معبر رفح يتحول إلى معسكر تحقيق: العائدون ضحايا التنكيل والتفتيش المذل

مع إعادة فتح معبر رفح بعد إغلاق طويل، شهد العائدون إلى غزة تجربة مريرة من التحقيقات والتفتيش المذل من قبل الاحتلال الإسرائيلي، في خطوة ترهيبية تهدف لتقويض حق العودة. 

0:00
  • معبر رفح يتحول إلى معسكر تحقيق: العائدون ضحايا التنكيل والتفتيش المذل
    معبر رفح يتحول إلى معسكر تحقيق: العائدون ضحايا التنكيل والتفتيش المذل

بعد إغلاق دام نحو 20 شهراً، أعيد فتح معبر رفح البري، الممر الوحيد لأكثر من مليوني فلسطيني وعمود المساعدات الطبية والغذائية والوقود، لتتحول لحظة فرح العائدين إلى غزة إلى ساحة للتنكيل والترهيب.

العائدون، الذين غادروا القطاع لأسباب إنسانية أو علاجية، وجدوا أنفسهم محاصرين أمام بوابات الاحتلال ومليشيات مسلحة، وخاضعين لساعات من التحقيق والتفتيش المذل.

وأعلنت وسائل إعلام إسرائيلية أنّ المعبر سيغادر منه يومياً 150 شخصاً من غزة مقابل دخول 50 من مصر، ويشغله فريق بعثة الاتحاد الأوروبي، لكن خلال اليومين الماضيين، سمح الاحتلال بوصول أعداد محدودة لا تتجاوز 50 شخصاً يومياً، في حين غادر من القطاع عدد محدود من المرضى ومرافقيهم، مع إلغاء دفعة ثالثة واستئنافها لاحقاً، في وقت ينتظر نحو 22 ألف مريض وجريح إعادة فتح المعبر بعد استكمال ممر الفحص "ريغافيم" وفق قوائم مسبقة.

 تحقيق قاسٍ ورسائل تهجير مباشرة

المسنّة الفلسطينية هدى أبو عابد، تروي تفاصيل رحلة عودتها القاسية إلى قطاع غزة عبر معبر رفح، بعد نحو عام من الغربة القسرية للعلاج من مرض القلب في مصر، مؤكدة أنّ العودة إلى الوطن تحولت إلى سلسلة من الانتهاكات والتحقيقات والترهيب.

وتقول أبو عابد للميادين نت: "سجلت في السفارة المصرية فور ورود أنباء عن إمكانية فتح معبر رفح، وسافرت برفقة ابنتي في 8 آذار/مارس 2025 للعلاج من مرض القلب"، مضيفةً أنّه "في منتصف الليل تلقيت اتصالاً من السفارة الفلسطينية في القاهرة يطلب مني الاستعداد للعودة إلى غزة، شعرت حينها بفرحة كبيرة بعد عام كامل من الغربة والابتعاد عن عائلتي".

وتضيف: "خرجنا عند الثالثة فجراً، ووصلنا المعبر قرابة التاسعة صباحاً، وانتظرنا حتى ما قبل أذان المغرب".

وبحسب روايتها، أُغلق باب المعبر فجأة من قبل بعثة الاتحاد الأوروبي، قبل أنّ يُسمح بالدخول إلى غزة بإذن "إسرائيلي"، حيث مُنعت من إدخال هاتفها الشخصي وأدويتها وألعاب الأطفال، ثم طُلب من المسافرين مغادرة الصالة الفلسطينية، لتبدأ مرحلة جديدة من المعاناة.

وتتابع هدى: "أُجبرنا على السير خلف جيب عسكري إسرائيلي، ثم نُقلنا إلى مليشيات مسلحة، وهناك نودي على اسمي وسلمني أحد أفراد المليشيا للاحتلال. عُصبت عيناي وقُيّدت يداي، وخضعت لتحقيق قاسٍ استمر ساعتين، سُئلت فيه عن سبب عودتي إلى غزة، وطُلب مني أن أبلغ السكان بجمع أغراضهم ومغادرة القطاع".

وتؤكد أبو عابد أنّها تعرضت لتهديدات مباشرة، فيما مُنعت من رؤية ابنتها التي كانت على بعد نحو 500 متر منها، وسط أجواء وصفتها بـ"الصحراء القاحلة والخوف المطلق".

وبرغم الدمار الواسع في القطاع، تشدد المسنّة على تمسكها بالعودة، قائلة: "غزة مدمّرة، نعم، لكنني عدت إلى أهلي"، موضحة أنّها خلال الغربة شعرت وكأنها تموت، وطلبت إعادتَها إلى غزة لتقضي أيامها الأخيرة فيها، مردّدة: "لا للتهجير، ولا لمغادرة الوطن".

قيود مشددة ومنع أساسيات الحياة 

وتجرعت الشابة روتانا الرقب من الكأس نفسه الذي ذاقته المسنّة أبو عابد وعشرات الفلسطينيين الآخرين، الذين عاشوا المعاناة نفسها والقسوة نفسها على بوابات معبر رفح.

وتوضح الرقب للميادين نت أنّه "بعد وصولي إلى معبر رفح من الجانب الفلسطيني، لم يُسمح بفتح البوابة إلا عند المغرب"، مشيرةً إلى أنّ "جيش الاحتلال منع دخول الأدوية والكريمات والسوائل، وكذلك المياه والعصائر وأي نوع من الطعام أو الألعاب".

وتضيف: "بعدها توجّهنا إلى نقاط جيش الاحتلال، ثم إلى مليشيات أبو شباب، حيث خضعنا للتفتيش الجسدي، ثم نادى الجنود علينا عبر الميكروفون، فتقدمت والدتي إلى ضابط الجيش، ونودي عليّ شخصياً، حينها عُصّبت عيناي وقُيدت يداي، وخضعت لتحقيق قاسٍ استمر ثلاث ساعات، سألوني فيه عن سبب عودتي إلى غزة وما إذا كنت أفكر في الهجرة، وهددوني بأخذنا كأسرى وحرماني من أولادي، وكانت البنادق والأسلحة موجهة علينا".

إصرار الرقب ترافق مع علمها بالدمار الواسع في القطاع، وأن عودتها ستقتصر على خيمة بسيطة، لكنها أصرت على العودة إلى عائلتها، مؤكدة أنّه "عندما احتضنت أطفالي وعائلتي شعرت بفرحة غير طبيعية". كما أنها توجّهت برسالة لكل فلسطيني في الداخل والخارج: "لا تهاجروا من غزة، ولا تتركوا وطنكم".

العلاج الممنوع: حكم بالإعدام المسبق

وبحسب معطيات وزارة الصحة في غزة، فإنّ نحو 20 ألف مريض بحاجة ماسة للعلاج خارج القطاع، بينهم 4500 طفل، و4500 مريض سرطان، إضافة إلى 450 حالة حرجة جداً لا تحتمل أي تأخير.

وفي هذا الإطار، يحذّر مدير مجمع الشفاء الطبي محمد أبو سلمية، من التداعيات الخطيرة للوضع الصحي الكارثي في القطاع، معتبراً أنّ الآلية الحالية التي تسمح بخروج 50 مريضاً يومياً فقط غير كافية، وقد تستغرق سنوات لإخراج جميع الحالات المحتاجة.

ويؤكد أبو سلمية للميادين نت أنّ القطاع فقد أكثر من 1300 مريض كانوا ينتظرون دورهم للعلاج، نتيجة تدمير الاحتلال للمستشفيات ومنع إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية، مشدداً على أنّ عدم توفير العلاج أو منع خروج المرضى يعني حكماً بـ "الإعدام المسبق" بحقهم.

ويشير إلى أنّ غزة تشهد يومياً 5 إلى 6 حالات سرطان جديدة، إضافة إلى وجود حالات حرجة تتطلّب تدخلات جراحية عاجلة غير متوفرة، في ظل استمرار الحصار ومنع إدخال الأجهزة الطبية المتقدمة ونقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.

رسائل ترهيب نفسي 

وفي السياق، يؤكد مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة إسماعيل الثوابتة، أنّ الإجراءات التي يفرضها الاحتلال بحق العائدين عبر معبر رفح تمثل رسالة ترهيب نفسي ممنهجة تهدف إلى تصوير العودة إلى الوطن على أنها محفوفة بالمخاطر.

ويوضح الثوابتة في حديثه إلى الميادين نت أنّ سياسات التفتيش والتحقيق والتضييق تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، وتندرج ضمن حرب نفسية وإعلامية تسعى إلى كسر إرادة الفلسطينيين وردعهم عن ممارسة حقهم الطبيعي في العودة.

ويشدد الثوابتة على أنّ حق العودة "ثابت وغير قابل للمساومة"، ولن تفلح محاولات الاحتلال في النيل من صمود الشعب الفلسطيني، داعياً وسائل الإعلام إلى التعامل مع هذه القضايا بمهنية ومسؤولية، بما يفضح الرواية الإسرائيلية ويفشل أهدافها في ترهيب العائدين.

عقاب جماعي يقوّض حرية التنقل

بدوره، دان مركز غزة لحقوق الإنسان القيود الإسرائيلية المشددة التي رافقت بدء السفر عبر معبر رفح، معتبراً أنّها تعكس سيطرة إسرائيلية كاملة على حركة العبور وتشكل انتهاكاً صارخاً لحرية التنقل والحقوق الأساسية لسكان قطاع غزة.

وأوضّح المركز في بيان صحافي أنّ الاحتلال تحكم بقوائم المسافرين من المرضى ومرافقيهم، مشيراً إلى تعرّض المسافرين والعائدين لانتهاكات جسيمة، شملت المرور عبر ممرات مسيّجة وتحت المراقبة، واعتقال ثلاث نساء وتقييد أيديهن، واحتجاز عائدين والتحقيق معهم لساعات بأسئلة مهينة، في إطار سياسة ترهيب ممنهجة وعقاب جماعي.

وحمل المركز الاحتلال المسؤولية القانونية الكاملة، مطالباً بفتح معبر رفح بشكل كامل وإنساني، وضمان حرية التنقل وخروج المرضى بدون قيود تعسفية أو إذلال. 

اخترنا لك