مصر تحت ضغط الأسعار.. الحرب الإقليمية تضرب الغذاء والطاقة

تسببت تداعيات العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران واضطرابات مضيق هرمز والبحر الأحمر في موجة ارتفاع جديدة للأسعار في مصر، ما دفع الأسر إلى مزيد من التقشف وأصاب الأسواق بحالة ركود.

0:00
  • مصر تحت ضغط الأسعار.. الحرب الإقليمية تضرب الغذاء والطاقة
    مصر تحت ضغط الأسعار.. الحرب الإقليمية تضرب الغذاء والطاقة

داخل أحد الأسواق الشعبية في محافظة الجيزة، وقفت صباح عبد المتعال أمام الخضراوات بحيرة واضحة؛ هل تشتري الطماطم التي وصل سعر الكيلو منها إلى 70 جنيهاً مصرياً، أم الخيار الذي ارتفع إلى 40 جنيهاً بعدما كان سعر الصنفين لا يتجاوز 15 جنيهاً قبل فترة قصيرة؟

السيدة الخمسينية، وهي أم لأربعة أبناء، حسمت أمرها بشراء نصف كيلو فقط من كل صنف، بعدما فرضت موجة الغلاء المتصاعدة على ملايين الأسر المصرية تغيير عاداتها الاستهلاكية وتقليص احتياجاتها الأساسية.

تقول عبد المتعال لـ"الميادين نت": "لا نعرف متى سينتهي كل ذلك، الأسعار ترتفع كل يوم، والرواتب لم تعد تكفي. قارورة الزيت زنة كيلو من النوع الرديء تجاوزت 90 جنيهاً، أما اللحوم والدجاج والبيض فأصبحت حلماً لكثير من الأسر الفقيرة".

وتضيف أن ارتفاع الأسعار دفعها إلى الاستغناء عن كثير من المواد الغذائية، واستبدال اللحوم بالبقوليات، إلا أن أكثر ما يؤلمها شكوى أطفالها من غياب التنوع عن مائدة الطعام.

تقشف الأسر وركود الأسواق

داخل السوق نفسه، يقف محمود أبو ربيع الذي يعمل في تجارة الخضراوات والفواكه منذ أكثر من عشر سنوات، لكنه يواجه تراجعاً غير مسبوق في حركة البيع والشراء.

يقول أبو ربيع: "الناس باتت تشتري بنصف كيلو بدلاً من كيلو، وبعضهم يسأل عن الأسعار ثم يغادر دون شراء. كنا نبيع نحو 200 كيلو من الطماطم يومياً، أما اليوم فلا نبيع أكثر من 70 كيلو".

ويُرجع التجار هذا التراجع إلى ارتفاع تكاليف النقل والطاقة، إلى جانب زيادة أسعار الأسمدة والمحروقات، في وقت تأثرت فيه الأسواق المصرية بارتفاع الدولار وتكاليف الشحن والتأمين نتيجة الاضطرابات في البحر الأحمر ومضيق هرمز.

وتُعد مصر من أكثر الدول تأثراً بتقلبات أسعار الغذاء عالمياً، نظراً لاعتمادها على استيراد نسبة كبيرة من احتياجاتها الغذائية، بما يشمل القمح والذرة وفول الصويا والزيوت النباتية واللحوم ومنتجات الألبان.

ولا يختلف حال سوسن فتح الله، الموظفة الحكومية والأم لطفلين، كثيراً عن ملايين المصريين. فرغم وصول راتبها إلى نحو ثمانية آلاف جنيه بعد زيادات الحد الأدنى للأجور، فإن دخلها لا يغطي احتياجات أسرتها الأساسية.

تقول فتح الله: "فاتورة الطعام والكهرباء والغاز والمياه ارتفعت بشكل كبير، والراتب لا يكفي نصف الشهر. قللنا شراء اللحوم والدواجن والبيض، واعتمدنا أكثر على الأرز والمكرونة رغم ارتفاع أسعارهما".

وتوضح أنها باتت تخشى تأثير النظام الغذائي المحدود على صحة أطفالها، خاصة مع ارتفاع أسعار الأعلاف وما نتج عنه من زيادة في أسعار منتجات اللحوم والألبان والدواجن.

تجار صغار بين الديون وتراجع الأرباح

في سوق سعد زغلول بوسط القاهرة، يجلس الحاج مختار الصعيدي أمام بضعة أكياس من الخضراوات اشتراها بالدين من سوق الجملة، منتظراً زبائن قلّ عددهم بشكل كبير.

يقول الرجل السبعيني: "من الصباح لم أحصل سوى على 70 جنيهاً. الناس لم تعد قادرة على الشراء، لكننا أيضاً نعاني لأن أسعار البضائع ارتفعت وإيجارات البيوت تتراكم".

وبجواره يجلس أبو أحمد الذي يبيع مواد غذائية بسيطة على الرصيف، ويشير إلى أن الزبائن باتوا يقتصرون على شراء الضروريات، بينما تقلص هامش ربح صغار التجار بفعل ارتفاع الدولار وتكاليف النقل والشحن.

تداعيات الحرب والاعتماد على الاستيراد

يرى المهندس محمد درويش أن التصعيد العسكري في المنطقة، وما نتج عنه من اضطرابات في حركة الملاحة والطاقة، انعكس بشكل مباشر على أسعار الغذاء والأسمدة والمحروقات، الأمر الذي زاد الضغوط على الطبقتين المتوسطة ومحدودة الدخل.

ويشير إلى أن الزيادات المتكررة في أسعار الوقود منذ تطبيق آلية التسعير التلقائي عام 2019 ساهمت في رفع تكلفة النقل والإنتاج، ما انعكس على أسعار معظم السلع والخدمات.

من جهته، يقول أستاذ الزراعة بجامعة القاهرة، الدكتور نادر نور الدين، إن اعتماد مصر على استيراد نحو 65% من احتياجاتها من السلع الاستراتيجية، مثل القمح والذرة الصفراء وفول الصويا، يجعل الأسواق المحلية شديدة التأثر بأي تغير في أسعار الدولار أو أي اضطرابات جيوسياسية.

مخزون استراتيجي.. لكن الأسعار ترتفع

ورغم إعلان الحكومة المصرية توافر مخزون استراتيجي من السلع الأساسية يكفي لأكثر من ستة أشهر، فإنها بررت زيادات بعض الأسعار بتداعيات اضطرابات مضيق هرمز وارتفاع تكاليف الاستيراد والشحن.

كما شهدت أسعار المحروقات والكهرباء والأسمدة وأعلاف الدواجن زيادات جديدة، إذ وصل سعر طن أعلاف الدواجن إلى نحو 24 ألف جنيه، ما انعكس على تكلفة إنتاج الغذاء.

ويؤكد عضو شعبة المواد الغذائية حازم المنوفي أن ارتفاع أسعار الزيوت والسمن والسلع الأساسية يرتبط بزيادة تكاليف الشحن والتأمين وارتفاع أسعار الخامات عالمياً، متوقعاً استمرار الضغوط السعرية ما دامت التوترات الإقليمية قائمة وتأثيرها مستمراً على حركة التجارة والطاقة.

اخترنا لك