"ما طائفتك؟".. سؤال يسبق الكفاءة في مؤسسات سوريا الانتقالية
تثير أسئلة دينية وطائفية في إعلانات توظيف واستبيانات حكومية سورية مخاوف من تكريس التمييز والإقصاء، على حساب الكفاءة المهنية ومبدأ المواطنة وتكافؤ الفرص.
-
"ما طائفتك؟".. سؤال يسبق الكفاءة في مؤسسات سوريا الانتقالية
لم يكن الشاب مضر (اسم مستعار) يتوقع أن يكون انتماؤه الطائفي محور السؤال الأول خلال مقابلة عمل خضع لها في إحدى الدوائر التابعة لوزارة الإعلام في العاصمة السورية دمشق، بدلاً من أن تكون مؤهلاته العلمية وخبراته المهنية محور التقييم.
مضر، البالغ من العمر 24 عاماً، خريج كلية الإعلام في جامعة دمشق، تقدّم لشغل وظيفة في الدائرة الحكومية بعد نشرها إعلاناً للتوظيف، لكنه لم يكن يتوقع أن تتقدم الأسئلة المتعلقة بطائفته على الأسئلة المرتبطة بشهادته العلمية واختصاصه.
يقول مضر لـلميادين نت: "تخرجت من كلية الإعلام قبل عامين، وخلال الفترة الماضية خضعت لعدة دورات لصقل إمكانياتي وتطوير مهاراتي في العمل الإعلامي". ويضيف: "عندما قرأت إعلان التوظيف على مواقع التواصل الاجتماعي، سارعت إلى التقديم. وطُلب مني الحضور إلى المقر الكائن في منطقة كفرسوسة، وكان السؤال الأول في المقابلة: ما هي طائفتك؟".
ويتابع: "في تلك اللحظة، سيطر عليّ الارتباك. فخلال الأيام التي سبقت المقابلة، كنت أحضّر نفسي للإجابة عن أسئلة علمية تتعلق بالشأن الإعلامي، لتأتي الصدمة بسؤال مدير القسم عن الطائفة. أخبرته أنني علوي، وهنا انتقل الارتباك والتردد إلى الشخص المسؤول، لتأخذ المقابلة بعد ذلك طابعاً شكلياً، بدلاً من أن تكون محاولة فعلية لتقييم إمكانياتي".
ويشير مضر إلى أنه، برغم مرور أكثر من عشرة أيام على المقابلة، لم يتلقَّ أي اتصال لإبلاغه بالنتيجة، معتبراً أن ذلك يعني رفضه للوظيفة بسبب انتمائه الطائفي.
ولا تبدو تجربة مضر حالة معزولة، إذ تثير أسئلة دينية وطائفية وردت في إعلانات توظيف واستبيانات حكومية سورية مخاوف بشأن تحوّل الانتماء الديني أو المذهبي إلى عامل مؤثر في فرص العمل والمشاركة العامة، على حساب الكفاءة العلمية والخبرة المهنية. ولا تقتصر تداعيات هذه الممارسات على المتقدمين الجدد، بل تمتد إلى موظفين سابقين، وسط تقارير عن إقالة آلاف الموظفين العلويين من مؤسسات حكومية مختلفة.
الطائفة شرطاً للانضمام إلى الجيش الجديد
أثار إعلان توظيف تابع لوزارة الدفاع في الحكومة السورية الانتقالية انتقادات حقوقية وأكاديمية، بعدما تضمّنت استمارة التقديم أسئلة تتعلق بالانتماء الديني للمتقدمين، والمسجد الذي يواظبون على ارتياده، وأسماء العلماء والمربين الذين يحضرون دروسهم بصورة دورية، وعدد أجزاء القرآن التي يحفظونها، برغم أن الإعلان يستهدف مهندسين من أصحاب الخبرات والخريجين الجدد.
ونشرت كلية الهندسة في جامعة دمشق الإعلان، الذي انتشر على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف استقطاب مهندسين للعمل ضمن "الشركة القابضة للصناعات الدفاعية"، وهو الاسم الجديد لمركز البحوث العلمية في وزارة الدفاع السورية.
وبينما تضمنت الاستمارة أسئلة تقليدية تتعلق بالمعدل الجامعي والخبرات والمهارات وأماكن العمل السابقة والسيرة الذاتية، شملت أيضاً أسئلة دينية، من بينها أسماء العلماء والمربين في المساجد الذين يحضر المتقدمون دروسهم بصورة دورية، وعدد أجزاء القرآن التي يحفظونها، والمسجد الذي ينتمون إليه.
كما تضمنت الاستمارة سؤالاً عن وجود "تزكية" لدى المتقدم، من دون توضيح طبيعة هذه التزكية أو الجهة التي ينبغي أن تصدر عنها، وما إذا كانت ستدخل ضمن معايير المفاضلة بين المرشحين. وأثار ذلك انتقادات بشأن احتمال تكريس الواسطة والمحسوبية في التوظيف الحكومي.
واعتبر منتقدون أن هذه الأسئلة لا ترتبط مباشرة بالكفاءة العلمية أو الخبرة المطلوبة لتوظيف المهندسين والفنيين، بل قد تحوّل الانتماء الديني والمرجعيات الدينية إلى معايير غير مهنية للقبول في وظيفة حكومية يُفترض أن تكون متاحة للمؤهلين على أساس اختصاصاتهم وقدراتهم.
وفي هذا السياق، كتب الناشط الحقوقي رامي الحسن عبر منصة "إكس": "هذا الإعلان يفضح حقيقة ما يجري في وزارة الدفاع، أسئلة عن المسجد والشيخ وعدد الأجزاء في استمارة توظيف مهندسين؟ هذه ليست معايير كفاءة، هذه آلة فرز طائفي وعقائدي تعيد إنتاج الدولة الأمنية البوليسية التي كنا نعتقد أنها انتهت، من يريد الانضمام إلى جيش وطني يجب أن يُسأل عن تخصصه وخبرته، لا عن علاقاته بالمساجد والعلماء".
بدوره، تساءل المحلل الاقتصادي محمد العلبي عن علاقة عدد أجزاء القرآن التي يحفظها المتقدم، أو المسجد الذي يرتاده، بمتطلبات العمل في وزارة الدفاع، وعن أسباب طلب أسماء علماء الدين والمربين الذين يحضر لديهم الدروس بصورة دورية.
وأضاف: "هذه ليست وزارة أوقاف، بل وزارة دفاع يفترض أنها تبني جيش دولة. الأسئلة ليست فقط إقصائية لغير المسلمين، بل تميز بين المسلمين السنة أنفسهم، وتفرزهم وفق شبكاتهم ومرجعياتهم الدينية، بما يضمن الولاء المطلق لأيديولوجيا سلطة حاكمة لا لدولة".
وعقب الانتقادات الواسعة التي طالت الاستمارة، أعادت الجهة المعلنة نشر إعلان التوظيف بعد حذف الأسئلة الدينية المثيرة للجدل، من دون تقديم توضيح رسمي بشأن أسباب إدراجها في النسخة الأولى أو دوافع حذفها لاحقاً.
"الانتماء الطائفي" في استبيان الاستراتيجية الوطنية للشباب
في أيار/مايو الماضي، أطلقت وزارة الرياضة والشباب في الحكومة السورية الانتقالية استبياناً لإعداد "الاستراتيجية الوطنية للشباب"، بهدف إشراك الشباب في صنع السياسات العامة وبناء مستقبل البلاد، وتعزيز دورهم بوصفهم شركاء أساسيين في التنمية وصناعة السلام.
لكن الاستبيان أثار جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تضمّن أسئلة تتعلق بالخلفيات الدينية والطائفية والإثنية والقومية للمشاركين.
واستهلّ الاستبيان أسئلته ببيانات تتعلق بالعمر والمستوى الدراسي وحالة السكن والعمل، قبل الانتقال إلى محاور التربية الإعلامية ومكافحة التضليل، ومشاركة الشباب في الحياة السياسية وصنع القرار، والمواطنة الرقمية والأمن السيبراني، والوعي الحقوقي والوصول إلى العدالة، وإصلاح القطاع العام، والعمل التطوعي والمشاركة المدنية، ومكافحة الفساد والواسطة، وصولاً إلى مهارات التفاوض وصنع السياسات.
غير أن الجدل تركز على السؤالين الأخيرين المتعلقين بالخلفية الدينية والطائفية والخلفية الإثنية والقومية، برغم الإشارة إلى أن الإجابة عنهما اختيارية وتخضع لطبيعة المجتمع المستهدف.
ورأى سوريون أن استراتيجية وطنية تستهدف الشباب يُفترض أن تنطلق من مبدأ المساواة بينهم، وأن تركز على احتياجاتهم في مجالات التعليم والعمل والتنمية والمشاركة في بناء البلاد، بعيداً عن الانتماءات الطائفية أو القومية.
كما أثارت الأسئلة مخاوف من إمكانية توظيف البيانات المتعلقة بالهويات الدينية والإثنية في ترسيخ الانقسامات داخل المجتمع السوري، ولا سيما في ظل تكرار ظهور هذه التصنيفات في سياقات حكومية مختلفة.
وبينما يُفترض أن تشكّل المواطنة أساساً للعلاقة بين الدولة ومواطنيها، تطرح هذه الوقائع تساؤلات بشأن حدود استخدام البيانات الدينية والطائفية، والمعايير التي تحكم التوظيف والمشاركة في السياسات العامة، ومدى قدرة المؤسسات الانتقالية على ضمان تكافؤ الفرص بعيداً عن الانتماءات الشخصية.