حفّار واحد لانتشال آلاف الجثامين.. الدفاع المدني في غزة يواجه مهمة شاقة

حفّار واحد وإمكانات محدودة يواجه بهما الدفاع المدني في غزة مهمة انتشال آلاف الجثامين المدفونة تحت الركام، وسط انتظار آلاف العائلات لدفن أحبائها بكرامة.

  • حفّار واحد لانتشال آلاف الجثامين.. الدفاع المدني في غزة يواجه مهمة شاقة
    حفّار واحد لانتشال آلاف الجثامين.. الدفاع المدني في غزة يواجه مهمة شاقة

يخوض رجال الدفاع المدني في قطاع غزة معركة إنسانية يومية لانتشال جثامين الشهداء من تحت ركام المنازل والمباني التي دمرها الاحتلال الإسرائيلي، في ظل نقص حاد في المعدات والآليات الثقيلة والوقود، واستمرار الغارات التي تجعل كل مهمة انتشال مغامرة محفوفة بالمخاطر.

ومع كل بلاغ عن وجود جثمان أو رفات تحت الأنقاض، تبدأ رحلة شاقة قد تمتد لساعات طويلة، يعتمد خلالها أفراد الدفاع المدني على الحفر اليدوي باستخدام المعاول والفؤوس وأدوات بدائية، بعدما خرجت غالبية الآليات الثقيلة عن الخدمة بفعل الاستهداف المباشر أو تعطّلها نتيجة انعدام قطع الغيار والوقود.

حفّار وحيد

ولا يتوفر حالياً سوى حفار واحد فقط للمشاركة في البحث عن نحو 8500 جثمان ورفات ما تزال مدفونة تحت أنقاض المنازل التي دمرها الاحتلال خلال حرب الإبادة على قطاع غزة. 

وبرغم استئناف الدفاع المدني، بدعم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، عمليات الانتشال، فإن الإمكانات المتاحة تبقى محدودة للغاية ولا تتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية، ما يطيل انتظار آلاف العائلات التي لا تزال تأمل في استعادة جثامين أحبائها ودفنهم بما يليق بكرامتهم.

معتز.. آخر الغائبين

ومن بين تلك العائلات، يقف الفلسطيني يوسف الزهارنة فوق أنقاض منزله المدمر، متشبثاً بأمل واحد؛ أن يعثر على جثمان ابنه الرابع، معتز، ليواريه الثرى إلى جوار أشقائه، بعد أشهر طويلة من بقائه تحت الركام.

ويؤكد الزهارنة في حديثه إلى الميادين نت، أنّ الاحتلال استهدف منزلهم بينما كانت العائلة داخله، ما أدى إلى استشهاد أربعة من أبنائه، إضافة إلى اثنين من أصدقائه.

وتمكنت طواقم الإنقاذ والأهالي من انتشال خمسة من الجثامين، فيما بقي معتز أسيراً تحت الأنقاض، بسبب استمرار القصف وانعدام الإمكانات اللازمة لإزالة الركام.

ويستعيد الزهارنة تلك الساعات العصيبة قائلاً: "حاولنا انتشالهم فور قصف المنزل، لكن طائرات الاحتلال واصلت التحليق والقصف، ما منع وصول طواقم الإنقاذ"، مشيراً إلى أنّه عندما عاد في صباح اليوم التالي كان القصف لا يزال مستمراً، فيما كانت إمكانات الدفاع المدني شبه معدومة، فلم يكن أمامهم سوى الحفر بأيديهم وبأدوات بدائية للوصول إلى أبنائهم تحت الركام.

ويبين أنّ العائلة أمضت أسبوعاً كاملاً في محاولة انتشال الشهداء، حتى تمكنت من إخراج ثلاثة من أبنائه ودفنهم، بينما بقي معتز تحت الأنقاض، ينتظر أن تصل إليه طواقم قادرة على انتشاله.

ولا يخفي الزهارنة حجم الألم الذي يلازمه منذ استشهاد أبنائه، مؤكداً أنّ "الشعور صعب جداً، ولا تصفه الكلمات"، متسائلاً بحرقة: "ماذا يعني أن تبقى قطعة من روحك ومن قلبك تحت الركام، وأنت عاجز عن الوصول إليها؟".

ويتابع: "ارتحت قليلاً عندما دفنت أبنائي، لكن الغصة بقيت في قلبي لأن معتز ما زال هناك"، مؤكداً أن من حقه أن يكون له قبر، وأن يُدفن بما يليق بكرامة الإنسان، مضيفاً: "هذا أقل حق يمكن أن يحصل عليه، لكن حتى هذا الحق حُرمنا منه".

طفل ينتظر رفات عائلته 

في مشهدٍ مشابه، يقف الطفل محمد رياض غبون (12 عاماً) فوق ركام منزل عائلته المدمر في حي الصبرة بمدينة غزة، مترقباً لحظة انتشال رفات ثمانية من أفراد أسرته الذين بقوا تحت الأنقاض ثمانية أشهر، على أمل أن تتمكن طواقم الدفاع المدني من مواراتهم الثرى، وإنهاء رحلة انتظار أثقلتها الحرب وغياب الإمكانات.

ومنذ الساعات الأولى لقصف المنزل، لم تفارق صورة أفراد أسرته ذاكرته، بينما حالت كثافة الركام، واستمرار القصف، ونقص الآليات والمعدات بدون انتشالهم طوال الأشهر الماضية، ليبقى المنزل المدمر شاهداً على فاجعة لم تنتهِ بالنسبة إليه.

وبينما تواصل طواقم الدفاع المدني أعمال البحث وسط نقص حاد في المعدات والآليات، لا يغادر محمد المكان، يتابع بصمت حركة الحفار القليل الإمكانات، ويراقب رفع الركام حجراً تلو الآخر، بعينين يختلط فيهما الأمل بالحزن، منتظراً أن تنتهي أشهر طويلة من الترقب باستعادة جثامين أحبائه ودفنهم.

ويقول غبون، وهو أحد الناجين من القصف بعد أن انتُشل مصاباً من تحت أنقاض المنزل: "ينتابني شعور مختلط باللهفة والحزن مع بدء عملية انتشال جثامين أهلي المفقودين منذ ثمانية أشهر".

ويضيف للميادين نت: "منذ ذلك الحين وأنا أعيش في حالة ترقب وحسرة، وآمل أن أتمكن من رؤية جثامينهم ودفنهم في قبورهم".

ويؤكد الطفل أنّ الأشهر الثمانية الماضية كانت من أصعب ما مرّ عليه، إذ عاش كل يوم على أمل أن تبدأ عمليات إزالة الركام، وأن يتمكن من توديع أفراد أسرته للمرة الأخيرة، بعدما حُرموا طوال تلك المدة من أبسط حقوقهم الإنسانية، وهو أن يُوارَوا الثرى في قبورٍ معلومة، بدل أن يبقوا تحت أنقاض منزلهم المدمر.

استئناف مهمة انتشال الجثامين

وقبل أيام، أعلن المشرف التنفيذي لعمليات انتشال جثامين الشهداء العقيد محمد أبو دان، أن طواقم الدفاع المدني انتشلت جثامين ورفات 47 شهيداً من تحت أنقاض منزل لعائلة الحساينة في حي الصبرة جنوب مدينة غزة، فيما تواصل البحث عن 36 جثماناً آخر لا يزالون مفقودين تحت الركام.

وأوضح أبو دان في تصريح صحفي، أنّ عمليات البحث تجري وسط صعوبات كبيرة بسبب محدودية الإمكانات، مشيراً إلى أن الطواقم ستوسع أعمالها لتشمل منازل مجاورة، بعدما رجّحت قوة القصف انزياح بعض الجثامين إلى أسفل أنقاضها.

وأعلن الدفاع المدني، يوم الأحد 19 تموز/يوليو الماضي، انطلاق المرحلة الثانية من عمليات انتشال جثامين الشهداء، بعد أشهر من التأجيل بسبب تعطل آلية الحفر الوحيدة المخصصة لإزالة الركام وعدم توفر المعدات البديلة، ما حال دون استئناف العمل في الموعد المقرر.

وعادت آلية الحفر إلى العمل بين أكوام الركام في حي الصبرة جنوب مدينة غزة، حيث تتركز الجهود في المرحلة الحالية على البحث عن نحو 300 جثمان يعتقد أنها ما زالت تحت أنقاض خمسة منازل، فيما تواجه طواقم الإنقاذ تحدياً مضاعفاً يتمثّل في محدودية الإمكانات مقابل اتساع رقعة الدمار وعدد المفقودين.

8000 جثمان تنتظر الوصول إليها

بدوره، يؤكد المتحدث باسم الدفاع المدني في قطاع غزة، محمود بصل، أنّ طواقم الإنقاذ تعمل بإمكانات محدودة للغاية، في ظل نقص حاد في الآليات الثقيلة والمعدات الفنية، ما يفرض تنفيذ كثير من المهام يدوياً ويبطئ الوصول إلى الجثامين المدفونة تحت طبقات الركام.

ويقول بصل في حديثه للميادين نت إنّ المرحلة الثانية تستهدف منطقتي أبو شريعة والحسابنة في حي الصبرة، وتتطلب نحو 800 ساعة عمل في محافظات غزة وشمال غزة ودير البلح، وتشمل 147 منزلاً مدمراً يُعتقد أن تحت أنقاضها جثامين أكثر من 1072 شهيداً، مشيراً إلى أنّ المرحلة الأولى أسفرت، بعد أكثر من 500 ساعة عمل، عن انتشال 333 جثماناً من أصل 559 كان يُعتقد أنها تحت الأنقاض.

ويوضح أنّ الأولوية حالياً تتركز على خمسة منازل في حي الصبرة، بعد ورود بلاغات وشهادات تؤكد وجود أعداد كبيرة من الضحايا تحتها، مستعرضاً إحدى أكبر المجازر في المنطقة، والتي راح ضحيتها 308 فلسطينيين، فيما لا تزال 163 جثة تحت الأنقاض، من بينها رفات 44 طفلاً و37 امرأة و23 مسناً.

ويحذر بصل من أنّ استمرار العمل بحفار واحد فقط وإمكانات محدودة يعني أن انتشال نحو 8000 جثمان لا تزال تحت أنقاض المباني المدمرة في قطاع غزة قد يستغرق قرابة 3 أعوام، مجدداً دعوته للمؤسسات الدولية إلى توفير الآليات الثقيلة وقطع الغيار والوقود، لتسريع عمليات البحث وإنهاء معاناة آلاف العائلات التي تنتظر استعادة جثامين ذويها ودفنهم بكرامة.

مهمة إنسانية وسط ركام هائل

من جانبها، أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر استمرار دعمها المادي واللوجستي لتمكين فرق الدفاع المدني من تنفيذ عمليات انتشال جثامين الشهداء من تحت الأنقاض في قطاع غزة.

وأوضحت اللجنة في بيان صحفي، أنّ هذه العمليات تمثل واحدة من أكثر المهام الإنسانية تعقيداً، بعد أن عاشت آلاف العائلات أشهراً طويلة من الألم والانتظار بحثًا عن ذويها، مشددة على ضرورة التعامل مع الجثامين باحترام وصون كرامتها وفق القانون الدولي الإنساني، في ظل حجم الدمار الهائل الذي يجعل عمليات الانتشال بحاجة إلى وقت ومعدات وجهود مشتركة.

اخترنا لك