لا انتظار لإذن العودة.. أهالي جنوب لبنان يشقّون طريقهم نحو قراهم
برغم استمرار الاعتداءات والدمار ووجود الاحتلال في بعض القرى، اندفع أهالي جنوب لبنان إلى العودة فور إعلان وقف إطلاق النار، متمسكين بأرضهم ومنازلهم.
-
لا انتظار لإذن العودة.. أهالي جنوب لبنان يشقّون طريقهم نحو قراهم
لم تمضِ ساعات على إعلان وقف إطلاق النار، حتى بدأ أهالي جنوب لبنان يتوافدون ليلاً إلى قراهم وبلداتهم. عودةٌ تسارعت وتيرتها مع ساعات الفجر الأولى، وسبقت أي إعلان رسمي من الجهات المعنية، كأن أبناء الأرض لم ينتظروا إذناً للعودة إليها بعد غياب طال بفعل العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان، ولا سيما الجنوب، منذ الثاني من آذار/مارس الماضي.
هذه العودة التي رافقها هدير طائرات الاستطلاع الإسرائيلية وأصوات القصف المدفعي والانفجارات، جاءت محاطة بالحذر، خصوصاً مع استمرار وجود الاحتلال في عدد من القرى وعدم انسحابه منها. إلا أن الخطر لم يمنع الجنوبيين من الوصول إلى أرضهم ومنازلهم، وإن وجدوها ركاماً، في مشهد يؤكد أن أهل الأرض يعودون إليها مهما طال الزمن وكبرت التضحيات.
على مشارف بلدة مجدل زون، وقف الشاب هادي مع عدد من أبناء البلدة في محاولة للوصول إلى قريتهم وتفقد ما تبقى من منازلهم وممتلكاتهم بعد أسابيع طويلة من العدوان. لكن طائرات "الدرون" الإسرائيلية لاحقتهم وألقت قنابل قربهم لمنعهم من الاقتراب، في دلالة على استمرار محاولات منع الأهالي من العودة برغم إعلان وقف إطلاق النار.
وقبل بلوغ أطراف البلدة، كان الشبان قد سلكوا طرقاً وعرة ومسالك جانبية بعدما قطعت الغارات الطرقات الرئيسية وخلّفت دماراً واسعاً. وأمام استمرار الخطر، وجّهوا نداءً إلى أبناء مجدل زون طالبوهم بعدم التوجه إلى البلدة في الوقت الراهن حفاظاً على سلامتهم، ريثما تزول التهديدات وتُفتح الطرقات.
وعلى مسافة كيلومترات قليلة، كانت بلدة القليلة في قضاء صور ترسم مشهداً آخر امتزجت فيه فرحة العودة بثقل الخسارة. مع ساعات الصباح الأولى، وصل أحمد إلى بلدته لتفقد منزله والاطمئنان عليه، والتقى أهالي دخلوا البلدة بمواكبة فرق الدفاع المدني.
وبالتوازي مع فتح الطرقات، باشرت فرق الدفاع المدني انتشال جثامين الشهداء من داخل البلدة. أما أحمد، فأمضى نحو ساعتين داخل منزله المتضرر يجمع ما أمكن من حاجياته الضرورية، وأطعم قطط الحي التي اعتادت حضوره، قبل أن يغادر بعد أن أدى الصلاة على وقع أذان المسجد، حاملاً أملاً بالعودة قريباً لترميم منزله والاستقرار فيه من جديد.
وفي مدينة صور، لم تنتظر سحر طويلاً بعد إعلان وقف إطلاق النار. جمعت أمتعتها وأفراد عائلتها، وانطلقت مع ساعات الفجر من منطقة إهدن شمال لبنان نحو مدينتها، محاولة الوصول قبل اشتداد الازدحام. إلا أن الطريق نحو الجنوب كانت قد امتلأت منذ الصباح بآلاف العائلات العائدة إلى منازلها.
وصلت سحر إلى منزلها في أحد أحياء صور بعد نحو أسبوع من مغادرته إثر التهديد بالإخلاء الشامل الذي تعرضت له المدينة. ولم تكن وحدها، فقد بدأت العائلات والجيران بالعودة تباعاً، فيما وصل إخوتها للإقامة لديها مؤقتاً بانتظار استقرار الأوضاع وتمكنهم من العودة إلى بلدتهم المنصوري.
وفي بلدة المروانية، كانت زهرة خليل تتفقد آثار القصف. فعلى الرغم من تعرض منزلها للأضرار للمرة الثالثة منذ بداية الحرب، وسقوط غارات عدة في محيطه، أصرت على العودة إليه فوراً. أزالت الركام والزجاج المتناثر، وأقفلت الأبواب والنوافذ بالنايلون مؤقتاً لحمايته إلى حين ترميمه.
وبرغم حجم الخسائر، تؤكد زهرة أن كل التعب يهون أمام لحظة العودة، وأن سماع الأذان يرتفع مجدداً من مسجد بلدتها بعد أيام طويلة من القصف والدمار يعيد إليها الإحساس بالحياة، ويزرع أملاً بأن الجنوب، مهما اشتدت المحن، قادر على النهوض من جديد.
وبين مشاهد العودة التي طبعت القرى الجنوبية، برز مشهد الرايات السوداء في الأزقة والشوارع والساحات، وعلى مداخل البلدات وشرفات المنازل المدمّرة وركامها، وقد ارتفعت تباعاً استعداداً لاستقبال شهر محرم وإحياء ذكرى عاشوراء.
لم تكن تلك الرايات مجرد تفصيل عابر في مشهد العودة، بل صورة تختصر معنى الثبات والتمسك بالأرض والهوية. فمن بين الركام الذي خلّفته الغارات، ارتفعت لتقول إن القرى الجنوبية، برغم الدمار والتهجير، ما زالت حية، قادرة على النهوض، وحافظةً لذاكرتها وقيمها، ومجددةً عهدها مهما بلغت التضحيات.