من المغرب إلى أوروبا.. الهجرة إلى قارةٍ قلقة
تدفع البطالة والهشاشة الاقتصادية وتراجع الثقة بالمستقبل شباباً مغاربة إلى المخاطرة بحياتهم نحو أوروبا، فيما تواجه الضفة الأخرى أزمات سكن وسوق عمل ومخاوف متصاعدة من الهجرة.
-
من المغرب إلى أوروبا.. الهجرة إلى قارةٍ قلقة
لم يحملوا حقائب. كان البحر نفسه هو الحقيبة والطريق. عشرات الآلاف اندفعوا من الساحل المغربي نحو سبتة الإسبانية في نهاية تموز/يوليو الفائت. سبح بعضهم، واستعان آخرون بالعوامات، فيما حاول آخرون عبور السياج. وفي الأسابيع التالية، بدأت المدينة تدفن من لم يصلوا. قبور تحمل أرقاماً، لأن أسماء بعض أصحابها لم تكن قد عُرفت بعد. وبحلول 21 آب/أغسطس، كانت السلطات الإسبانية تتحدث عن 82 وفاة على الجانب الإسباني، فيما أعلنت المغرب عن 14 وفاة أخرى.
من السهل أن نرى في المشهد أزمة هجرة. لكن هذا الوصف يبدأ من نهاية الحكاية، فيما تبدأ الحكاية الحقيقية قبل البحر بسنوات. تبدأ في المدرسة التي لا تتحول شهادتها إلى وظيفة، وفي الوظيفة التي لا تفضي إلى الاستقلال، وفي راتب لا يكفي لبناء بيت، أو عند شاب ينظر إلى حياته فيجد الأيام تتحرك بينما يظل هو في مكانه. لهذا تبدو سبتة أقل شبهاً بحدود تفصل بين المغرب وإسبانيا، وأكثر شبهاً بحدّ يفصل بين صورتين متباينتين للمستقبل.
الفقر ليس الجوع دائماً
في 19 آب/أغسطس، نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية تحقيقاً من الفنيدق وطنجة عن الشباب الذين حاولوا الوصول إلى سبتة. لم تجد الصحيفة عاطلين عن العمل فحسب، بل طلاباً وأصحاب شهادات وآباء وأمهات وشباباً يعملون بالفعل، لكن العمل لم يعد قادراً على نقلهم من مرحلة اجتماعية إلى أخرى.
إحدى هؤلاء الشابات، البالغة 19 عاماً، كانت تعمل اثنتي عشرة ساعة يومياً في مطعم مقابل 100 درهم، أي نحو 9.3 يورو. وكانت ترسل قرابة ثلث دخلها الشهري إلى والدها، فيما تكتفي أحياناً بتناول وجبة واحدة في اليوم. ثم أغلق المطعم.
ليست هذه الصورة التقليدية للفقر بقدر ما هي انعكاس للهشاشة، ذلك المفهوم الاقتصادي والاجتماعي الذي يساعد على فهم التفاوت بما يتجاوز مستوى الدخل، ليشمل قدرة الإنسان على تأمين احتياجاته وبناء مستقبل مستقر.
والفارق هنا مهم؛ فالفقير يريد تحسين دخله، أما الإنسان الذي يعيش في حالة هشاشة، فيريد قبل ذلك أن يعرف ما إذا كانت حياته تتحرك إلى الأمام أصلاً. وهذا ما أشار إليه عالم الاجتماع المغربي مهدي عليوة في التحقيق نفسه، حين ميّز بين الفقر والهشاشة. فالذين يريدون الرحيل ليسوا جميعاً الأشد فقراً، لكنهم يعيشون واقعاً لم يعد فيه العمل ضمانة للاستقلال.
وإذا انتقلنا إلى لغة الأرقام، اكتسبت هذه التجارب الفردية حجمها الحقيقي. ففي تقرير مشاورات المادة الرابعة بشأن المغرب، المنشور في 5 آذار/مارس الماضي، استخدم صندوق النقد الدولي بيانات مسح القوى العاملة المغربي لعام 2024، ليبيّن أن معدل البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً بلغ 36.8%، مقابل 25% عام 2019. والأكثر دلالة أن البطالة بين خريجي الجامعات بلغت 25.7%، مقابل 5.2% فقط لدى من لا يحملون مؤهلات تعليمية. كما أن 70.4% من العاطلين الحاصلين على تعليم عالٍ لم يسبق لهم العمل أصلاً.
في مثل هذه الظروف، تصبح الشهادة مصدراً للألم على نحو خاص. فهي ترفع التوقعات قبل أن يرفع الاقتصاد سقف الفرص، ويصبح الحرمان الذي يأتي بعد التوقع أشد وطأة من حرمان لم يسبقه وعد.
الهجرة كثقافة متنامية
الدرس الأساسي الذي تضعه هذه الحالة أمامنا هو أن الهجرة لا تبدأ عند الحدود، بل حين تتغير المخيلة. يصبح القريب الذي هاجر إلى فرنسا أو إسبانيا دليلاً حياً على وجود حياة أخرى. ثم يتنامى إغراء الرحيل حين تتراكم في وعي الإنسان صور غرفة قريبه المغترب، وسيارته، ومقهى الحي الأوروبي، ونمط الحياة الذي صنعته قرون من التراكم الاقتصادي والاجتماعي.
هكذا يصبح الفرق بين هنا وهناك مرئياً كل صباح؛ حاضراً في الوعي، ومستفزاً للرغبة، ومحفزاً على الرحيل.
مع الوقت، وكثافة الصور والمعلومات المتلقاة وحدّتها، تتحول الهجرة إلى ثقافة؛ انتقال في المخيلة نحو مستقبل آخر، قبل أن تكون انتقالاً جسدياً وحركةً للبشر بين الدول.
في الماضي، كان الفقر محلياً إلى حد كبير. يعرف الإنسان الأغنياء في مدينته، وربما يشاهد حياتهم من بعيد. أما الفقير المتصل رقمياً، فيعيش يومياً داخل عالم من المقارنات. يرى كيف يسكن الآخر، وماذا يأكل، وأين يسافر، وكم يستهلك. قد لا تفصل بينه وبين أوروبا سوى بضعة كيلومترات من الماء عند سبتة، لكن الشاشة تجعل المسافة تبدو كأنها تفصل بين حياتين، بل بين عالمين كاملين.
لهذا، كان من شأن معلومة مضللة عن انفتاح الحدود أن تدفع أعداداً كبيرة من الناس إلى التحرك بسرعة. فالخبر منح الرغبة في الرحيل نافذة زمنية، وأوحى بارتفاع احتمال النجاح. كانت الرغبة موجودة، لكنها وجدت هذه المرة وسيلتها وأملها.
وفي تقرير آخر نشرته وكالة "أسوشيتد برس" في 18 آب/أغسطس، ظهرت وجوه متعددة لمن قضوا في محاولة الوصول إلى سبتة. بينهم خريج فيزياء أراد تأمين المال لعلاج والدته، ولاعب كرة قدم، ومراهق استلهم تجربة أصدقاء سبقوه إلى أوروبا.
وهذا يعني، في ما يعنيه، أن الفقر ليس نقصاً في المال وحده؛ إنه، في معنى أبعد وأعمق، نقص في الاحتمالات المتاحة أمام الإنسان.
إلى أين تذهبون؟
المفارقة في هذه الحالة غنية بالدلالات. فالمهاجر يسبح نحو أوروبا من دون أن يمتلك بالضرورة معرفة كافية بواقع الوجهة الاقتصادي والاجتماعي، بل المجتمعي والسياسي أيضاً. إنه يتجه نحو مجتمع يطارده هو الآخر القلق على مستقبله.
وهذه ربما إحدى النقاط المركزية في أزمة الهجرة المعاصرة؛ فأوروبا الموجودة في مخيلة المهاجر ليست تماماً أوروبا التي يعيش فيها الأوروبي. على الضفة الأخرى، ثمة أزمة سكن، وطبقات وسطى تشعر بتراجع قدرتها الشرائية، وشباب يؤجلون الاستقلال والإنجاب، وشيخوخة ديموغرافية، وتحولات تكنولوجية تهدد بعض أشكال العمل، واقتصاد يحاول استعادة قدرته التنافسية في مواجهة الولايات المتحدة والصين.
لنعد إلى البيانات، فهي تمنح هذه الاستنتاجات قدراً من الدقة وتتيح اختبارها. ففي وثائقها بشأن أزمة الإسكان، المنشورة في أواخر عام 2025، تشير المفوضية الأوروبية إلى أن أسعار المنازل في الاتحاد الأوروبي ارتفعت بأكثر من 60% بين عامي 2013 و2024، فيما ارتفعت الإيجارات بنحو 20%، بوتيرة أسرع من دخول الأسر. وتقدّر المفوضية أن أوروبا تحتاج إلى أكثر من مليوني منزل جديد سنوياً لتلبية الطلب الحالي.
هنا يلتقي قلقان. يصل المهاجر لأنه لا يجد بيتاً اجتماعياً بالمعنى الواسع للكلمة؛ مكاناً في الاقتصاد والمجتمع يستطيع أن يبني حياته داخله. لكنه يصل إلى مدينة يقول شابها إنه هو الآخر عاجز عن شراء بيت. ومن هذه المفارقة تولد السياسة.
ولنذهب أبعد من الخلاصات التقليدية التي تختزل المسألة في صراع بين المهاجر والمقيم، أو بين الغريب وابن البلد. فالمهاجر لا ينافس الأوروبي بالضرورة على الثروة التي يملكها، لكنه قد يبدو، في المخيلة الشعبية، منافساً له على الأمان الذي يشعر بأنه يفقده. ويتجسد هذا القلق في السكن الاجتماعي، والمدرسة، والمستشفى، والوظائف منخفضة الأجر، والحي، وحتى الإحساس الثقافي بالمكان.
لذلك تصبح الهجرة أكثر قابلية للتحول إلى قضية هوية كلما تراجعت الثقة بالاقتصاد والمؤسسات.
أوروبا تحتاج إليهم وتخافهم
يزيد الاقتصاد الصورة تعقيداً، وهذه من عاداته المعروفة. ففي ورقة بحثية أصدرتها المديرية العامة للشؤون الاقتصادية والمالية في المفوضية الأوروبية في 13 كانون الثاني/يناير الماضي، وجد الباحثون أن نسبة السكان في سن العمل المولودين خارج الاتحاد الأوروبي ارتفعت من نحو 8% عام 2014 إلى أكثر من 12% عام 2024. كما ساهمت زيادة توظيف المولودين خارج الاتحاد في نمو العمالة والتخفيف من نقص اليد العاملة، في وقت يتباطأ فيه نمو السكان الأوروبيين في سن العمل.
أوروبا تحتاج، إذن، إلى الهجرة، لكن قطاعات من مجتمعاتها تخشاها. وليست المفارقة أخلاقية فحسب، بل ديموغرافية واقتصادية أيضاً. فالاقتصاد يحتاج إلى العاملين وإلى قوة العمل ليحافظ على قدرته التنافسية، فيما تتعامل السياسة مع المهاجر بوصفه قضية تستدعي التصنيف والضبط والعزل، في كثير من الأحيان.
بل إن سوق العمل نفسه يعيد إنتاج التراتبية. ففي تقرير "آفاق الهجرة العالمية 2025"، أظهرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، استناداً إلى بيانات مترابطة بين العاملين وأصحاب العمل في 15 دولة، أن المهاجرين عند دخول سوق العمل يكسبون، في المتوسط، أقل بنسبة 34% من المولودين في البلد ممن يماثلونهم في العمر والجنس. ويُعزى نحو ثلثي هذا الفارق إلى تمركز المهاجرين في القطاعات والشركات الأقل أجراً.
أي إن الرجل الذي عبر البحر بحثاً عن سلّم اجتماعي قد يجد نفسه، بعد وصوله، على درجاته الدنيا. يصبح ضرورياً للاقتصاد، من دون أن يصبح بالضرورة جزءاً كاملاً من المجتمع. وهذه إحدى المآسي الصامتة للهجرة.
القلق على الضفتين
ربما لا تكون أزمة سبتة، إذاً، حكاية فقراء يريدون دخول أوروبا الغنية. هذه صورة قديمة أكثر مما ينبغي. إنها لقاء بين مجتمعين يخافان المستقبل بطريقتين مختلفتين.
على الضفة الجنوبية، يخشى الشاب ألا يبدأ حياته. وعلى الضفة الشمالية، يخشى آخر أن يفقد الحياة التي بدأها. يرى الأول في الهجرة سلّماً للصعود، فيما قد يراها الثاني ضغطاً إضافياً على سلّم بدأ يهتز تحته. وإذا عجز الاقتصاد والسياسة عن تفسير هذا القلق، جاءت الثقافة والهوية لتقدما تفسيراً أسهل: الغريب هو المشكلة.
لكن الأرقام تكشف مفارقة أخرى. ففي 25 آذار/مارس الماضي، أعلنت وكالة الإحصاء الأوروبية "يوروستات" أن طلبات اللجوء الأولى في الاتحاد الأوروبي انخفضت بنسبة 27% خلال عام 2025، من 912,400 طلب في عام 2024 إلى 669,400 طلب. وفي أيار/مايو من العام الحالي، انخفضت مجدداً بنسبة 22% مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، وفق البيانات المشار إليها.
وهذا يعني أن الشعور الاجتماعي بضغط الهجرة لا يتحرك دائماً بالتوازي مع عدد الوافدين. فالخوف له حساباته الخاصة.
يتغذى هذا الخوف من أزمة السكن، وضعف الخدمات، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والإحساس بأن الأبناء سيعيشون حياة أقل أمناً من حياة آبائهم. وحين تمتلئ هذه المساحة بالقلق، يصبح القادم الجديد وجهاً مرئياً لأزمات أقدم منه.
ربما لهذا كانت سبتة أكثر من بوابة جغرافية. كانت مرآةً تظهر على أحد جانبيها شباباً مستعدين للمخاطرة بحياتهم لأن البقاء لم يعد يبدو لهم مستقبلاً، وعلى الجانب الآخر قارة تحتاج إلى الشباب والعمال لحماية اقتصادها من آثار الشيخوخة، لكنها تخشى أن يؤدي وصولهم إلى تغيير مجتمعاتها وزيادة الضغط على أنظمة السكن والخدمات المثقلة أصلاً.
وبين الضفتين، يبدو البحر من الشاطئ المغربي قريباً إلى حد أن أوروبا تكاد تُلمس. لكن المهاجر، حين يصل، قد يكتشف أن المسافة الحقيقية لم تكن جغرافية فحسب، وأن الفجوة بين التوقعات والواقع لا تنتهي بمجرد عبور الحدود.
فالمهاجر يرحل بحثاً عن مكان يستطيع أن يتخيل نفسه فيه بعد عشر سنوات، أكثر مما يبحث عن مبلغ محدد من المال. وتتعاظم المشكلة حين ندرك أن العالم الذي يدفعه إلى الرحيل، والعالم الذي يستقبله، بدآ يفقدان شيئاً مشتركاً: الثقة بأن السنوات المقبلة ستكون أفضل من السنوات التي مضت.