رئة سوريا الزراعية في خطر.. حقول مهملة في الساحل معروضة للبيع
يتعرض قطاع الزراعة في الساحل السوري للانهيار نتيجة التوترات الأمنية والحرائق والكوارث المناخية، ما أجبر آلاف المزارعين على هجر أراضيهم وبيعها، مهدداً الأمن الغذائي ومصدر الرزق الأساسي في المنطقة.
-
رئة سوريا الزراعية في خطر.. حقول مهملة معروضة للبيع
في منطقة "الحفة" بريف اللاذقية يقف "أبو محمد" -اسم مستعار- حائراً داخل أرض الزيتون التي ورثها عن أبيه وأجداده، بعد أن تحوّلت من منطقة زراعية تنبض بالحياة والجمال، إلى لوحة حزينة وصامتة غير قادرة على العطاء، فبعض الأشجار أصابتها الحشرات، والبعض الآخر باتت بدون روح ولن تحمل هذا العام زيتوناً.
"أبو محمد" لم يتمكن هذا العام من العمل في أرضه كما جرت العادة، فالمشهد الأمني الذي يعيشه الساحل السوري منذ أشهر دفع المزارعين للابتعاد عن أراضيهم، بدون أن يتمكنوا من رعايتها أو حتى سقايتها، إلا أن الرجل الستيني أصرّ على زيارة الأرض بشكل متقطع للاطمئنان على أشجار الزيتون، لكن ذلك لم يكن كافياً لإنعاش الأرض من سباتها.
يقول "أبو محمد": "في الخامسة عشر من عمري دخلت الأرض للمرة الأولى، ومنذ ذلك الحين لم أنقطع يوماً واحداً عن العمل، ومتابعة كل احتياجات محصول الزيتون بجميع مراحله، حتى باتت هذه الأرض مثل الهواء الذي أتنفسه"، ويتابع بنبرة حزينة: "منذ عام تغيّر الوضع بالكامل، وأصبح الذهاب إلى الأرض ضرباً من الجنون".
ويتابع "أبو محمد": "في آذار/مارس الماضي كانت العمليات العسكرية التي نفذتها القوات الحكومية قريبة من الأرض، ثم جاءت حملات الاعتقالات العشوائية لتجبر المزارعين على التزام منازلهم. بعد ذلك جاءت الحرائق المفتعلة لتأكل أرزاق الفلاحين أمام أعينهم"، ويكمل: "مؤخراً بدأ الحديث عن انتشار الفلول في الجبال والأراضي الزراعية، وترافق ذلك مع حملات أمنية مكثفة طالت الأراضي الزراعية والجبال، فما كان من أصحاب الأرض إلا أن ابتعدوا عن مصدر الخطر".
حال "أبو محمد" لا يختلف كثيراً عن الواقع الذي يعيشه المزارعون في الساحل السوري، بعد أن أجبرتهم الظروف الأمنية والطبيعية على ترك أراضيهم، فتحولت الحقول الخصبة الممتدة من ريف اللاذقية الشمالي حتى ريف طرطوس الجنوبي إلى أراضٍ مهملة، مع لوحات إعلانية موضوعة بالقرب من بعضها كُتِبَ عليها: "أرض للبيع".
الابتعاد عن الأرض
خلال الفترة الماضية، تعرّض الساحل السوري لمنخفضات جوية متلاحقة، حيث شهدت منطقة "سهل عكار" في ريف طرطوس هطل مطري غزير، تسبب بوقوع كارثة زراعية غير مسبوقة منذ سنوات، تمثلت في غمر المياه لمساحات واسعة من الأراضي الزراعية والبيوت البلاستيكية، ما ألحق خسائر بالمزارعين تقدّر بملايين الليرات السورية.
ووجّه المزارعون مناشدات عاجلة للجهات المعنية للتدخل الفوري، وتقديم تعويضات مالية من أجل تغطية جزء من الأضرار التي تعرّضوا لها وضمان استمرارية الإنتاج الزراعي.
هذه الكارثة لم تكن الوحيدة التي تصيب قطاع الزراعة في الساحل السوري، فالمنطقة تشهد منذ عام توترات أمنية متلاحقة أجبرت عدداً كبيراً من الفلاحين على الابتعاد عن الزراعة، فيما لا تزال تبعات الحرائق الواسعة التي ضربت المنطقة قبل أشهر حاضرة إلى اليوم، ما يُنذر بخطر كبير قد يطال القطاع الحيوي الأبرز في سوريا، والذي يُعد ركيزة أساسية للأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية.
أمام عربة صغيرة في قرية "الدالية" على أطراف مدينة "جبلة" في ريف اللاذقية يقف "أبو حسن" -اسم مستعار- مُنادياً على بعض أنواع الخضار والفواكه، بعد أن اضُطر لترك أرضه الكبيرة بمحيط القرية خوفاً من استهدافه أو اعتقاله.
"أرضي قدام عيوني ومو قادر فوت عليها"؛ بهذه الكلمات بدأ "أبو حسن" حديثه للميادين نت، معبّراً عن حالة العجز التي يعيشها منذ أشهر بعيداً عن أرضه، التي أمضى فيها أكثر من 40 عاماً، لكن الواقع الأمني المتوتر اليوم أجبره على الابتعاد عنها.
يقول "أبو حسن": "كان الخيار الوحيد المتبقي أمامي هو الابتعاد عن الأرض والتزام المنزل، لكن هذا الأمر لم يستمر طويلاً، فالظروف المعيشية الصعبة دفعتني للعمل على عربة صغيرة لبيع الخضار والفواكه، في سبيل تحصيل مردود مالي بسيط يؤمن لي ولزوجتي احتياجاتنا الأساسية لا أكثر".
الطبيعة والحرب يقتلان أراضي الساحل
في شهري آذار/مارس وتموز/يوليو عام 2025، اجتاحت حرائق ضخمة جبال الساحل السوري، التهمت آلاف الهكتارات من الأراضي الحراجية والزراعية، ودمّرت محاصيل الزيتون والحمضيات والتبغ، وتسببت بنزوح مئات العائلات من منازلها.
تقديرات الأمم المتحدة قالت إن النيران أحرقت أكثر من 100 كيلومتر مربع من الأراضي الحراجية والزراعية في ريف اللاذقية وحوّلتها إلى رماد، بمساحة تشكّل نحو 3% من إجمالي الغطاء الحراجي في سوريا، إضافة إلى نفوق قطعان من الماشية واحتراق مساحات واسعة من أراضي الزيتون والحمضيات.
الأمر لم يتوقف هنا؛ فمناطق الساحل شهدت خلال الأشهر اللاحقة توترات أمنية واسعة، كان آخرها خروج تظاهرات حاشدة تُطالب بوضع حدٍ للانتهاكات المستمرة بحق أبناء الطائفة العلوية، ليبدأ حينها الحديث الرسمي في الإعلام الحكومي عن تغلغل ما أسماهم بـ "فلول نظام الأسد" في التظاهرات.
الدعاية الحكومية شكّلت ذريعة لانتشار القوات الأمنية في المناطق الجبلية والأحراش والأراضي الزراعية بحثاً عن "الفلول"، ما أجبر الكثير من المزارعين على التزام منازلهم، خوفاً من أن يتعرضوا للاعتقال أو ربما التصفية الميدانية.
"كل شي بيملكه تبخّر خلال هالسنة"؛ لم تكن تلك مجرد جملة عابرة أطلقها المزارع "أبو أيمن" -اسم مستعار- من ريف طرطوس، بل تعبيراً صادقاً عن الوضع الذي يواجهه اليوم بعد الأضرار التي لحقت بأرضه الزراعية.
مزارعو الحمضيات في الساحل السوري تعرّضوا خلال السنوات الماضية إلى خسائر مالية كبيرة نتيجة عجزهم عن تصريف محاصيلهم الزراعية وغياب الدعم الحكومي لهم، فقرر الكثير منهم التخلّي عن زراعة الحمضيات والتوجه نحو زراعة الفواكه الاستوائية، وكان "أبو أيمن" واحداً من هؤلاء المزارعين.
يقول "أبو أيمن" للميادين نت: "بداية العام الماضي اجتاحت حرائق ضخمة أراضي الساحل السوري، ثم جاءت الحملات الأمنية في شهر آذار/مارس لتُبعد المزارعين عن أراضيهم، ثم جاءت موجات الصقيع الأخيرة لتدق المسمار الأخير في نعش الأراضي الزراعية".
وتابع: "جميع الأزمات التي واجهها فلاحو الساحل السوري لم يقابلها أيّ دعم حكومي، بل على العكس ازداد التضييق الأمني والاجتماعي على الأهالي، وبقيت الوعود الحكومية مجرد حبر على ورق، لذلك لم أجد أمامي حلاً إلا بيع الأرض والتوجه إلى مهنة أخرى".
إن ما يمرّ به قطاع الزراعة في الساحل السوري بحاجة إلى تحرك سريع وفاعل من الحكومة الانتقالية عبر تقديم يد العون للمزارعين لإعادة الحياة إلى أراضيهم، مع وضع خطط واقعية لإنعاش القطاع الزراعي في الساحل لما يمثله من أهمية بيئية واقتصادية واجتماعية.