العودة تسبق الإعمار.. زوطر الغربية وفرون وصريفا تستعيد أبناءها
تشهد بلدات جنوبية مصنّفة ضمن "المناطق التجريبية" عودة متزايدة للأهالي برغم الدمار وغياب الخدمات، في تأكيد على تمسكهم بالأرض وبدء استعادة الحياة قبل إعادة الإعمار.
-
لا يزال الاحتلال الإسرائيلي موجوداً بدباباته في بلدة زوطة الشرقية المحاذية لبلدة زوطة الغربية (جريدة الأخبار)
برغم الدمار الواسع، وغياب مقومات الحياة الأساسية، واستمرار المخاطر الأمنية، تشهد بلدات جنوبية مصنّفة ضمن ما يُعرف بـ"المناطق التجريبية" عودة متزايدة لسكانها، في مشهد يتجاوز العودة إلى المنازل ليجسد التمسك بالأرض والانتماء إليها. ففي زوطر الغربية وفرون وصريفا، لم تمنع البيوت المهدمة، ولا غياب الخدمات، ولا شلل الحركة الاقتصادية، الأهالي من العودة ومحاولة استعادة الحد الأدنى من الحياة، مستندين إلى مبادرات بلدية وأهلية وتضامن مجتمعي.
وتتقاطع شهادات السكان، برغم اختلاف واقع كل بلدة، عند قناعة واحدة: أن البقاء في الأرض جزء من الهوية، وأن إعادة الحياة تبدأ بعودة أهلها قبل أي مشروع للإعمار.
ما هي "المناطق التجريبية"؟
تشكّل "المناطق التجريبية" آلية ميدانية أُقرت ضمن ما يُسمّى "اتفاق الإطار" بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي، الموقّع في 26 حزيران/يونيو 2026، بهدف اختبار تطبيق الترتيبات الأمنية الجديدة في عدد من البلدات والقرى الجنوبية، تمهيداً لتوسيعها إلى مناطق أخرى.
وتنص الآلية على انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من البلدات المشمولة، مقابل تولّي الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية والانتشار فيها بصورة حصرية، بما يفترض أن يشكّل اختباراً عملياً لمدى تنفيذ الاتفاق وآليات التنسيق والرقابة المرتبطة به.
إلا أن هذه الصيغة تثير علامات استفهام لدى أهالي البلدات المشمولة، ولا سيما في صريفا وفرون وزوطر الغربية. فبحسب إفادات عدد من الأهالي، لم تكن هذه البلدات خاضعة لاحتلال إسرائيلي مباشر، ولم تكن قوات الاحتلال متمركزة فيها بصورة دائمة، بل إن القوات الإسرائيلية لم تتمكن، وفق شهاداتهم، من السيطرة العسكرية عليها.
ومن هذا المنطلق، يرى الأهالي أن الحديث عن "انسحاب" إسرائيلي من هذه القرى لا يعكس واقعها الميداني، معتبرين أن إدراجها ضمن المناطق التجريبية وتقديم الأمر باعتباره انسحاباً إسرائيلياً يثير تساؤلات حول طبيعة الآلية وأهدافها، وهو ما تناولته لاحقاً وسائل إعلام إسرائيلية أيضاً.
ومع بدء دخول الأهالي إلى أولى هذه البلدات، قصد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بلدة زوطر الغربية قبل دخول الأهالي إليها، وزرع العلم اللبناني فيها. وبحسب أهالي البلدة، استمرت الزيارة نحو عشر دقائق، من دون عقد لقاء معهم أو الاستماع إلى مطالبهم وهواجسهم، ما دفع عدداً منهم إلى التعبير عن غضبهم، خصوصاً أن البلدة لم تكن محتلة أصلاً، وبالتالي فإن تقديم الزيارة في سياق "التحرير" أو تثبيت الانسحاب الإسرائيلي لم يعكس، برأيهم، واقع البلدة كما عاشوه ميدانياً.
"حتى لو أصبح المنزل ركاماً.. سنعود إليه"
تُعد زوطر الغربية، في محافظة النبطية، إحدى أولى البلدات المصنفة ضمن "المناطق التجريبية". وبرغم عدم وجود قوات إسرائيلية داخلها، لا تزال الإجراءات الأمنية والدمار الواسع يعرقلان عودة الحياة إليها.
وتؤكد ابنة البلدة سمية ياغي، في حديثها إلى الميادين نت، أن ارتباط الأهالي بأرضهم وحقول الزيتون والتبغ هو الدافع الأساسي لعودتهم، مشيرة إلى أن زوطر الغربية عاشت حروباً عديدة ولم يتخلَّ أهلها عنها، معتبرة أن ما يجري اليوم امتداد لتاريخ طويل من الصمود.
وتوضح أن البلدة تفتقر إلى المياه والكهرباء، فيما دُمّرت معظم المحال التجارية ودور العبادة، ما يضطر السكان إلى تأمين احتياجاتهم من القرى المجاورة، ولا سيما قعقعية الجسر.
كما طالت الاعتداءات القطاع الزراعي، حيث جرى تجريف وسرقة مساحات من أشجار الزيتون والصنوبر المعمّرة، ما ألحق خسائر كبيرة بالأهالي الذين يعتمدون على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل.
وتقدّر نسبة الدمار بأكثر من 90%، مؤكدة أن غالبية المنازل لم تعد صالحة للسكن، وأن المساعدات اقتصرت بمعظمها على المواد الغذائية، باستثناء مبادرات أهلية، أبرزها مبادرة نساء قعقعية الجسر اللواتي قدّمن الطعام للأهالي أثناء انتظارهم الدخول إلى البلدة في 26 تموز/يوليو 2026. وتؤكد أن قرار العودة بالنسبة إلى السكان نهائي، مهما بلغت كلفة الدمار.
"عدنا لننتشل شهداءنا.. وقرارنا أن نبقى"
في قضاء بنت جبيل، تعرضت بلدة فرون لدمار طال نحو 80% من مبانيها، فيما يؤكد رئيس البلدية محمد بزي أنها تقع خارج "الخط الأصفر" ولا وجود عسكرياً إسرائيلياً فيها.
وتقول زينب المقداد إن أبناء البلدة عادوا منذ الساعات الأولى لوقف إطلاق النار لانتشال الشهداء وتفقد منازلهم، مشيرة إلى أن بعض البيوت أمكن ترميمها جزئياً، بينما جُهزت المدرسة الرسمية لاستقبال العائلات التي فقدت مساكنها.
وتضيف أن ما بين 80 و100 عائلة عادت إلى البلدة، بين إقامة دائمة وحضور نهاري، بسبب محدودية الأماكن الصالحة للسكن.
وتتمثل أبرز التحديات في انقطاع المياه والكهرباء والاتصالات، ولا سيما بعد تدمير أنظمة الطاقة الشمسية. وفي المقابل، بادرت البلدية، بالتعاون مع جمعيات أهلية، إلى تجهيز المدرسة وتأمين احتياجات المقيمين فيها، والعمل على توفير خيم ووحدات سكنية جاهزة للعائلات المتضررة.
وبرغم عودة عدد محدود من المحال التجارية، لا تزال الحركة الاقتصادية ضعيفة، فيما يعتمد الأهالي على بلدة برج قلاويه لتأمين معظم احتياجاتهم. وتشير المقداد إلى أن نحو 40 منزلاً فقط بقي صالحاً للسكن، مؤكدة أن العودة كانت بالنسبة إلى الأهالي الخطوة الأولى نحو استعادة الحياة.
"العودة سبقت إعادة الإعمار"
أما صريفا، شمالي مدينة صور، فقد شهدت عودة واسعة لسكانها برغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بها خلال الحرب، في وقت ينتشر فيه الجيش اللبناني داخل البلدة ولا وجود لقوات الاحتلال الإسرائيلي فيها.
وتوضح مريم عجمي أن أكثر من 40% من البلدة تضرر، مع تدمير نحو 400 وحدة سكنية بالكامل، إضافة إلى أضرار واسعة في المحال التجارية الواقعة على الطريق العام.
وتؤكد أن نحو 90% من الأهالي عادوا إلى البلدة، فيما استأجرت عائلات كثيرة، بينها عائلتها، منازل داخل صريفا حتى قبل انتهاء الحرب، تأكيداً على تمسكها بالبقاء.
وتشير إلى أن البلدية سارعت إلى إعادة الخدمات الأساسية، من خلال فتح الطرقات، وإزالة الركام، والمساعدة في تأمين المياه والكهرباء، والتنسيق مع مجلس الجنوب للكشف على الأضرار، فيما دعمت الجمعيات والمبادرات الشبابية السكان عبر تأمين صهاريج المياه بأسعار رمزية، وساهمت في إعادة تنشيط الحركة الاقتصادية مع عودة عدد من المحال وافتتاح أخرى جديدة.
وتختم عجمي بالتشديد على ضرورة تسريع عملية إعادة الإعمار، معربة عن رفضها إدراج صريفا ضمن "المناطق التجريبية" برغم عدم تعرضها للاحتلال الإسرائيلي، ومؤكدة أن أبناء البلدة ماضون في استعادة حياتهم مهما طال انتظار الإعمار.