النفقة والحضانة والزواج.. قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر يشعل الجدل

يثير مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر جدلاً واسعاً بين من يراه خطوة لحماية المرأة والطفل وتحديث التشريعات، ومن يحذر من تأثير بعض مواده على تماسك الأسرة وتوازن الحقوق بين الزوجين.

0:00
  • النفقة والحضانة والزواج.. قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر يشعل الجدل
    النفقة والحضانة والزواج.. قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر يشعل الجدل

في رواق مجمع محاكم عابدين وسط القاهرة، جلست فاطمة عبد الهادي تنتظر جلسة بمحكمة الأسرة للنظر في دعوى نفقة، بعدما امتنع طليقها أحمد عبد المنعم عن سدادها لثلاثة أشهر متتالية.

فاطمة، وهي أم لطفلين، انفصلت عن زوجها بعد خلافات متفاقمة، وتقول إن راتبها من عملها في محل للمفروشات، إلى جانب أجر الحضانة، لم يعد يكفي لتلبية متطلبات المعيشة، خاصة أن طفلها الأصغر مصاب بمرض السكري ويحتاج إلى علاج شهري.

وتقول لـلميادين نت: "أعتمد على مساعدات أسرتي، وأتمنى أن يوفّر القانون الجديد آليات أسرع لإثبات دخل الأب وصرف نفقة مؤقتة، حتى لا تتحول رعاية الأطفال إلى عبء تتحمله الأم الحاضنة وحدها".

وتتكرر مثل هذه القضايا يومياً داخل محاكم الأسرة المصرية، بالتزامن مع الجدل الذي أثاره مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، الذي أحالته الحكومة إلى البرلمان في نيسان/أبريل الماضي، بهدف توحيد وتنظيم تشريعات متفرقة يعود بعضها إلى عام 1920.

ومنذ إحالته، أثار المشروع نقاشاً واسعاً بسبب مواد تتعلق بحق الزوجة في فسخ عقد الزواج خلال ستة أشهر إذا ثبت وقوع غش أو تدليس في بيانات جوهرية، ووضع الأب في المرتبة الثانية ضمن ترتيب الحضانة، واستمرار بعض حقوق الحاضنة حتى بعد زواجها.

وبين مؤيدين يرون في هذه التعديلات تعزيزاً لحماية المرأة والطفل وتسريعاً لإجراءات التقاضي، ومعارضين يعتبرون أن بعضها يخلّ بالتوازن داخل الأسرة، اتسعت دائرة الجدل، خصوصاً بعد إعلان الأزهر الشريف أنه لم يشارك في صياغة المشروع ولم يبدِ رأيه النهائي بشأنه.

بين حماية الحقوق والتوازن الأسري

وخلال إحدى جلسات الرؤية، يقول خالد فتحي، وهو موظف في القطاع الخاص، إنه يلتزم بسداد النفقة، لكنه يشعر بأن دوره كأب أصبح محدوداً.

ويضيف لـلميادين نت: "لا أريد أن أكون مجرد مصدر للإنفاق، بل أريد المشاركة في تربية أبنائي"، مشيداً بالمواد المتعلقة بتوسيع حق الرؤية والاستضافة، وترتيب الأب في الحضانة.

في المقابل، يرى محمود رفعت، الموظف بإحدى الهيئات الحكومية وأب لأربعة أطفال يمر بتجربة انفصال، أن بعض مواد المشروع قد تفتح الباب أمام مزيد من النزاعات إذا لم تراعِ التوازن بين حقوق الزوجين وواجباتهما.

ويتحفظ رفعت على بند فسخ عقد الزواج خلال الأشهر الستة الأولى، معتبراً أنه قد يثير إشكالات اجتماعية وقانونية، كما يرى أن بعض النصوص تحتاج إلى مراجعة أوسع وحوار مجتمعي أكثر عمقاً.

أما أحمد إبراهيم، الموظف في أحد البنوك ويستعد للزواج، فيرى أن المشروع يتضمن جوانب إيجابية لحماية المرأة والطفل، لكنه يتساءل عن آليات إثبات الغش أو التدليس، وما إذا كانت الضمانات القانونية كافية لتحقيق العدالة للطرفين.

في المقابل، تدافع سارة الصاوي، الموظفة بإحدى الشركات الخاصة في القاهرة، عن حق المرأة في فسخ الزواج إذا اكتشفت أنها تعرضت للخداع، متسائلة: "هل يُطلب من المرأة الاستمرار في زواج بُني على الكذب؟".

وترى أن هذه المادة قد تنقذ كثيراً من النساء من خوض مسارات قضائية طويلة، مثل دعاوى الخلع، وما يرافقها من ضغوط وتنازلات.

ويأتي هذا الجدل في وقت تشهد فيه مصر ارتفاعاً في معدلات الطلاق، إذ سجلت نحو 274 ألف حالة طلاق خلال عام 2024، مقابل نحو 265 ألف حالة في عام 2023، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

تباين قانوني وفقهي

من جهته، يقول المستشار عبد الرحمن محمد، رئيس لجنة إعداد مشروع القانون، إن الصياغات استندت إلى ملاحظات سبق أن قدمها الأزهر، وستُعرض عليه وفق الإجراءات الدستورية المعتمدة.

في المقابل، يتحفظ عضو لجنة الفتوى بالأزهر عطية لاشين على تحديد مدة ستة أشهر لفسخ الزواج بسبب الغش أو التدليس، معتبراً أن الحق في الفسخ ينبغي أن يرتبط بتاريخ اكتشاف التدليس، لا بمدة زمنية محددة.

كما يحذر المحامي بالنقض عمرو عبد السلام من أن بعض الصياغات قد تفتح الباب أمام تفسيرات قانونية متباينة، مطالباً بإعادة النظر في عدد من المواد قبل إقرار القانون.

قانون موحد للمسيحيين

وبالتوازي مع مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسلمين، يناقش البرلمان مشروع أول قانون موحد للأحوال الشخصية للمسيحيين، بعد عقود من الاعتماد على لوائح قديمة وتعديلات متفرقة.

وترى كاترينا جرجس أن القانون الجديد يمثل فرصة لإنهاء كثير من التعقيدات الإجرائية التي واجهها الأقباط في قضايا الأحوال الشخصية.

فيما يقول مايكل عبد الله إنه أمضى سنوات غير قادر على إنهاء زواجه أو بدء حياة جديدة، معتبراً أن القانون يمثل خطوة مهمة، لكنه ينتقد محدودية الحوار المجتمعي حول بعض مواده.

ويرى نجيب جبرائيل، الرئيس الأسبق لمحكمة الأحوال الشخصية، أن القانون قد يسهم في إنهاء آلاف القضايا المتراكمة، لكنه يدعو إلى تقليص مدد التقاضي ووضع سقف زمني واضح للفصل في دعاوى التطليق.

وبين مطالب بتعزيز حماية المرأة وضمان حقوق الطفل، ومخاوف من تأثير بعض المواد على دور الأب واستقرار الأسرة، يظل مشروع قانون الأحوال الشخصية في مصر محل نقاش واسع، في انتظار ما ستنتهي إليه مناقشات البرلمان بشأنه.

اخترنا لك