مطار رياق.. حلم بقاعي عمره أكثر من نصف قرن ينتظر الإقلاع

مطار رياق.. حلم بقاعي عمره أكثر من نصف قرن قد يتحول، إذا أُعيد تشغيله مدنياً، إلى بوابة للشحن والركاب وداعمٍ للزراعة والصناعة والسياحة وفتح الأسواق الخارجية أمام المنتجات اللبنانية.

0:00
  • مطار رياق.. حلم بقاعي عمره أكثر من نصف قرن ينتظر الإقلاع
    مطار رياق.. حلم بقاعي عمره أكثر من نصف قرن ينتظر الإقلاع

منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، يحلم أبناء البقاع اللبناني بإعادة تشغيل مطار رياق وتحويله إلى مطار مدني يخدم حركة الشحن التجاري والركاب، بالتوازي مع إنشاء منطقة اقتصادية حرّة تفتح أمام المنتجات اللبنانية أبواب الأسواق الخارجية.

يروي أبناء المنطقة أن أجدادهم كانوا يتحدثون عن تصدير المحاصيل الزراعية مباشرة من رياق إلى الأسواق العربية والأوروبية، وعن منطقة حرّة تستقطب الاستثمارات وتعيد إلى البقاع دوره بوصفه إحدى أهم المناطق الإنتاجية في لبنان.

لكن هذا الحلم، الذي تكرر في البرامج الانتخابية والبيانات الوزارية وخطابات المرشحين والكتل النيابية، بقي طوال أكثر من نصف قرن من دون ترجمة عملية، شأنه شأن مشاريع إنمائية كبرى أخرى طال انتظارها، وفي مقدّمها مشروع نفق ضهر البيدر.

بوابة جوية في قلب سهل البقاع

إن تحويل مطار رياق إلى مرفق اقتصادي في قلب سهل البقاع لن يكون مجرد مشروع للنقل الجوي، بل يمكن أن يشكل خطوة لإعادة تنشيط الدورة الزراعية والإنتاجية في المنطقة.

فسهل البقاع من أغنى المناطق الزراعية في لبنان، ويضم مساحات واسعة من كروم العنب وبساتين الأشجار المثمرة وحقول الخضار والورقيات والأعشاب. إلا أن جزءاً من هذه المنتجات، ولا سيما السريعة التلف، يواجه صعوبات في الوصول إلى الأسواق الخارجية بسبب ارتفاع كلفة النقل وطول مدته.

ويرى عضو تجمع منتجي العنب في لبنان، المهندس مهدي عودة، أن وجود مطار للشحن التجاري في وسط سهل البقاع يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة أمام القطاع الزراعي، ويشجع المزارعين والمستثمرين على التوسع في زراعة الأصناف ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة والقابلة للتصدير جواً.

ويقدّر عودة أن صادرات العنب عبر مطار رياق، في حال توافرت البنية التشغيلية والأسواق وخطوط الشحن المناسبة، يمكن أن تصل إلى نحو 100 طن يومياً، فيما قد يتراوح إجمالي الصادرات الزراعية اليومية من عنب وفاكهة وخضار وورقيات وأعشاب بين 150 و200 طن.

ويشكل اختصار المسافة والزمن بين الحقل وسوق الاستهلاك الخارجي عاملاً أساسياً في الحفاظ على جودة المنتجات اللبنانية وطزاجتها وقيمتها التجارية، ولا سيما السلع التي تتطلب وصولاً سريعاً إلى الأسواق بعد قطافها وتوضيبها.

ومن شأن النقل الجوي، إذا أُنشئت له منظومة متكاملة، أن يعزز تنافسية المنتج اللبناني ويحدّ من الخسائر الناتجة عن التأخير وتراجع الجودة، كما قد يشجع على توسيع زراعة الأصناف المخصصة للتصدير.

إنقاذ المنتجات السريعة التلف

رئيس الاتحاد الوطني للفلاحين اللبنانيين، إبراهيم الترشيشي، يختصر رؤيته للمشروع بالقول: "حوّلوا مطار رياق إلى مطار للشحن التجاري والركاب، ليكون هبة البقاع الاقتصادية والحل الأنجع للقطاعات الإنتاجية في سهل البقاع".

ويرى الترشيشي أن تشغيل المطار تجارياً، بالتوازي مع إنشاء منطقة حرّة ومرافق لوجستية متخصصة، يمكن أن يحوّل البقاع إلى مركز اقتصادي متقدم، خصوصاً أن كلفة النقل تشكل إحدى العقبات الأساسية أمام تصدير المحاصيل الزراعية اللبنانية.

فالنقل البري، بما يفرضه من كلفة ووقت، قد يحول دون تصدير الورقيات والأعشاب وبعض أصناف الخضار والفاكهة، بسبب تراجع جودتها قبل وصولها إلى الأسواق. وفي هذه الحالات، قد ينتهي جزء من الإنتاج في السوق المحلية، ما يؤدي إلى تكدسه وانخفاض أسعاره.

أما وجود مطار قريب من مناطق الإنتاج، فيمكن أن يختصر مراحل النقل ويفتح أمام المزارعين والمصدّرين أسواقاً جديدة، بدل حصر خياراتهم بالأسواق التي يمكن الوصول إليها براً أو بحراً.

كما أن موقع رياق يتيح، نظرياً، خدمة جزء كبير من الإنتاج الزراعي في مختلف مناطق البقاع، واستقبال منتجات من مناطق لبنانية أخرى، إذا توافرت شبكة طرق وخدمات لوجستية متكاملة.

اقتصاد يتجاوز الزراعة

لا تقتصر الفوائد المحتملة لتشغيل مطار رياق على القطاع الزراعي. فوجود مرفق جوي تجاري يمكن أن يدعم الصناعات الغذائية والتحويلية، ويشجع على إنشاء مراكز للتوضيب والتبريد والتخزين، ومختبرات لمراقبة الجودة، ومحطات للحجر الزراعي، إلى جانب شركات النقل والخدمات الجمركية والتأمين والتسويق.

أما تشغيل رحلات الركاب، فيمكن أن يساهم في تنشيط الحركة السياحية في البقاع، وتسهيل وصول المغتربين والزوار، وتعزيز الاستثمار في الفنادق والمطاعم والمواقع السياحية والدينية والأثرية.

بهذا المعنى، لا يعود المطار مجرد نقطة إقلاع وهبوط، بل جزءاً من منظومة اقتصادية متكاملة يمكن أن تخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتدعم القطاعات الإنتاجية وتخفّف من تمركز النشاط الاقتصادي في العاصمة.

مشروع عمره أكثر من نصف قرن

يعود تاريخ مطار رياق إلى الحرب العالمية الأولى، حين وضعته القوات الألمانية في الخدمة عام 1914، قبل أن ينتقل إلى سيطرة الفرنسيين بعد انتصار الحلفاء. وفي عام 1920، دشنه الجنرال غورو بعد توسعته.

وفي عام 1949، أصبحت قاعدة رياق مهداً للقوات الجوية اللبنانية وأول قاعدة جوية فعلية للجيش اللبناني.

أما المطالبة بتحويل المطار إلى مرفق تجاري، فتعود إلى عام 1973، حين طرح رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في زحلة والبقاع ومؤسسها، ألفرد سكاف، المشروع باعتباره حاجة إنمائية واقتصادية للمنطقة.

وبحسب رئيس الغرفة الحالي، منير التيني، بقي تشغيل مطار رياق ضمن أولويات الغرفة ومجالس إدارتها المتعاقبة، نظراً إلى أهميته للقطاعات الزراعية والصناعية والتجارية في البقاع.

من الحلم إلى خطة التنفيذ

تحويل مطار رياق إلى مطار مدني لا يمكن أن يبقى شعاراً انتخابياً يتكرر عند كل استحقاق. فالخطوة الأولى تحتاج إلى قرار رسمي واضح، يبدأ بإعداد دراسة جدوى اقتصادية وفنية شاملة، وتحديد نموذج التشغيل والتمويل، وتنظيم العلاقة بين الاستخدامين المدني والعسكري للموقع.

كما يتطلب المشروع تطوير المدرج ومنشآت السلامة والملاحة الجوية، وإنشاء مباني الشحن والركاب، وتجهيز مستودعات مبردة ومراكز جمركية وصحية وزراعية، وربط المطار بالطرق الرئيسية ومناطق الإنتاج.

ولا يقتصر نجاح المشروع على إنشاء البنية التحتية، إذ يحتاج أيضاً إلى خطة تشغيل وتسويق تستقطب شركات الطيران والشحن، وتؤمّن خطوطاً منتظمة إلى الأسواق المستهدفة.

بعد أكثر من نصف قرن من الوعود، يبدو السؤال اليوم أبعد من الحاجة إلى مطار في البقاع: هل تتوافر الإرادة السياسية لتحويل مطار رياق من مشروع يتكرر في البيانات والخطب إلى بنية اقتصادية منتجة؟

فإذا أُنجز ضمن رؤية متكاملة، يمكن لمطار رياق أن يتحول إلى بوابة جوية للمنتجات اللبنانية، ومحرك للزراعة والصناعة والسياحة، ونقطة وصل بين البقاع والأسواق الخارجية.

اخترنا لك