بلدتي كفريا والفوعة، وأكد له أنه لن يتخلى عن المنزل بأي شكل من الأشكال، وسيبقى يعيش على أمل العودة إليه مستقبلاً.
وبحسب ما قاله زين للميادين نت، فإن المقاتلين الأجانب حصلوا على معلومات مفصلة عن أصحاب العقارات في البلدتين، وبدأوا التواصل معهم للتنازل عن ممتلكاتهم بأسعار زهيدة، حتى يتمكن المقاتلون الأجانب وعائلاتهم من نقل ملكية العقارات إليهم، وبالتالي لا يمكن لأحد المطالبة بها مستقبلاً.
ومؤخراً، أصدر أهالي كفريا والفوعة بياناً ومناشدة حول ما يتعرضون له من ضغوط للتنازل عن حقوقهم في ممتلكاتهم وأراضيهم.
وقال البيان: "في 2017، وبموجب ما عُرف باتفاق البلدات الأربع، أُخرج أهالي كفريا والفوعة قسراً من بلدتيهما في ظروف مأساوية، ومنذ ذلك الحين، يتعرض الأهالي لابتزاز ممنهج، ولسرقة أراضيهم وممتلكاتهم والاستيلاء عليها".
وأضاف بيان الأهالي: "نتعرض لتمييز وانتقائية في تطبيق حق العودة، إذ سُمح لأهالي مناطق أخرى بالعودة، بينما يُمنع أهالي كفريا والفوعة، ولذلك نطالب بالسماح الفوري وغير المشروط بعودة أهالي كفريا والفوعة إلى منازلهم وأراضيهم، وحماية ممتلكات الأهالي وأراضيهم، فكفريا والفوعة ليستا ورقة سياسية، ولا ملف تفاوض، ولا بنداً في اتفاق؛ هما بيوت فيها ناس، فيها أطفال وشيوخ ونساء ورجال، فيها حياة وحق".
ريف حمص.. تهجير الشيعة وهدم المنازل
حرمان أهالي كفريا والفوعة من ممتلكاتهم وأراضيهم في ريف إدلب جاء بالتوازي مع حملة التهجير التي طالت أبناء المكوّن الشيعي في ريف حمص وسط سوريا، حيث أقدمت الحكومة الانتقالية على هدم منازل المدنيين في بلدة "المزرعة" بريف حمص وتهجير أهلها.
وتؤكد المعلومات أن أكثر من 60 ألف شيعي تعرّضوا، منذ سقوط نظام بشار الأسد، للتهجير من بلداتهم في ريف حمص الشمالي والشرقي.
وأثارت مشاهد هدم المنازل وتهجير أصحابها من قرية "المزرعة" جدلاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تعرّضت محافظة حمص لانتقادات لاذعة بسبب طريقة تعاطيها مع هذا الملف الإنساني بالقوة والسلاح.
ولم تكن قرية "المزرعة"، ذات الغالبية الشيعية، المنطقة الأولى في ريف حمص التي تواجه قرارات حكومية مماثلة، حيث تعرّضت قرية "الرقة" قبل عام لخطوات مماثلة، ما دفع أهلها إلى النزوح عنها.
كما تؤكد المعلومات تعرّض عشرات القرى التي تضم أقليات دينية في حمص وريفها للترهيب من الفصائل المتشددة الموالية للحكومة الانتقالية، بهدف دفع أهلها إلى النزوح بعيداً عن مناطقهم، وهو ما يعتبره مراقبون تغييراً ديموغرافياً قائماً على الهوية والطائفة.