صحافة أم اختراق أمني؟ تفكيك ظاهرة "رسائل السلام" الموجهة للبنانيين

تُسخَّر "دعوات السلام" والرسائل الإسرائيلية الموجّهة للجمهور اللبناني كأداة إعلامية لتأطير الحرب وتدريب الوعي العام على تقبّل واقع جديد، وتمرير الأجندات عبر منصات محلية تُجمّل صورة الاحتلال وتستهدف الجبهة الداخلية في لبنان.

  • ريان كما قدّمتها This Is Beirut “صحافية مستقلة”، وفي صورة أخرى بالزي العسكري الإسرائيلي.
المصادر: This Is Beirut، وحسابات سيلينا ريان العامة. تركيب بصري: المفكرة القانونية.
    ريان كما قدّمتها This Is Beirut "صحافية مستقلة"، وفي صورة أخرى بالزي العسكري الإسرائيلي. المصادر: This Is Beirut، وحسابات سيلينا ريان العامة. تركيب بصري: المفكرة القانونية.

يمكن للطائرة التي ترتكب المجزرة أن تحمل "رسالة سلام" أيضاً؛ إذ يمكنها فعل ذلك قبل الغارة أو بعدها. هذا ما توصلت إليه آلة الدعاية التي تعمل خلف خطوط المقتولين: إشعارٌ على شاشة الهاتف يصل بعد الغارة، يظهر فيه شخصٌ من الطرف الآخر يتحدث بهدوء عن الجيرة، والطعام، وفتح الحدود، ومستقبل الأطفال.

تبدو الصورتان متناقضتين: آلة الحرب من جهة، وخطاب المصالحة من جهة أخرى. لكنهما في حروب هذا الزمن تنتميان إلى منظومة واحدة؛ فقوى الاحتلال والجريمة تخوض معاركها على الأرض بكامل وحشيتها، وتخوضها أيضاً في ميدان تفسير ما يحدث على الأرض. فهل يمكن أن يُصنع السلام من داخل غرفة عمليات تقلب الحقيقة إلى خدعة وفتنة؟

ليس المقصود أن كل دعوة إلى السلام خدعة، أو أن كل من يتحدث عن المصالحة ينفذ مهمة دعائية، لكن الخطر في المشهد يكمن في قفز الدعوة إلى السلام فوق إبادة كاملة؛ وهي إبادةٌ أقدر على تفسير نوايا مرتكبيها من مقاطع الفيديو وكلام الناشطين، وحتى من اعتراضات المثقفين عليها.

ثم إن المزاج العام داخل "إسرائيل" اليوم واضحٌ في استطلاعات الرأي وخطابات القوى السياسية، حيث الاتجاه الكاسح يتجه نحو تأييد الحسم العسكري بدلاً من طلب السلام كما يروج هؤلاء الناشطون. إن طبيعة المنظومة التي تختار الرسالة هي نفسها التي تختار القذيفة وترسلها قبل رسالة السلام، وهي التي تحدد توقيت هذه وتلك؛ لأن الدعاية تحتاج إلى انتقاء ما يظهر وما يُخفى، ولا يعنيها أن تسود الحقيقة، بل ما يُفترض أن يكون "حقيقة" تخدم هدفها.

هذه هي المسألة التي تستحق الانتباه في التدفق المتزايد خلال الفترة الأخيرة لمواد إسرائيلية موجهة إلى اللبنانيين: إسرائيليون يخاطبونهم مباشرة، وناشطون يتحدثون عن السلام، ومقاطع تتخيل الحدود مفتوحة، ومحتوى يَعِد بازدهار اقتصادي، ورسائل تجد طريقها أحياناً إلى منصات لبنانية؛ بحيث لا تصل الرواية الإسرائيلية دائماً بوصفها خطاباً صادراً عن دولة تخوض حرباً شعواء على لبنان، إنما باعتبارها صوتاً إنسانياً آخر من داخل النقاش اللبناني العام.

حالة "سيلينا ريان"، التي نشرت عنها وسائل إعلام لبنانية موجهة، تصلح هنا مثالاً يكشف آليات هذه الظاهرة. فقد أظهر تحقيقٌ لـ "المفكرة القانونية" في أيلول/سبتمبر الحالي أن ريان، التي ظهرت على منصات لبنانية بوصفها صحافية مستقلة، لها سجل علني يتضمن التطوع مع الجيش الإسرائيلي، وتصفها مصادر إسرائيلية بأنها جندية، كما ترأس "جمعية الصداقة الإسرائيلية اللبنانية".

وخلال أشهر، ظهرت لها مواد مُنتجة في "إسرائيل" وموجهة إلى الجمهور اللبناني، تسأل في أحدها إسرائيليين قرب الحدود عمّا يريدون قوله للبنانيين. واختارت أن تظهر الإجابات الودية التي تختلف عن رسائل الجنود أنفسهم الذين يقهقهون على وقع تزنير قرى كاملة بشريط تفجير وجعلها رماداً منثوراً في الهواء. عبارات سلام، وزيارات، وطعام، وحياة طبيعية... هذا ما يتحدث عنه الجنود المختارون، ثم تشكر الناشطة المنصة اللبنانية لأنها أتاحت لها وللجنود "إيصال رسالتهم"، وصيغة الجمع هنا تعود عليها وعلى الجنود.

ماذا يخفي الهامش بين الرسالة والمنصة؟

يدخل الإسرائيلي الشاشة في هذه المواد من باب "المواطن" المسالم (مزارع، امرأة، شاب يريد زيارة بيروت) ليحتل عقل الجمهور الآخر الذي يُقتل في اللحظة عينها. تتحول الحدود هنا من مسألة تتعلق بالسيادة والأرض والبقاء في وجه مشروع التوسع المبني على نظرية تفوق ديني واختيار إلهي، إلى مجرد باب مؤسف يفصل جارين كان يمكن أن يتناولا العشاء معاً.

الصورة كاذبة بالضرورة؛ إنها منتقاة ومصنوعة بطريقة ذات معنى، وهو ما يُسمى في دراسات الاتصال بـ "التأطير" (Framing)؛ حيث لا تحتاج إلى اختراع الواقعة برمتها، بل يكفي أن تقرر أي جزء منها سيدخل الكادر وأي جزء سيبقى خارجه. تستطيع أن تصور أمّاً إسرائيلية خائفة — وهو أمر قد يكون حقيقياً — من دون أن تصور أمّاً لبنانية خائفة، وهي حقيقة مبررة بصورة أعمق. تستطيع أن تسأل إسرائيلياً لماذا يريد السلام، من دون أن تسأله ماذا يعرف عن المجازر التي تنفذها دولته في البلد الذي يوجه إليه رسالة السلام. وما يبقى خارج الكادر هنا ليس هامشياً على الإطلاق.

بعد العام الفاصل بين تفاهم وقف الأعمال العدائية الذي دخل حيز التنفيذ في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 والحرب الإسرائيلية على لبنان في بداية آذار/مارس 2026، قالت قوات حفظ السلام الدولية في جنوب لبنان "اليونيفيل" إن الجيش الإسرائيلي ظل موجوداً في خمسة مواقع داخل الأراضي اللبنانية، وإن منطقتين عازلتين ظلتا تعوقان عودة آلاف السكان وانتشار الجيش اللبناني.

وسجلت القوة الدولية خلال السنة نحو 7800 انتهاك جوي، وأكثر من 2500 عمل عسكري للجيش الإسرائيلي شمال الخط الأزرق، وأكثر من مئة هجوم جوي. كما وثق مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، وفق تقرير أممي نُشر خلال العام الحالي، ارتقاء ما لا يقل عن 134 مدنياً في لبنان في عمليات عسكرية إسرائيلية منذ بدء وقف الأعمال العدائية وحتى الفترة التي يغطيها التقرير، بينهم نساء وأطفال. وهذه الأرقام تتجاوز الاغتيالات التي نفذتها "إسرائيل" لمن تعتبرهم عناصر في المقاومة، وكل الشهداء الذين قتلتهم منذ آذار/مارس الفائت. فأي رسائل سلام تفيد؟ وخصوصاً عندما تأتي من إعلامٍ يلتحف الرداء اللبناني ليدعي تمثيل الرأي العام؟

توطين رسالة العدو

هذه ليست قراءة يمكن فصلها تماماً عن التحول الأوسع في مفهوم الدبلوماسية العامة الإسرائيلية؛ فـ"إسرائيل" نفسها رفعت بصورة كبيرة الموارد المخصصة لحملاتها الاتصالية خلال الحرب الدائرة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتحدث مسؤولون إسرائيليون في جلسات للكنيست عن بناء "سردية وطنية"، وعن العمل مع المجتمع المدني والمؤثرين والإعلانات الموجهة، وعن أن جانباً من نشاط الدبلوماسية العامة لا يجري بالضرورة تحت العلامة الرسمية للدولة. وهذه نقطة حاسمة في فهم دعاية القرن الحادي والعشرين.

الدعاية القديمة كانت تريد منك أن تعرف مَن يتحدث إليك: من العلم، إلى الشعار، فالمذيع الرسمي، والنشيد، والبيان. أما الاتصال الاستراتيجي الحديث، فكثيراً ما تزداد فاعليته كلما ازدادت المسافة بين الدولة والرسالة. وأفضل رسول هنا ليس المسؤول الرسمي، بل الناشط والمؤثر ومنظمات المجتمع المدني والصحافة بصورة أساسية، وخاصة عندما تكون صحافة بلدك.

إنها عملية "توطين" للرسالة الحربية للعدو؛ حيث يصل المضمون من الخارج، ثم تُنتج شرعيته في الداخل. وفي هذه الآلية، يصبح الوسيط اللبناني أهم من المتحدث الإسرائيلي نفسه؛ لأن الرسالة حين تأتي من حساب حكومي إسرائيلي يعرف المتلقي فوراً كيف يصنفها، أما حين تدخل عبر منصة لبنانية بلغتها البصرية ومتابعيها وسياقها المحلي، فإنها تفقد شيئاً من غرابتها السياسية وتكتسب شيئاً من الألفة.

صحافةٌ أم اختراق أمني؟

لا تقتصر المسألة على الصحافة؛ ففي تحقيق نشره مشروع "أريج" في آب/أغسطس الماضي حول شبكة رقمية تمحورت حول حساب "إجعل لبنان عظيماً مجدداً" (MLGA)، جُمع 1010 منشورات وحدد نحو ثلاثين حساباً شاركت بصورة متكررة في تضخيم المحتوى. وبلغ مجموع مرات ظهور مواد الشبكة في العينة نحو 49 مليوناً، فيما حققت عشرات الفيديوهات ملايين المشاهدات.

وقد مزج المحتوى بين الدعوة إلى السلام، ومواقف سياسية لبنانية، ونزع سلاح حزب الله، وصور لمستقبل مختلف للعلاقة مع "إسرائيل". والأكثر إثارة أن بعض المواد لم تكتفِ بوصف المستقبل، بل صنعته بصرياً في صورته الحرفية المتخيلة؛ حيث أظهرت الرئيس اللبناني جوزاف عون في فيديو مُولّد بالذكاء الاصطناعي يصافح بنيامين نتنياهو. وفي واقعة أخرى، طالت الفبركة رئاسة الحكومة اللبنانية ورئيسها نواف سلام.

لا يثبت التحقيق هوية الجهة التي أدارت الشبكة أو موّلتها، وهذه ليست ملاحظة احترازية صغيرة، بل الحد الفاصل بين تفكيك الدعاية وممارستها؛ لأن الوقائع تؤكد أنه ليس كل خطاب يخدم "إسرائيل" يصدر عنها، كما أن التشابه بين الرسائل لا يثبت بالضرورة وجود غرفة واحدة تديرها. لكن الظاهرة تكشف تحولاً أعمق يقول إن الدعاية لم تعد تحاول فقط إقناع الإنسان بحقيقة ما، بقدر ما تقوم بتدريب مخيلته على واقع لم يحدث بعد وتريد هي أن يحدث. فحين يرى اللبناني مراراً حدوداً مفتوحة، وإسرائيليين يتجولون في بيروت، ورئيسه يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي، تصبح الصورة التي يرفضها مألوفة قبل أن تصبح حقيقية.

قد لا يعني ذلك بالضرورة أنه سيقتنع بها، لكن المسافة النفسية بينها وبين الممكن تتضاءل بفعل الدعاية، أو هكذا يأملون على الأقل. وبذلك يتحول مشهد الإبادة إلى مُحفّز على الانتقال إلى خيار آخر، أكثر وعداً وأقل كلفة، مع خطر فادح يكمن في أن هذا يتجاوز سؤال المقتول عن مسؤولية القاتل. إنه يقتل شعبك بالفعل وبالدليل وأمام العالم، لكن رسالة هذه الدعاية هي أن غضبك يجب أن يتوجه إلى من يتسبب بالإبادة من قلب مجتمعك! لأنه يفعل ماذا؟ يدافع عن أرضك وبلدك وشعبك! وهذا قلبٌ كامل للحقيقة، ومؤامرة متكاملة الأضلاع مُولّدة بالخبث الخام.

هكذا يُطلب منك أن تسامح المهاجم القاتل، وأن تتهم المدافع المقتول لأنه بدفاعه يعرضك للخطر! وهذا بالضبط ما يجعل خطاب السلام أداة شديدة القوة في الاتصال السياسي؛ لأن "الحرب" كلمة تثير الدفاع وهي كلمة سلبية نفسياً، بينما "السلام" بالمطلق حالة إيجابية يميل إليها الإنسان ولا خلاف أخلاقياً على جماليتها، فمن يستطيع الاعتراض عليه؟

تحت هذه المظلة يتم تمرير افتراضات سياسية شديدة الخلاف: من المسؤول عن استمرار النزاع؟ ما الذي يمنع السلام؟ أي شروط ينبغي أن تسبقه؟ مَن يجب أن يتغير أولاً؟ وأي ذاكرة ينبغي أن يتخلى عنها كي يصبح "عقلانياً"؟

وهذه الدعاية تحديداً تضخها في جسد الجمهور اللبناني قنواتٌ ممولة من رجال أعمال لبنانيين يجاهرون بتطبيعهم مع "إسرائيل"، ويشاركون في حملات تمويل لمنظمات اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأميركية، ولا يتورّعون عن طلب التعامل اللبناني مع سلاح المقاومة عسكرياً، مستخفّين بالسؤال الكبير حول احتمال أن يؤدي ذلك إلى تصدّع أمني داخلي أو اقتتال كامل يعيد الحرب الأهلية. السلام مع "إسرائيل" يتقدم عندهم على السلام اللبناني.

في منطقهم الذي يلبس هوية المكان والشعار والنداء: "هنا بيروت"، أو "هنا لبنان"، وهذه هي "بيروت الحقيقية"... نداءاتٌ تختزن صوتاً غير محلي يريد أن يفجر المجتمع من الداخل من أجل السلام مع الخارج. إن المجتمع الذي يقوم على تعددية دقيقة وحساسة وهشة يحميها اللبنانيون برموش العين وبتجاوز الألغام يومياً، يستحق في نظرهم أن ينفجر من الداخل لأجل استقرار العلاقة مع كيان إبادة لم يعرف التاريخ الحديث شبيهاً له!

فهل هي صحافة أم اختراقٌ أمني؟

اخترنا لك