ظنّوه ميتًا.. محمد جحا يعود من تحت الركام في غزة
محمد جحا، أحد الناجين من قصف منزل عائلته في حي التفاح شرق غزة، يروي كيف أُخرج من تحت الأنقاض وظنّ أهله أنه فارق الحياة، قبل أن يكتشفوا أنه ما زال حيًا. وبعد ثلاثة أشهر في غيبوبة، استيقظ ليجد أن أكثر من مئة من أفراد عائلته قضوا في القصف
-
ظنّوه ميتًا.. محمد جحا يعود من تحت الركام في غزة
في اللحظة التي ظنت فيها عائلة الشاب محمد جحا أنها تودّعه إلى الأبد، كان جسده ممددًا استعدادًا للصلاة عليه، وأهله يستعدون لدفنه، بعدما أُخرج من تحت أنقاض منزل العائلة في حي التفاح شرق مدينة غزة.
كان المشهد يبدو محسومًا؛ شاب أُخرج من بين الركام، وبدا لمن حوله أنه فارق الحياة. لكن قبل أن يُغلق القبر، تحرك جسده فجأة. اقترب منه من كانوا حوله للتأكد من وجود نبض، ليكتشفوا أن محمد ما زال حيًا. وفي لحظة واحدة، انقلب المشهد من جنازة إلى محاولة لإنقاذ شخص لم تنتهِ حياته بعد.
جنازة لم تكتمل
يروي محمد جحا للميادين نت تفاصيل ما جرى معه ومع عائلته في السادس من كانون الأول/ ديسمبر 2023، حين أصاب قصف إسرائيلي منزل العائلة في حي التفاح شرق مدينة غزة، حيث كان المنزل يضم نحو 150 شخصًا من أفراد الأسرة والأقارب والنازحين الذين لجأوا إليه بعدما عجزوا عن العثور على مكان آخر يأويهم.
في ذلك الوقت، كانت العائلات تتنقل من مكان إلى آخر بحثًا عن مأوى، فيما امتلأت المدارس ومراكز الإيواء بالنازحين، وأصبح العثور على مكان يجتمع فيه هذا العدد الكبير من الأشخاص أمرًا بالغ الصعوبة.
قبل القصف، حاولت العائلة أكثر من مرة مغادرة المنطقة بحثًا عن مكان أكثر أمانًا، لكن مراكز الإيواء والمدارس كانت مكتظة، ولم يكن هناك مكان يمكنهم الاستقرار فيه. ومع اشتداد القصف من حولهم، قررت والدته البقاء في المنزل، متشبثة بما كانت تراه قدرًا لا مفر منه، وقالت لهم: "ولو كنتم في بروج مشيدة لأدرككم الموت".
في لحظة ابتلعهم الركام
كان محمد وأفراد عائلته يمارسون حياتهم اليومية حين سقط الصاروخ على المنزل. يقول: "فقدت الوعي تمامًا، وما تذكرت أي لحظة من الضربة"، ثم ابتلع الركام المكان، وسقط عشرات الأشخاص تحت الأنقاض، فيما حصد القصف أرواح نحو 100 من أقاربه دفعة واحدة، ولم يكن أحد يعرف في تلك الساعات من بقي حيًا ومن فارق الحياة.
بعد ساعات، بدأ الجيران عمليات البحث وسط ظروف بالغة الخطورة، من دون توفر معدات إنقاذ كافية، ومن دون سيارات إسعاف تستطيع الوصول بسهولة، فيما استمر القصف من حولهم.
تمكن الأهالي من انتشال عدد من أفراد العائلة من تحت الركام، ووضع بعض المصابين على عربة يجرها حمار ونقلهم إلى المستشفى، بحسب جحا.
ويؤكد أن عمليات البحث لم تكن تسير بشكل متواصل فخلال محاولة الوصول إلى العالقين تحت الأنقاض، تعرض منزلان مجاوران لمنزل العائلة للاستهداف، كما طال القصف المسجد القريب، ما دفع الجيران إلى التوقف والتراجع خوفًا من استهدافهم مرة أخرى.
لكن مع كثافة الاستهدافات، تحولت المنطقة، بحسب وصف جحا، إلى "حزام ناري"، وأصبح مجرد الاقتراب من المنزل المدمر مخاطرة حقيقية.
عاد من الموت
يبيّن جحا أن الجيران عادوا في اليوم التالي إلى موقع المنزل المدمر لمواصلة البحث عن الشهداء والمفقودين. وبين الركام عثروا عليه وتمكنوا بصعوبة من إخراجه، وكان مظهره يوحي لهم بأنه فارق الحياة، فيما لم تتوفر لديهم وسائل طبية للتأكد من حالته.
نقلوه إلى أرض تابعة لعائلة والده، وبدأوا إجراءات دفنه، بينما كان ممددًا بينهم غير قادر على إدراك ما يجري حوله.
وخلال أداء الصلاة عليه، حدث ما لم يكن في الحسبان إذ تحرك جسد محمد بطريقة مفاجئة، في مشهد أصاب من حوله بالذهول. اقتربوا منه وحاولوا التأكد من وجود نبض، ثم اكتشفوا أنه لا يزال حيًا.
يقول جحا إن الجيران سارعوا إلى إسعافه بما توفر لديهم، مضيفًا: "لفّوا لي راسي بشاش وربطوه لأن النزيف كان شديد، لكنهم ما قدروا يوصلوني مباشرة إلى المستشفى بسبب القصف اللي كان محاصر المنطقة".
وفي تلك اللحظة، لم يعد السؤال كيف يدفنون محمد، بل كيف يستطيعون إبقاءه حيًا في منطقة تحاصرها النيران.
ويبيّن جحا أن الجيران نقلوه إلى أحد بيوت الحي بعد العثور عليه، وحاولوا إسعافه بما توفر لديهم، لكنه ظل فاقدًا للوعي وينزف من رأسه، ولم يكن أمامهم سوى الانتظار يومين قبل أن يقرروا نقله رغم القصف.
ويشير إلى أنه "ما كان في سيارة أو وسيلة نقل، جابوا عربة يجرها حمار ووضعوني عليها، ومشوا فيي وسط القصف".
وبحسب روايته، وصل إلى نقطة طبية أقيمت داخل إحدى مدارس "الأونروا" في شرق غزة، بعدما أحاطت الدبابات الإسرائيلية بالمنطقة، فيما كانت القذائف والرصاص تتساقط من حوله.
ويؤكد جحا أن النقطة قدمت له الإسعافات الأولية، لكنه بقي فاقدًا للوعي جراء النزيف الحاد في رأسه، إلى أن أُحضرت سيارة إسعاف ونقلته إلى مستشفى المعمداني.
ثلاثة أشهر في غيبوبة
هناك، دخل محمد في غيبوبة استمرت ثلاثة أشهر كاملة، ظل خلالها جسده ساكنًا على سرير المستشفى، فيما كانت الحرب مستمرة من حوله.
لم يكن يعرف شيئًا عما جرى لعائلته أو لمنزله، ولا يعرف إن كان أحد منهم لا يزال على قيد الحياة، فقد انقطعت عنه كل تفاصيل الحياة في اللحظة التي فقد فيها وعيه.
وبعد ثلاثة أشهر، فتح محمد عينيه داخل غرفة المستشفى، محاطًا بأصوات الأجهزة الطبية ورائحة المطهرات، لكنه لم يعرف أين هو ولا كيف وصل إلى هناك، ولم يتذكر اسمه أو عائلته أو تفاصيل إصابته.
كان يستيقظ وينام في الغرفة نفسها، ينظر حوله ويحاول أن يفهم ما الذي حدث، وكأنه عاد إلى الحياة من دون أن يعرف شيئًا عن الحياة التي تركها خلفه، بحسب جحا.
بدأ يسأل الطاقم التمريضي عن هويته وسبب وجوده في المستشفى، وعن عائلته وما جرى لهم، لكنهم تجنبوا إخباره في البداية، إلى أن أصرّ على معرفة الحقيقة.
عندها أخبرته إحدى الممرضات أن عائلته استُشهدت، إذ مثّلت الجملة بداية صادمة لاستعادة ذاكرته؛ فبدأت تفاصيل البيت ووجوه أهله تتسلل إلى ذهنه شيئًا فشيئًا، وعاد يتذكر الأشخاص الذين كانوا حوله قبل القصف، قبل أن يدرك أنهم لم يعودوا هناك.
شقيقته.. آخر ما تبقّى له
يلفت جحا إلى أن ذاكرته لم تعد دفعة واحدة، بل جاءت على شكل تفاصيل متقطعة؛ وجه هنا، وصوت هناك، وذكريات البيت والعائلة، قبل أن تكتمل الصورة أمامه.
والده ووالدته، إخوته وشقيقاته، أعمامه وأبناءهم وأجداده، إلى جانب عشرات النازحين الذين كانوا داخل المنزل، جميعهم قضوا في القصف، مضيفًا: "كلهم راحوا، فوق المية شخص، وأنا وأختي بس اللي ظلينا".
كانت شقيقته الصغيرة الناجية الوحيدة إلى جانبه، لكنها لم تخرج من القصف من دون إصابة، إذ تعرضت لجروح بالغة وخضعت لعمليتين جراحيتين داخل غزة، قبل أن يؤكد الأطباء حاجتها إلى السفر إلى الخارج لاستكمال علاجها.
بينما وجد محمد نفسه، بعد أشهر من الغيبوبة، أمام حياة لم يعد فيها البيت قائمًا، ولا الوجوه التي اعتاد رؤيتها حاضرة من حوله، إذ لا تزال رفات عدد من أفراد أسرته تحت أنقاض المنزل، في منطقة خطرة تحول القصف والعمليات العسكرية الإسرائيلية دون الوصول إليها.
حياة لا تشبه ما قبل الحرب
لكن فقدان العائلة لم يكن وحده ما ينتظره بعد الاستيقاظ، فالمنزل الذي كان يجمعهم لم يعد قائمًا، ولا تزال رفات عدد من أفراد أسرته تحت أنقاضه، في منطقة خطرة تحول العمليات العسكرية الإسرائيلية دون الوصول إليها.
ويعيش محمد اليوم مع شقيقته في مدرسة تحولت إلى مركز إيواء، بعدما فقد بيته وأسرته وحياته التي كان يعرفها.
يؤكد جحا أنه لم يستعد حياته السابقة بعد نجاته، بل وجد نفسه مضطرًا إلى بدء حياة جديدة، يحمل في جسده آثار الإصابة، وفي ذاكرته تفاصيل يوم فقد فيه أكثر من مئة شخص.
ويشير إلى أنه بات يكره وقت الفراغ، لأن الصمت يعيده إلى ذلك اليوم وإلى وجوه أحبائه الذين فقدهم، مؤكدًا أنه عندما يهدأ كل شيء من حوله، تعود إليه تفاصيل ذلك اليوم والأشخاص الذين كانوا معه.
لذلك يحاول أن يبقى منشغلًا قدر الإمكان، ويتمسك بما تبقى في ذاكرته من صور وذكريات، مواصلًا حياته من أجل شقيقته.
نجا محمد من الركام، لكنه لم يخرج منه كما كان. فقد تركت الإصابة أثرها على جسده، فيما ترك فقدان أكثر من مئة شخص أثرًا أعمق في ذاكرته.
فالبيت دُمّر، والعائلة رحلت، ولم يبقَ له سوى شقيقته وذكريات من فقدهم، ليجد نفسه مضطرًا إلى التمسك بالحياة، رغم أنها لم تعد تشبه ما عرفه قبل الحرب.