خيام لا تقي البرد: شتاء قاتل يلاحق نازحي غزة

يواجه النازحون في قطاع غزة شتاءً قاسياً داخل خيام مهترئة، حيث أدى البرد القارس وانهيار الخدمات إلى وفاة أطفال رُضّع وتصاعد خطر الموت الصامت بين الفئات الأكثر هشاشة.

0:00
  • خيام لا تقي البرد: شتاء قاتل يلاحق نازحي غزة
    خيام لا تقي البرد: شتاء قاتل يلاحق نازحي غزة

يعيش النازحون في قطاع غزة شتاءً قاسياً داخل خيام مهترئة لا تقي برداً ولا تحمي من صقيع، بلا وسائل تدفئة أو أي مقومات للنجاة، إذ أنّ موجات البرد التي تضرب القطاع بين الحين والآخر لا تمرّ بسلام، بل تحصد أرواح أطفالٍ عجزت أجسادهم الهزيلة عن مقاومة القسوة، فارتقوا بصمت، فيما ظلّت صرخات آخرين تتردد في خيام غارقة بالماء والوحل، شاهدة على مأساة بلا منقذ.

وتتعمق هذه الكارثة الإنسانية في ظل انهيار شبه كامل للمنظومتين الصحية والخدمية في القطاع المحاصر، حيث تحوّلت الخيام إلى بؤر مرض وموت، ليصبح البرد أداة قتل بطيئة تطال الأضعف أولاً: الأطفال، والمرضى، وكبار السن.

برد قاتل

في خيمةٍ مبتلة تتسلل إليها قطرات المطر من كل جانب، وتخترقها الرياح عبر ثقوبها المهترئة، خسر الرضيع يوسف كلوب معركته الصغيرة مع الحياة. جسده الهش، الذي لم يتجاوز عمره 34 يوماً، لم يحتمل موجة البرد القارس التي تضرب غزة، ليفارق الحياة نتيجة انخفاضٍ حاد في درجة حرارة جسمه، في مشهد يلخّص قسوة الواقع الذي يعيشه آلاف النازحين داخل خيام لا تصلح للحياة.

يقول والده، أحمد كلوب، في حديث إلى الميادين نت: "استيقظت فجراً لأتفقد ابني يوسف، فوجدته فارق الحياة"، موضحاً أنّ الطواقم الطبية أبلغته بأن سبب الوفاة هو التعرض الشديد للبرد، نتيجة النوم داخل خيمة لا تقي الصقيع.

ويستعيد كلوب الساعات الأخيرة في حياة طفله، قائلاً إنّه وزوجته تفقدا يوسف قرابة الساعة الثانية والنصف فجراً، حيث كان يبكي ويرتجف من شدة البرد.

ويتابع: "أرضعته أمه ونام مجدداً، لكن القلق لم يفارقني. الجو داخل الخيمة كان شديد البرودة، وكنت خائفاً عليه وعلى أطفالي الثلاثة الآخرين"، مبيّناً أنّه "بعد نحو ساعتين نهضت زوجتي لتتفقده، فوجدته بلا حراك، وحاولت إيقاظه، لكنه لم يتحرك، ثم حملته مسرعاً إلى المستشفى، وهناك أبلغونا بأنه توفي نتيجة البرد".

وعن محاولات التدفئة، يؤكد والد الرضيع أنّ الخيار الوحيد المتاح هو إشعال النار داخل الخيمة، وهو ما يشكّل خطراً دائماً من الحرائق أو الاختناق، لافتاً إلى أنّ "حتى الحطب بات صعب المنال، فسعر الكيلوغرام يصل إلى خمسة شواقل، في ظل انعدام الدخل، وغياب العمل، وشح السيولة".

ليالي العاصفة تحصد الأرواح

وتتجرّع عائلة الفلسطيني عدنان الأقرع الكأس ذاتها من المعاناة، بعد أن فقدت طفلها الرضيع محمود، الذي لم يتجاوز عمره أسبوعاً واحداً، نتيجة البرد الشديد الذي رافق منخفضاً جوياً قاسياً تخللته أمطار ورياح عاصفة ضربت القطاع. وفي ثلاجة الموتى بمستشفى شهداء الأقصى، ألقى الأقرع نظرة الوداع الأخيرة على طفله، والدموع تملأ عينيه حزناً على فقدانه.

ويوضح الأقرع للميادين نت، أنّ جسد رضيعه كان متيبساً، يميل لونه إلى الأصفر الشاحب، مع بقع زرقاء على ذراعيه وظهره، وهي علامات صدمة برد حادة، مبيناً أنّ "الليالي العاصفة، المصحوبة برياح قوية وزوابع اقتلعت خياماً وكسرت أعمدة كهرباء، تسببت بارتجاف شديد في جسد طفله، ما دفعه لطلب الإسعاف على الفور".

ومع تعذر وصول طواقم الإسعاف، اضطر الأقرع إلى لفّ طفله ببطانية والتوجه به إلى أقرب مستشفى ميداني في مخيم دير البلح وسط القطاع، حيث أفاد الأطباء بأنّ درجة حرارة جسده كانت أقل من 30 درجة مئوية عند وصوله. وبرغم محاولات التدفئة والإسعافات الأولية، ونقله لاحقاً إلى المستشفى، فقد الطفل حياته بعد ساعات متأثراً بالبرد.

ويقول الأقرع بألم: "انتظرناه تسعة أشهر، أليس من المحرّم أن يموت طفل بسبب البرد؟ لقد كان جسده يرتجف بشدة، لافتاً إلى أنّ آلاف العائلات في غزة تواجه المصير ذاته، في ظل العيش داخل خيام مبتلة لا توفر أي حماية من البرد القارس.

الخيام المبتلة تهدد حياة العائلات

في مخيمات النزوح، لا يقتصر الخطر على الأطفال المرضى أو الرضع، بل يشمل العائلات بأكملها التي تواجه الخيام المبتلة والمهترئة يومياً.

وتشكو النازحة آمال خليل، المقيمة مع أسرتها غرب غزة بعد نزوحها القسري، من شدة البرد الذي يضرب أطفالها ليل نهار، قائلة: "أخشى على حياتهم مع كل ليلة باردة، حيث نقص الملابس الشتوية والبطانيات يجعلهم عرضة للمرض، والخيام تتسرب منها المياه، والملابس لم تجف منذ آخر موجة مطر."

وتضيف خليل في حديثها إلى الميادين نت: "الخيمة لم تعد صالحة للحياة بعد أن تآكل قماشها بفعل الرياح والأمطار، وأطفالي يقضون لياليهم وهم يرتجفون من شدة البرد، في ظل نقص حاد في الأغطية والملابس الشتوية، حيث تكاد بطانياتي تكفي طفلاً واحداً فقط، بينما ينام البقية على أرض رطبة بلا تدفئة أو حماية".

وتختم آمال حديثها بمرارة: "الخوف الأكبر ليس من المرض فقط، بل من الموت الصامت الذي قد يداهم أطفالنا في أي ليلة باردة، فالأمطار والبرد باتا كابوساً يومياً لا يقل رعباً عن أصوات القصف التي اعتدناها في غزة".

 وفاة 11 طفلاً جراء البرد

وقبل أيام، أعلنت وزارة الصحة في غزة وفاة الرضيع هيثم أبو قص، البالغ من العمر 12 يوماً، في مستشفى الرنتيسي من جراء البرد الشديد، ليصل عدد وفيات الأطفال بسبب البرد منذ بداية الشتاء إلى 11 حالة.

كما حذّر المدير العام لوزارة الصحة، منير البرش، من تفاقم الأوضاع الإنسانية بشكل خطير مع تزايد أعداد الوفيات الناجمة عن البرد القارس، مشيراً إلى أنّ عدد الأطفال الذين قضوا بسبب البرد يزداد في ظل عجز المنظومة الصحية عن توفير الحماية والرعاية للفئات الأكثر هشاشة.

متلازمة الخيمة المبتلة تهدد حياة النازحين

من جهته، يحذّر أستاذ علم الأحياء الدقيقة وعميد كلية العلوم الصحية في الجامعة الإسلامية بغزة، عبد الرؤوف المناعمة، من تفاقم ما يُعرف بـ "متلازمة الخيمة المبتلة" في القطاع، واصفاً إياها بأنها إحدى أخطر التداعيات الصحية للنزوح القسري والحرب المستمرة، خاصة مع حلول فصل الشتاء.

ويوضح المناعمة للميادين نت، أنّ مئات الآلاف من النازحين يعيشون في خيام بدائية لا توفر الحد الأدنى من الحماية من المطر أو البرد، ما يخلق بيئة قاسية تتكامل فيها الرطوبة، وانعدام التهوية، والتكدس البشري، إضافة إلى وانهيار الخدمات الصحية، لتنتج حالة صحية خطيرة.

ويشير أستاذ علم الأحياء الدقيقة إلى أنّ المتلازمة تسبب مشكلات تنفسية وجلدية شائعة، وضعف المناعة، ما يزيد من انتشار الأمراض ويطيل فترة التعافي، إضافة إلى آثار نفسية واجتماعية يومية تشمل القلق والاكتئاب وقلة النوم وانعدام الخصوصية، خصوصاً لدى الأمهات.

ويلفت إلى أنّ استمرار الوضع الحالي يشكل عبئاً إضافياً على المنظومة الصحية المنهكة، ويهدد بتفشي أوسع للأمراض، مع التأكيد على أنّ الفئات الأكثر تضرراً هم الأطفال الصغار، وكبار السن، والحوامل، ومرضى الأمراض المزمنة، وذوو الإعاقة.

ويدعو المناعمة إلى تدخلات عاجلة تشمل رفع وعزل أرضيات الخيام، وتحسين تصريف المياه، إلى جانب توفير ملابس وأغطية شتوية ووسائل تدفئة آمنة، وإنشاء نقاط طبية متنقلة، مع استبدال الخيام الهشة بمساكن مقاومة وتحسين التهوية وتقليل التكدس على المدى المتوسط.

وبحسب منظمات حقوقية وأهلية، يحتاج قطاع غزة إلى إدخال 200 ألف خيمة و60 ألف كرفان في المرحلة الأولى، لتكون خطوة أساسية في حماية السكان وتخفيف معاناتهم، وتوفير مأوى عاجل وآمن للأسر المتضررة، وسط الظروف الإنسانية الصعبة، تمهيداً لإيجاد حلول أكثر استدامة للإيواء والحياة الكريمة.

ويكشف واقع النازحين في غزة عن مأساة مضاعفة، حيث تعاني الخيام من عدم صلاحيتها للسكن، وتنهار الخدمات، ويهدد البرد القارس الفئات الأضعف، في حين تتفاقم الأمراض. كما يعكس هذا الوضع إخفاقاً إنسانياً كبيراً ويستدعي تدخلات عاجلة ومستدامة لحماية الحياة والكرامة ومنع المزيد من الوفيات.

اخترنا لك