النقل أو الاستقالة.. عاملون في التلفزيون السوري يتعرضون للتهميش والإقصاء
عاملون في التلفزيون السوري يتحدثون عن ضغوط وظيفية وقرارات نقل وفصل وتهميش، يقولون إنها تدفعهم إلى الاستقالة، وسط اتهامات بالتمييز الوظيفي والطائفي وتفاقم أوضاعهم المعيشية.
-
النقل أو الاستقالة.. عاملون في التلفزيون السوري يتعرضون للتهميش والإقصاء
بعد استبعاده عن العمل الإعلامي منذ ثمانية أشهر، تفاجأ غياث –اسم مستعار– مؤخراً بصدور قرار نقله من مبنى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في العاصمة السورية دمشق إلى المنطقة الشرقية، التي تبعد قرابة 450 كلم عن مكان سكنه، في قرار يهدف إلى إجباره على تقديم استقالته، حسب قوله.
ويكشف غياث للميادين نت أنه كان عاملاً في مجال التحرير ضمن قناة "نور الشام" الدينية التابعة للتلفزيون السوري الرسمي في عهد النظام السابق، لكن مع بداية العام 2025، تم نقله مع مئات العاملين الآخرين للعمل ضمن دوائر أخرى في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، بعد إغلاق "نور الشام" عقب سقوط النظام.
ويضيف: "منذ ثمانية أشهر، صدر قرار بإيقافي عن العمل الإعلامي، وتم نقلي إلى أحد المكاتب الإدارية، ومنذ تلك الفترة لم أحصل على زيادة في الراتب أو ترفيعات إدارية، كما اتبعت الإدارة الجديدة معي مبدأ التهميش والإقصاء، لأتفاجأ اليوم بصدور قرار نقلي إلى محافظة دير الزور في أقصى الشمال الشرقي من سوريا".
واعتبر غياث أن القرار الأخير يهدف إلى إجبار مئات العاملين على تقديم استقالاتهم، بعد أن أدت عمليات الفصل الجماعي التي نفذتها الإدارة الجديدة في التلفزيون عند استلامها إلى انتقادات واسعة في الأوساط الإعلامية، لذلك لجأت اليوم إلى عمليات النقل إلى مناطق بعيدة لدفع العاملين إلى الاستقالة.
حال غياث ينطبق على مئات العاملين في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون داخل سوريا، سواء أولئك الذين كانوا يعملون ضمن القنوات والإذاعات الرديفة للتلفزيون الرسمي، أو العاملين ضمن المبنى الرئيسي في دمشق، حيث وجدوا أنفسهم، بعد سقوط النظام وتعيين الإدارة الجديدة، يتعرضون لإجراءات قالوا إنها "تعسفية" وتستهدف مصدر رزقهم الوحيد.
ضغوط متزايدة
تشير التقديرات غير الرسمية إلى أن عدد العاملين في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون يقارب 5 آلاف موظف، موزعين على مختلف الاختصاصات الإعلامية والفنية والإدارية.
وتكشف معلومات الميادين نت عن تعرض العديد من العاملين القُدامى في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بدمشق لضغوط متزايدة، وتحديداً أولئك الذين عملوا ضمن التلفزيون خلال فترة الحرب في سوريا، بهدف إجبارهم على الاختيار بين أمرين لا ثالث لهما: إما القبول بالنقل إلى محافظات بعيدة مثل الرقة ودير الزور وإدلب، أو تقديم استقالاتهم.
اللافت أن بعض الموظفين المنقولين تواصلوا مع مراكز "التلفزيون" في المدن المذكورة، لكنهم تفاجؤوا بعدم وجود شواغر لديهم أصلاً، ما يعني أن قرار النقل جاء بهدف دفع الموظفين إلى اتخاذ خيار واحد، وهو "الاستقالة".
وتشير المعلومات إلى أن العاملين القُدامى في مبنى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بدمشق يواجهون ضغوطاً وظيفية عديدة، مثل إخراجهم من مكاتبهم، وتهميشهم، وعدم منحهم أي زيادة على الرواتب الشهرية.
كما جرى سحب البطاقات الوظيفية الخاصة بالعاملين بحجة استبدالها، إلا أنه لم يتم إصدار بطاقات جديدة حتى اليوم، وهو ما يعتبره الموظفون محاولة لتجريدهم من صفتهم المهنية وحقوقهم الوظيفية.
إضافة إلى ذلك، صدرت بعض القرارات المسيئة بحق العاملين القُدامى، مثل نقل بعضهم إلى وظائف لا تمت إلى اختصاصهم بصلة، كتعيينهم عمال نظافة أو مشرفي خدمات، مع التهديد المستمر بالنقل أو الفصل لكل من يعترض على هذه الإجراءات.
وتساءل بعض العاملين عن مبررات الحديث عن وجود فائض وظيفي، في الوقت الذي تم فيه تعيين أعداد كبيرة من الموظفين الجدد، مؤكدين أن العديد من أصحاب الخبرة الذين أمضوا أكثر من خمسة عشر عاماً في العمل الإعلامي جرى تهميشهم أو استبدالهم بموظفين يفتقرون إلى الخبرة الإعلامية.
أسباب غير إعلامية
لم تكن عمليات الفصل الجماعي للموظفين العاملين في مبنى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بعد سقوط النظام السابق تتعلق بالعمل الإعلامي فقط، حيث تؤكد المعلومات التي وصلت إلى الميادين نت أنه تم استبعاد عشرات العاملين من الفنيين والمراسلين والمصورين لأسباب طائفية، وتم تعويضهم بموظفين من طائفة أخرى، وحصلوا على امتيازات وظيفية أعلى بكثير.
ويكشف أحد العاملين في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون السوري للميادين نت أن القرارات التعسفية الصادرة عن وزارة الإعلام شملت فصل مئات العاملين من أبناء الطائفة العلوية تحديداً، تماماً كما جرى في معظم المؤسسات الرسمية الحكومية التي أصدرت قرار فصل جماعي بحق الموظفين العلويين.
ويشير العامل، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، إلى أن الإجراءات التعسفية بحق الموظفين لم تكن مقتصرة على عمليات الفصل الجماعي، بل شملت التمييز بين الموظفين القُدامى والجدد، إذ حصل العامل الجديد على راتب وصل إلى 800 دولار أميركي، في حين لا يتجاوز راتب الموظف القديم 200 دولار فقط.
ويضيف: "يوجد اليوم حالات وأشكال عديدة من التمييز الوظيفي في التلفزيون الرسمي، مثل ترفيع بعض العاملين الجدد برغم عدم وجود خبرة كافية لديهم، بينما يُعامل الموظفون القُدامى بنظرة تهميشية، بهدف إبعادهم عن الظهور الإعلامي أو عدم منحهم الترفيعات الإدارية التي يستحقونها".
وضع معيشي كارثي
تأتي الضغوطات الوظيفية وعمليات الفصل الجماعي للموظفين الحكوميين في وقت تزداد فيه الأزمة المعيشية سوءاً داخل سوريا، فالركود يضرب الأسواق المحلية، وغلاء الأسعار يؤرق المدنيين في مختلف المحافظات، فيما تبدو الإجراءات الحكومية قاصرة حتى الآن، وغير قادرة على كبح الانهيار المعيشي الحاصل.
فراس –اسم مستعار– أحد العاملين المفصولين من الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في دمشق، كشف للميادين نت بعض المعلومات حول ما جرى في مبنى التلفزيون بعد سقوط نظام بشار الأسد.
وقال: "بعد تعيين الإدارة الجديدة للتلفزيون، تم الاستغناء عن معظم المحررين والمقدمين الذين كانوا يعملون في ظل النظام السابق، وتم الاحتفاظ بالعاملين الفنيين فقط، نظراً لعدم امتلاك الموظفين الجدد أيّ خبرة فنية في العمل التلفزيوني".
ويضيف: "لاحقاً، تم إصدار قرارات بنقل الموظفين المتبقين إلى مناطق بعيدة مثل الحسكة ودير الزور والرقة لإجبارهم على الاستقالة، أما الطامة الكبرى فكانت في سلم الرواتب الذي وضعته الإدارة الجديدة، بحيث تم منح العاملين الفنيين الجدد رواتب بالدولار الأميركي أكبر بخمسة إلى ستة أضعاف من رواتب العاملين الفنيين القُدامى".
ويشير فراس إلى أن القرارات الأخيرة قد تؤدي إلى كارثة اجتماعية على العاملين في حال قدموا استقالاتهم، لأن ذلك يعني انقطاع مصدر رزقهم الوحيد في وقت تواجه فيه سوريا أزمة معيشية خانقة.
ولم تصدر عن الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون أيّ تبريرات حول أسباب الفصل أو القرارات الصادرة بحق العاملين القُدامى في "التلفزيون".
التأسيس
وتأسس التلفزيون العربي السوري في زمن الوحدة بين مصر وسوريا، وتحديداً يوم 23 تموز/يوليو 1960.
بدأ إرساله من قمة جبل قاسيون في دمشق، حيث أقيمت أول محطة إرسال بقوة منخفضة لا تزيد على 10 كيلوواط، تبث بالأبيض والأسود، واستمر إرسالها ساعة ونصف فقط في اليوم الأول، من داخل استديو أُنشئ بجانب محطة الإرسال فوق قمة الجبل.
كان صباح قباني، شقيق الشاعر السوري نزار قباني، الرئيس الأول للتلفزيون السوري عند تأسيسه، وحينها كانت الأعمال التلفزيونية السورية تعتمد على فصول تمثيلية وسهرات مسرحية تبث مباشرة على الهواء.