من الحاصباني إلى الشقيف.. بروباغندا الاستيطان لا تعبر

يكشف ظهور مستوطنات وجنود إسرائيليين في مواقع داخل جنوب لبنان عن محاولة لتطبيع الاحتلال وتقديمه بوصفه وجوداً مدنياً قابلاً للتحول إلى مشروع استيطاني،في إطار أطماع توسعية تتجاوز البعد العسكري. إلا أن هذه المحاولات تصطدم دائماً بالتاريخ والهوية وإرادة السكان.

  • من الحاصباني إلى الشقيف.. بروباغندا الاستيطان لا تعبر
    من الحاصباني إلى الشقيف.. بروباغندا الاستيطان لا تعبر

لم يكن المشهد عابراً. أربع إسرائيليات يظهرن في فيديو وهن ينزلن إلى مياه نهر الحاصباني في جنوب لبنان، يتجوّلن في المكان ويسبحن فيه، ثم ينشرن الصور بوصفها فعلاً سياسياً بأبعادٍ استيطانية، لا رحلة ترفيهية. النساء منتميات إلى حركة "أوري تسافون" الاستيطانية المتطرفة، وهي جماعة تدعو علناً إلى نقل الحدود الإسرائيلية شمالاً وإقامة مستوطنات داخل الأراضي اللبنانية، حتى نهر الليطاني. وبحسب ما أعلنته الحركة نفسها، بقيت المشاركات نحو ساعة في المنطقة قبل أن يصل جنود إسرائيليون ويطلبوا منهنّ المغادرة.

بعد ذلك بقليل، جاء مشهد آخر لا يقل استفزازاً. جنود إسرائيليون يجلسون داخل قلعة الشقيف المحتلة، يتابعون مباراة إسبانيا وفرنسا في نصف نهائي كأس العالم. شاشة مضاءة وسط القلعة، جنود بملابسهم العسكرية، ومباراة عالمية تُشاهد من موقع لبناني يحمل في ذاكرته تاريخاً طويلاً من الغزوات والمقاومة والانسحابات. وقد نشرت وسائل إعلام إسرائيلية الصورة بعد أسابيع من إعلان الجيش الإسرائيلي وصوله القلعة ورفع علم الاحتلال فوقها.

المشهدان معلقان بخيطٍ واحد، خيط المطامع الإسرائيلية الدائمة في جنوب لبنان، والسعي المتواصل إلى مد أفعى الاستيطان إليه. وهما معاً يعبّران عن محاولة تحويل الاحتلال من حالة عسكرية طارئة وموقتة ومحدودة زمنياً إلى مشهد اعتيادي تدخل فيه ملامح الحياة اليومية للإسرائيليين في أرض جديدة محتلة، يتم إظهار المستوطنين فيها كما لو أنهم في بلاد مألوفة واعتيادية، أو داخل غرفة معيشة، أو في فسحة نهرية مطمئنة. والمشهد على فداحته الأخلاقية والقانونية والإنسانية، يؤكد مرةً بعد المليون أن المجتمع الإسرائيلي واحدٌ من حيث طبيعة النوايا التي يختزنها، ويحاول فرضها على دول الجوار، من حيث أن الجندي والمدني، كلاهما، يسعى إلى الإحلال بعد الاحتلال.

والاحتلال هذا بطبيعته - مثلما حدث في فلسطين - لا يبدأ دائماً ببناء المنزل مباشرةً، وادعاء ملكيته، لكنه يبدأ بترسيخ صورةٍ عن وجودٍ "طبيعي" للمدنيين في المناطق التي يتطلعون إلى استيطانها، حتى تدفع هذه المشاهد للقول فيما بعد، إن هؤلاء موجودون في الأرض، ولم يتبقَ على العالم سوى الاعتراف بذلك الوجود.

والصورة هنا نشرت لتقول إن الوجود في أرض لآخرين أمر طبيعي، وإن الحدود قابلة لإعادة التشكيل بقدر ما يحمل الخيال وتستطيع القوة، وإن المكان الذي يُقتحم اليوم بالسلاح يمكن أن يُقدَّم غداً باعتباره امتداداً جغرافياً أو توراتياً أو أمنياً لـ"إسرائيل".

وهذا المنطلق، يؤكد أن التعامل مع تلك المشاهد لا يجوز حصره باعتبارها مجرد استفزازات فردية. لأن حركة "أوري تسافون" التي نظمت هذا المشهد ليست نادياً سياحياً، بل إطاراً استيطانياً حقيقياً وخطراً يجمع عائلات وناشطين يدعون إلى إقامة مستوطنات في لبنان. كما أن أفكار التوسع شمالاً لم تعد محصورة في الهوامش الإلكترونية. فقد نقلت تقارير أن شخصيات في اليمين الإسرائيلي تحدثت عن استيطان جنوب لبنان، فيما صرح وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بوجود تصور أو "خطة استيطانية" مرتبطة بلبنان.

مطامع أكيدة.. لكن هل هي ممكنة؟

المطامع، بهذا المعنى المشار إليه، أكيدة. لكنها لا تعني أن تحقيقها ممكن، ولا أن تحويل الاحتلال العسكري إلى استيطان دائم أمر متاح لمجرد امتلاك "إسرائيل" تفوقاً نارياً هائلاً. "إسرائيل" قادرة على احتلال تل أو قلعة أو قرية مدمرة. ولم يدّعِ أحدٌ امتلاك القدرة العسكرية نفسها. وهي تستطيع بالقصف الكثيف إفراغ منطقة، وبالطائرات السيطرة على سمائها، وبالجرافات تغيير ملامحها. لكنها لا تستطيع بالقوة تلك نفسها أن تنتج شرعية، أو أن تحول أرضاً لبنانية إلى أرض "إسرائيلية"، أو أن تنتزع من سكانها شعورهم بأنها امتداد لذواتهم وتاريخهم. وأكثر من ذلك، هي دائماً تتعرض للهزيمة في حربها على الإرادة القتالية لدى أصحاب الأرض. هؤلاء الأخيرون، يميزهم أن حسابهم للخسائر مختلف تماماً. هم بطبيعة الحال بشرٌ يتألمون، ويهمهم أن يحفظوا أرواح أعزائهم. لكنهن أمام إرادة الإبادة عند عدوهم تجاههم، قادرون في كل مرة على إحداث المفاجأة المدوية.

والأرض في جنوب لبنان ليست مساحة محايدة. لم تكن يوماً كذلك. بل إنها تساعد أهلها على لفظ الغزاة منذ أن كانوا. لا تنتظر أرض الجنوب رايات الأعداء بوداعة واستسلام. الكتب الإسرائيلية وتقارير أجهزة الأمن ومراكز البحث، والمواد الإعلامية التوثيقية، تغصّ بحكايا المصاعب الهائلة التي واجهها الإسرائيليون في حروب لبنان، بل قبل ذلك، تلك التي واجهها أي غازٍ لتلك الأرض.

والأمر هنا ليس عاطفياً بالمعنى الذي قد يخيّل إلى الناس. بل إنه يقوم على أساسٍ منطقي متين يرتبط بالاستعداد الدفاعي المنطلق من الشعور بالحق، والاستعداد للصمود والتضحية، لأن هذا الشعور هو بحد ذاتح مولّد طاقة مستدامة للمقاومة، كونه لا يستهدف الأرض بوصفها عقاراً، مثلما ينظر إليها ترامب والإسرائيليين. بل إنه يستهدفها كمساحة للاجتماع السياسي وللوجود التاريخي الأصيل فيها. أي بهويتها وهوية بنيها. وهي مسألة أنثروبولوجية عميقة، أكثر منها مسألة سياسية أو حربية بالمعنى المحدود للحدث. شعور أهل هذه الأرض مرتبط بتطورهم الاجتماعي الغائر في التاريخ على هذه الأرض، لا على غيرها.

والأرض هذه أيضاً، بالمعنى الحاضر، هي قرى وعائلات ومقابر وحقول زيتون وتاريخ اجتماعي متراكم. هي أسماء البيوت والينابيع والوديان، وذاكرة الأجداد، وعلاقات القرابة، والحكايات التي تنقل المكان من الجغرافيا إلى الهوية. ولهذا يمكن تهجير السكان زمناً، ويمكن هدم منازلهم، لكن يصعب اقتلاع علاقتهم بالأرض ما داموا يرون فيها بيتاً وحقاً وماضياً ومستقبلاً.

وإن أتينا إلى معنى الشرعية السياسية، فقد أكد مجلس الأمن مراراً وحدة أراضي لبنان وسيادته واستقلاله ضمن حدوده المعترف بها دولياً، وطالب باحترام الخط الأزرق. وفي حزيران/يونيو الماضي دعا الأمين العام للأمم المتحدة الاحتلال الإسرائيلي صراحة إلى الانسحاب الكامل من المناطق الواقعة شمال الخط الأزرق، معتبراً وجودها انتهاكاً للسيادة اللبنانية.

ووفق القانون الدولي الإنساني، تقوم حالة الاحتلال عندما تفرض دولة سيطرة فعلية غير مقبولة على أرض لا تملك عليها سيادة. وهذا يثبت مرة جديدة أن الاحتلال، مهما طال، لا ينقل ملكية الأرض إلى القوة المحتلة ولا يمنحها حق ضمها أو نقل سكانها إليها. كما يحظر القانون الدولي نقل سكان دولة الاحتلال المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها، لأن الاستيطان ليس نتيجة طبيعية للحرب، بل محاولة لتغيير الوضع الديموغرافي والقانوني للأرض بالقوة. لكن استحالة البقاء ليست قانونية وأخلاقية فقط. إنها عسكرية أيضاً.

لقد تغيرت طبيعة الحرب الحديثة. لم يعد الجيش المحتل يحتاج إلى مواجهة جيش نظامي يماثله في الحجم حتى يصبح وجوده مكلفاً. تكفي مجموعات صغيرة متحركة، وصواريخ موجهة، وطائرات مسيّرة رخيصة، وعبوات، ومراقبة إلكترونية، وشبكات معلومات محلية، كي يتحول الانتشار العسكري الثابت إلى عبء يومي.

والجندي الذي يحتل قلعة مرتفعة يمتلك مجال رؤية واسعاً، لكنه يصبح مرئياً بدوره. ومع تطور طبيعة الحرب، لم تعد الرؤية من الجغرافيا العالية حيويةً لا يمكن استبدالها، بل إن الرؤية من أعلى، باتت متوفرة. من الأقمار والطائرات، والجميع يمتلكون هذه الأدوات اليوم، ما يجعل السيطرة على القلعة، مسألة فيها من الرمزية والتسويق الإعلامي أكثر مما فيها من الأثر العسكري الميداني. ثم إن الموقع الذي يوفر الإطلالة على الطرق والقرى يحتاج إلى الإمداد والحراسة والدفاع الجوي والتحصين والتبديل المستمر للقوات. ومع امتداد الاحتلال، يصبح كل طريق إمداد هدفاً، وتكون كل دورية احتمالاً للخسارة، بينما تتحول النقاط الثابتة إلى مشروع استنزاف طويل. هذا أفق الاحتلال والاستيطان في الجنوب. وهذا يتجاوز الموقف الحالي القائم، المحكوم بجريان مساراتٍ تفاوضية وتعقيدات حربية، ولحظة واحدة من لحظات التاريخ. أي أن افتراض دوام الحالة الراهنة أبعد ما يكون عن المنطق والحكمة.

منطق التاريخ يؤيد التحرر

تظهر دراسات الحروب غير المتكافئة أن التفوق العسكري لا يضمن السيطرة السياسية، وأن حركات المقاومة تستطيع خوض صراع طويل هدفه إضعاف قدرة القوة المحتلة على الحكم وتقويض شرعية وجودها ورفع كلفته. فالاحتلال لا يواجه المقاتلين وحدهم. لأنه يواجه بموازاتهم بيئة سكانية تعرف الأرض، وتملك الوقت، وتنظر إلى الصراع باعتباره دفاعاً عن البيت لا حملة خارجية محدودة.

هذه بالضبط معضلة "إسرائيل" في لبنان. تستطيع الدخول، لكنها لا تملك ضمانة الخروج بشروطها. وتجربتها السابقة في الجنوب واضحة حين احتلت مناطق واسعة بدءاً من القرى السبع، ومروراً باجتياح العام 1978، ووصولاً إلى الاجتياح الكبير في العام 1982، حيث أنشأت مواقع وحزاماً أمنياً، وامتلكت تفوقاً جوياً وتقنياً واستخبارياً، لكنها تحولت تدريجياً من قوة مهاجمة إلى قوة تحرس نفسها، ومن جيش يفرض الوقائع إلى جيش يحصي الخسائر وينتظر الانسحاب. وقد بقيت قلعة الشقيف نفسها رمزاً لهذا العبء، إذ تحولت خلال الاحتلال السابق إلى موقع عسكري مرتفع لكنه مكلف، قبل الانسحاب الإسرائيلي تحت ضربات المقاومة في العام 2000.

ولذلك تحمل صورة الجنود وهم يشاهدون المباراة داخل القلعة معنى مزدوجاً. من جهة، أرادت "إسرائيل" أن تعرض مشهد سيطرة وطمأنينة. ومن جهة أخرى، تكشف الصورة هشاشة الفكرة نفسها. فالجنود يشاهدون مباراة في قلعة دخلها الاحتلال وخرج منها سابقاً، وفي أرض لم تقبل تاريخياً بوجوده.

أما السباحة في الحاصباني، فهي محاولة لصناعة ملكية رمزية. أن تلامس المستوطنة الماء، يعني أنها تقول إن النهر أصبح جزءاً من الخيال الإسرائيلي. لكن الماء لا يصير ملكاً لمن يسبح فيه، والقلعة لا تتبدل هويتها بمن يرفع فوقها علماً، والأرض لا تفقد أصحابها لأنهم هُجّروا عنها تحت النار. الخطر في هذه الصور حقيقي، لأنها تختبر رد الفعل اللبناني، وتطبع فكرة الاستيطان، وتنقلها من الجنون الهامشي إلى النقاش العام.

لكن الاستيطان الدائم في جنوب لبنان يبقى أقرب إلى الوهم منه إلى المشروع القابل للاستقرار. ليس لأن "إسرائيل" تفتقر إلى القوة، بل لأن القوة وحدها غير كافية للبقاء في أرض يرفض سكانها الاحتلال، ويتمسكون بحقهم، ويملكون تاريخاً من الدفاع عنها. وبين دخول الاحتلال وبقائه مسافة هائلة. وفي جنوب لبنان تحديداً، أثبت التاريخ أن هذه المسافة أطول من قدرة "إسرائيل" على احتمالها.

اخترنا لك