صيادو غزة يعيدون بناء قواربهم من الركام ويواصلون الصيد
يصنع صيادو غزة قوارب بدائية من أنقاض المنازل ومواد معاد تدويرها، في محاولة لاستعادة مصدر رزقهم الوحيد برغم الدمار والحصار البحري واستهداف قطاع الصيد.
-
من حطام الحرب إلى البحر… صيادو غزة يصنعون قواربهم ويواصلون الصيد
بين رائحة البحر التي اعتاد صيادو غزة أن يستقبلوا بها يومهم، وغبار الركام الذي غطّى ملامح المكان، تتشكل حكاية جديدة من حكايات البقاء، فعلى شاطئ القطاع المدمر، يقف الصيادون أمام قواربهم المتهالكة محاولين إعادة الحياة إليها بما توفر من أدوات ومواد انتُشلت من بين أنقاض المنازل المدمرة، أملاً في العودة إلى البحر الذي ظل لعقود مصدر رزقهم الوحيد وطوق نجاتهم في مواجهة الفقر والحصار.
وفي ورشة متواضعة قرب الساحل، ينشغل صيادون وحرفيون بإصلاح قوارب متضررة وصناعة أخرى بديلة باستخدام ألياف زجاجية معاد تدويرها وأخشاب مستخرجة من بقايا المباني المهدمة، وسط أصوات العمل التي تعكس محاولات مستمرة لاستعادة مصدر رزق تضرر بشدة تحت القصف.
ومع تدمير مئات القوارب ومرافق الصيد، ومنع إدخال المواد الخام اللازمة للصيانة والتصنيع، اضطر العاملون في هذا القطاع إلى ابتكار بدائل من واقع الحرب، فاستُخدمت الأخشاب وإطارات الأبواب والنوافذ في صناعة قوارب بدائية تعيدهم إلى البحر، برغم محدودية إمكاناتها وافتقارها لمعايير الأمان.
قوارب تُصنع من أنقاض المنازل
الصياد الخمسيني مصطفى مقداد، من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، فقد قاربه الذي اعتمد عليه لعقود في إعالة أسرته المكونة من ثمانية أفراد بعد تدميره خلال الحرب، لتتوقف معه رحلات الصيد التي شكلت مصدر دخله الوحيد.
ويقول مقداد في حديثه إلى الميادين نت، إنّ فقدان القارب أدخله في واحدة من أصعب مراحل حياته، إذ وجد نفسه عاجزاً عن توفير احتياجات أسرته الأساسية في ظل انعدام مصادر الدخل وتدهور الأوضاع المعيشية، بل مضطراً للبحث بين أنقاض المنازل المدمرة عن قطع خشب يمكن استخدامها في صناعة قارب جديد يعيده إلى البحر.
ومع مرور الوقت، بدأ مقداد يبحث عن أي وسيلة تمكنه من العودة إلى البحر، إلا أن الواقع كان أكثر قسوة مما توقع، حيث شراء قارب جديد أصبح خارج قدراته المالية في ظل الارتفاع الكبير للأسعار، كما أنّ مستلزمات صناعة المراكب وإصلاحها باتت شبه معدومة نتيجة القيود المفروضة على إدخال المواد الخام إلى قطاع غزة.
أمام هذا الواقع، لم يجد الرجل خياراً سوى اللجوء إلى ما هو متاح حوله، وبينما كان يتجوّل في الأحياء المدمرة، لفت انتباهه وجود كميات من الأخشاب وإطارات الأبواب والنوافذ بين الركام، حينها بدأت تتشكل في ذهنه فكرة استغلال تلك المواد لصناعة قارب بدائي يمكنه من استئناف عمله.
ويضيف مقداد: "لم يكن أمامي خيار آخر، فالصيد هو مصدر رزقي الوحيد، وإذا توقفت عنه فلن أجد ما أطعم به أطفالي"، مشيراً إلى أنّه بدأ بجمع الأخشاب من بين أنقاض المنازل المدمرة، فيما اشترى بعضها من أصحاب البيوت المتضررة، قبل أن يستعين بعدد من الصيادين والحرفيين ذوي الخبرة للمساعدة في بناء قارب جديد يعيده إلى البحر.
ويؤكد الصياد أنّ المهمة لم تكن سهلة، إذ استغرقت أسابيع من العمل المتواصل في ظل نقص حاد في المعدات والمواد الخام، ما اضطرهم إلى إعادة استخدام ألياف زجاجية قديمة ومواد مستهلكة كانت تُستخدم سابقاً في صناعة القوارب، لافتاً إلى أنّه برغم صعوبة الظروف وشح الإمكانات، واصلوا العمل بإصرار، على أمل استعادة مصدر رزق فقدوه تحت القصف وتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرهم.
وبعد أسابيع من الجهد، تمكّن مقداد من الانتهاء من قارب صغير لا يقارن بالقارب الذي فقده، لكنه يمنحه فرصة للعودة إلى البحر وتأمين جزء من احتياجات أسرته، إلا أنّ هذا القارب لا يسمح له بالإبحار لمسافات بعيدة، ما يحدّ من كمّية الأسماك التي يمكنه اصطيادها يومياً.
ويشدد مقداد على أنّ العودة إلى البحر تمثل له انتصاراً على ظروف الحرب القاسية، مبيّناً أنّه ما زال يحلم بامتلاك قارب أكبر كما كان سابقاً، داعياً إلى فتح المعابر وتوفير معدات وقوارب الصيد، بما يتيح للصيادين استعادة عملهم وتأمين مصدر رزقهم في ظل الظروف الصعبة.
من الترفيه إلى الصيد
أما الصياد عماد عياش، فلم يكن حاله مختلفاً عن عشرات الصيادين الذين فقدوا قواربهم أو تعرضت لأضرار جسيمة خلال العدوان الأخير، فبعد تضرر قاربه الذي كان مصدر رزقه الوحيد، وجد نفسه مضطراً إلى البحث عن بدائل تُمكّنه من العودة إلى البحر، ولو بإمكانات محدودة لا تلبي احتياجات العمل الحقيقي في الصيد.
في حديثه إلى الميادين نت، يؤكد عياش أنّه شارك مع عدد من الصيادين في إصلاح قاربه باستخدام مواد معاد تدويرها وأجزاء تم الحصول عليها بصعوبة في ظل النقص الحاد في مستلزمات الصيانة والإصلاح، مشيراً إلى أنّ عملية الترميم استغرقت وقتاً طويلاً بسبب غياب المواد اللازمة وارتفاع تكلفتها.
يقول: "أصلحنا القارب بما توفر لدينا من إمكانيات، لكن ما نستخدمه اليوم لا يمكن مقارنته بالقوارب التي كنا نعمل بها قبل الحرب، حيث معظم المراكب تعرضت للتدمير أو الأضرار الكبيرة، وأصبحنا مضطرين للبحث عن أي وسيلة تعيدنا إلى البحر".
ويشير إلى أنّ العديد من الصيادين باتوا يعتمدون على زوارق صغيرة كانت تُستخدم سابقاً لأغراض الترفيه أو تعليم السباحة، بعدما أصبحت القوارب المخصصة للصيد نادرة أو مدمرة.
ويستكمل عياش حديثه: "هذه الزوارق الصغيرة التي نعمل عليها غير كافية إطلاقاً لعمل الصيادين، فهي صُممت أساساً للسباحة والترفيه وللمبتدئين في تعلم السباحة، وليست مهيأة لتحمل ظروف البحر أو حمل معدات الصيد والشباك، ولكن مع النقص الكبير في المراكب اضطررنا إلى استخدامها في الصيد برغم محدودية إمكانياتها".
ويوضح أنّ العمل بهذه الزوارق يفرض تحديات ومخاطر إضافية على الصيادين، إذ لا تستطيع الإبحار لمسافات بعيدة أو مواجهة تغيّرات الطقس والأمواج القوية، كما أن قدرتها على حمل كميات من الأسماك تبقى محدودة للغاية.
ويتابع: "في السابق كنا نخرج بقوارب مجهزة ونقضي ساعات طويلة في البحر، أما اليوم فنبحر بزوارق صغيرة بالكاد تستطيع الوصول إلى مناطق الصيد القريبة من الشاطئ، ومع ذلك نتمسك بها لأنها أصبحت الوسيلة الوحيدة المتاحة لنا لكسب الرزق وتأمين احتياجات عائلاتنا".
ويؤكد عياش أن العودة إلى البحر، حتى بهذه الإمكانيات المتواضعة، تمثل محاولة للتشبّث بالحياة في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة التي يعيشها الصيادون في قطاع غزة، الذين يحاولون ترميم قواربهم كما يرممون ما تبقّى من حياتهم بعد الحرب.
حصار بحري واستهداف شامل
تحوّل قطاع الصيد في غزة إلى شاهد حيّ على حجم الدمار الذي أصاب أحد أهم القطاعات الإنتاجية، في ظل خسائر جسيمة طالت القوارب والبنية التحتية البحرية، وأدّت إلى تدهور مصادر رزق آلاف العائلات التي تعتمد على البحر كلياً في معيشتها.
في هذا السياق، يؤكد منسّق لجان الصيادين في غزة زكريا بكر أنّ ما تعرض له قطاع الصيد خلال الحرب تجاوز استهداف المراكب ليشمل المنظومة البحرية بأكملها، ما أدّى إلى انهيار أحد أهم القطاعات الإنتاجية في القطاع.
ويقول بكر في حديثه للميادين نت إنّ الاحتلال استهدف قطاع الصيد بكلّ مكوّناته، بما في ذلك المهن والخدمات المرتبطة به، ما ألحق خسائر فادحة بآلاف العائلات التي تعتمد على البحر كمصدر رئيسي للدخل، مشيراً إلى أنّ أكثر من 95% من ممتلكات الصيادين دُمرت، بما يشمل القوارب والمحرّكات والمخازن وأسواق الأسماك وغرف الصيادين، مع تقدير الخسائر المباشرة بنحو 90 مليون دولار.
ويوضح أنّ الصيّادين كانوا يعانون أصلاً قبل الحرب من القيود المفروضة على مساحات الصيد، والتي حدّت لسنوات من وصولهم إلى مناطق غنية بالأسماك، إلا أن الواقع الحالي بات أكثر قسوة، إذ لا يسمح لهم بالإبحار سوى لمسافة لا تتجاوز كيلومتراً واحداً من الشاطئ، وسط مخاطر دائمة تهدد حياتهم تشمل إطلاق النار والاعتقال ومصادرة القوارب.
ويشير بكر إلى أن نحو ألف صياد فقط ما زالوا يعملون حالياً، معظمهم باستخدام قوارب صغيرة بدائية أو مجاديف، بعد تدمير القوارب الكبيرة ونقص المحركات وقطع الغيار، ما أدى إلى انهيار حاد في الإنتاج السمكي الذي تراجع من 15 –20 طناً يومياً قبل الحرب إلى نحو 15 طناً شهرياً.
ويحذر بكر من أن استمرار هذه الأوضاع يهدد مستقبل مهنة الصيد في غزة، برغم محاولات الصيادين التمسك بما تبقى من أدوات عملهم وإعادة بناء قواربهم من بين الركام بحثاً عن مصدر رزقهم الوحيد.