صيف غزة المسروق.. الحرب تُحوّل ساحل البحر إلى خراب وخيام

تحوّل شاطئ غزة من متنفس للحياة وموردٍ للرزق إلى فضاء للنزوح والخطر، بعدما غيّرت الحرب ملامحه وجرّدت سكانه من أحد آخر منافذهم إلى الحياة.

0:00
  • صيف غزة المسروق.. الحرب تُحوّل ساحل البحر إلى خراب وخيام
    صيف غزة المسروق.. الحرب تُحوّل ساحل البحر إلى خراب وخيام

تبدّل ساحل قطاع غزة من متنفس مفتوح وواجهة بحرية نابضة بالحياة، تتناثر على امتدادها الاستراحات والفنادق والمقاهي، إلى فضاء مثقل بالخراب والفراغ، فقد فيه البحر معناه كملاذ للسكينة، وبات شاهداً صامتاً على التحولات القاسية التي فرضها العدوان الإسرائيلي.

ويمتد الشاطئ اليوم كمساحة مشبعة بالتناقضات؛ فبعدما كان مقصداً للعائلات خلال الصيف، أصبحت رماله تحتضن خيام النازحين وأكوام الركام. واستُبدلت الطاولات والكراسي بجلسات اضطرارية على الرمال، في مشهد يعكس واقعاً فرضته الحرب.

ولم يعد البحر نفسه مكاناً آمناً، مع تكرار استهداف الصيادين والمرتادين، واستمرار القصف وتحليق الطائرات، لتغدو الواجهة البحرية بعيدة كل البعد عن دورها السابق بوصفها مساحة للراحة والاستجمام.

ومع تقلص المناطق الآمنة واتساع دائرة الخوف، بات كثير من السكان يتجنبون الاقتراب من البحر أو يتعاملون معه بحذر شديد، بعدما تحول من متنفس للحياة إلى مساحة مفتوحة على القلق والترقب.

ملاذ اضطراري

يجلس الفلسطيني لؤي عسلية على سجادة صغيرة فوق رمال الشاطئ، يحدق في البحر بصمت طويل، وكأنه يبحث بين هدير الأمواج عن شيء من الهدوء الذي فقده، فيما ترتسم على وجهه ملامح الإرهاق التي خلفتها الحرب.

ويقول عسلية، في حديثه إلى الميادين نت، إن وجوده على الشاطئ لم يعد نزهة أو خياراً ترفيهياً، بل مخاطرة قد تكلّفه حياته، مضيفاً: "برغم ذلك، أجد نفسي مضطراً للمجيء يومياً هرباً من حرارة الخيام وانعدام وسائل التبريد وأبسط مقومات الحياة".

ويضيف أن الظروف القاسية داخل مراكز النزوح جعلت البحر بالنسبة إليه ولآلاف غيره "الملاذ الأخير"، برغم كل ما يحيط به من مخاطر، موضحاً أنه لم يعد قادراً على تحمّل الحرارة الخانقة داخل الخيام.

ويشير إلى أن البحر، برغم حضوره الدائم في حياة الغزيين، فقد معناه بالكامل بعد العدوان الأخير، موضحاً أن الشاطئ الذي كان يضم فنادق واستراحات ومعالم ترفيهية معروفة، مثل "سندباد" و"أصداء"، تحوّل إلى مساحة مختلفة تماماً بعدما أصبحت تلك المرافق ركاماً أو خرجت عن الخدمة.

ويتابع: "قبل الحرب كان البحر حياة. كنا نقضي فيه أوقاتاً جميلة مع العائلة، وكانت هناك أماكن منظمة ومتنفس حقيقي. أما اليوم فلا شيء بقي كما كان". ويلفت إلى أن خيام النازحين امتدت مكان المرافق التي كانت تعج بالزوار، في مشهد يلخص حجم التحول الذي أصاب المدينة وساحلها.

نزوح قسري نحو الشاطئ

وفي مشهد لا يقل قسوة، تجلس النازحة أحلام السكني قرب خيمتها على شاطئ غزة، تحمل غالوناً من مياه البحر لاستخدامه في غسل الملابس، وسط ظروف معيشية بالغة الصعوبة.

وتقول لـلميادين نت: "كان البحر قبل الحرب مكاناً للراحة ونسيان التعب، أما اليوم فأصبحنا نسكنه، لكن ليس كما عرفناه؛ فلا أمان ولا راحة ولا حياة طبيعية".

وتضيف أن العلاقة مع البحر تغيرت بالكامل، موضحة: "كنا نقصده للفرح والاستجمام، أما اليوم فنعيش فيه قسراً، وسط ظروف غير إنسانية". وتشير إلى أن الشاطئ بات محاطاً بالركام والدمار، فيما تزيد الظروف الصحية المتدهورة من معاناة الأسر النازحة، ولا سيما الأطفال.

وتحذر السكني من تفاقم المخاطر الصحية داخل خيام النزوح المنتشرة على الساحل، مؤكدة أن انتشار القوارض والبراغيث والفطريات يشكل خطراً مباشراً على الأطفال، في ظل غياب الحد الأدنى من النظافة والرعاية الصحية.

وتوضح أن هذه الظروف دفعت كثيراً من العائلات إلى السكن على الشاطئ باعتباره الخيار الوحيد المتبقي، بعد تقلص المساحات السكنية نتيجة سيطرة الاحتلال على أجزاء واسعة من القطاع.

مخاطر يومية

ولم يسلم قطاع الصيد من تداعيات الحرب، إذ يواجه الصيادون استهدافاً متكرراً ومخاطر يومية جعلت ممارسة مهنتهم رحلة محفوفة بالتهديد، بعدما كانت مصدر رزق رئيسياً لآلاف العائلات.

ويقول الصياد عماد بكر لـلميادين نت إن واقع البحر تغير جذرياً بعد الحرب، مضيفاً: "كنا نخرج مع الفجر ونعود بما يكفي لإعالة أسرنا، أما اليوم فأصبح البحر خطراً حقيقياً على حياتنا".

ويؤكد أن زوارق الاحتلال تطلق النار بصورة متكررة على الصيادين، ما أدى إلى استشهاد وإصابة واعتقال عدد منهم، معتبراً أن البحر تحول إلى "خط مواجهة مفتوح" بدلاً من أن يكون مصدراً للرزق.

ويشير إلى أزمة أخرى تتمثل في تدمير عدد كبير من القوارب ونقص المعدات، الأمر الذي دفع كثيراً من الصيادين إلى فقدان مصدر دخلهم والاعتماد على المساعدات الإنسانية.

البحر يفقد دوره الاقتصادي والاجتماعي

وعلى امتداد شارع الرشيد الساحلي، تبدلت ملامح الواجهة البحرية التي كانت تُعد الأكثر حيوية في غزة، بعدما اختفت مشاهد الأعراس والاستراحات والمقاهي والزوار، لتحل محلها الخيام والبسطات والدمار، في ظل توقف شبه كامل للمرافق السياحية، خصوصاً في منطقتي السودانية ودوار النابلسي.

ويقول خليل الحاج حسن، صاحب استراحة دمرها الاحتلال، إن مشروعه الذي استمر سنوات انتهى بالكامل بعد تدمير المنشأة، مضيفاً أن معظم أصحاب المشاريع السياحية فقدوا الأمل في إعادة التشغيل، بسبب حجم الخسائر وغياب أي مؤشرات على الاستقرار.

وفي الوقت نفسه، تتفاقم الأزمة البيئية مع تصريف كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي إلى البحر نتيجة تدمير البنية التحتية، ما جعل أجزاء واسعة من الساحل غير صالحة للاستخدام، وفق مختصين ومنقذين بحريين، الذين يشيرون أيضاً إلى ازدياد الحوادث في ظل غياب الرقابة ومناطق السباحة الآمنة.

تدمير واسع وخسائر فادحة في القطاع السياحي

ومع ارتفاع أسعار الشاليهات إلى مستويات تفوق قدرة معظم السكان، وتراجع الدخول بشكل حاد، يؤكد شبان من غزة أن البحر فقد دوره كمتنفس للعائلات، ليصبح مساحة مكتظة بالنازحين ومثقلة بالأزمات الاقتصادية والبيئية، في مشهد يجسد امتداد الكارثة الإنسانية إلى فصل الصيف.

ويؤكد رئيس لجنة الطوارئ في الهيئة الفلسطينية للمطاعم والفنادق والخدمات السياحية في غزة، معين أبو الخير، أن العدوان الإسرائيلي أدى إلى تدمير أكثر من 97% من المنشآت السياحية، مقدراً الخسائر المباشرة بأكثر من 3.9 مليارات دولار.

ويقول لـلميادين نت إن الحرب طالت مختلف مكونات القطاع السياحي، إذ خرجت عشرات الفنادق عن الخدمة، فيما تعرضت مطاعم ومقاهٍ للحرق أو القصف أو النهب، وأُجبرت أخرى على الإغلاق بسبب انعدام المواد الخام وتوقف النشاط الاقتصادي.

ويوضح أن الدمار شمل نحو 4992 منشأة سياحية، بينها 3450 منشأة للمطاعم والمشروبات، و921 منشأة للأنشطة الترفيهية والفنية، و182 منشأة للحرف والهدايا، و173 منشأة فندقية وإقامية، إضافة إلى عشرات الشاليهات وصالات الأفراح والمواقع السياحية.

ويشير أبو الخير إلى أن القطاع خسر أيضاً نحو 15,265 فرصة عمل، فيما تجاوزت خسائر العاملين فيه 720 مليون دولار، فضلاً عن خسائر يومية تزيد على ثلاثة ملايين دولار نتيجة توقف النشاط بالكامل.

ويدعو إلى تدخل دولي عاجل لإعادة إعمار القطاع السياحي، وإنشاء صندوق خاص للتعافي المبكر، وتقديم دعم إغاثي للمتضررين، وإعفاء المشاريع السياحية من الضرائب والرسوم، بما يسمح باستئناف النشاط تدريجياً ضمن خطة شاملة لإعادة الإعمار.

وفي مشهد يلخص تحولات الحرب، أصبح بحر غزة مساحة تتجاور فيها الخيام مع الركام، والنجاة مع الخطر، فيما يواصل السكان البحث عن هامش للحياة وسط واقع يزداد قسوة، لتبقى أمواجه شاهدة على مدينة تبدلت ملامحها بالكامل.

اخترنا لك