الطفولة بين جزيرة مغلقة ونظام عالمي مختلّ: ما بعد إبستين

قضية إبستين تكشف منظومة عالمية تستغل الطفولة وتحتمي بالنفوذ والمال، في ظل عدالة انتقائية وفشل دولي في حماية الأطفال ومحاسبة النخب المتورطة.

  • الطفولة بين جزيرة مغلقة ونظام عالمي مختلّ: ما بعد إبستين
    الطفولة بين جزيرة مغلقة ونظام عالمي مختلّ: ما بعد إبستين

تجاوزت جرائم جيفري إبستين وشبكته "النخبوية" حقيقة أن تكون جريمة فردية أو جريمة طائفة نخبوية منحرفة تسعى إلى المتعة خارج قيود الشرائع والقوانين والأعراف والأخلاق بصورة عامة. هي الآن، بعد كل ما تكشّف، بنية عالمية من أعمال الاستغلال والخطف والاغتصاب والابتزاز، وصرف النتائج في سوق المصالح السياسية والاقتصادية العالمية.

مع انكشاف رأس جبل الجليد فقط من هذه القضية، بدأت تطفو إلى السطح أسماء معروفة عالمياً، من دوائر النفوذ الأشد تأثيراً. ولم تعد المسألة محصورة في بعدها الجنسي أو في الاستغلال الجسدي فحسب، بل تكشف عن منظومة أوسع تقوم على استدراج راغبين في أقصى درجات الانحراف ضمن شبكة عابرة للحدود والجنسيات والقطاعات العامة والخاصة.

إن كشف جانب واحد من هذه الشبكة يكفي لاعتبارها جريمة بحق الإنسانية، لأنها تستهدف الفئة الأكثر هشاشة والأكثر أهمية لمستقبل البشر: الأطفال. إنها لحظة انكشاف لبنية عالمية مختلّة، تتحول فيها الطفولة إلى أداة نفوذ ومصدر مكاسب، حيث تمارس النخب القوية سيطرتها على أجساد غضة وأرواح لم تدرك بعد قسوة العالم الذي أُلقيت فيه.

نتحدث عن المسألة في لحظة لم تكتمل فيها معطيات الجرائم بأكملها، وربما هذه واحدة من أزمات التعامل مع هذه القضية، إذ يبرز خطر تطبيع الوعي العام مع هذه الارتكابات قبل انكشافها بصورتها الفظيعة بعد اكتمال المشهد. والتقدير هنا أن انكشاف المعطيات الهائلة المتبقية في القضية سيوصلنا إلى قناعة بأن الإنسان المعاصر مختلف بصورة جذرية عما نعرفه عن الإنسان. لقد تمت هندسة إنسان جديد، تبدو هذه الممارسات بالنسبة إليه مقبولة، ويحاول بأدواته القوية جعلها مقبولة للبشر جميعهم.

أما العمق الحقيقي، فهو سؤال أخلاقي – سياسي وجودي يتمحور حول كيفية قبول عالم يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان باغتصاب الطفولة بهذه السهولة، وبهذا الصمت المنظم والهادئ.

اختزال القضية بإبستين تبسيط مخلّ

الحقيقة أكثر قسوة من أن تُبَسَّط لتكون قضية شخص واحد وشبكته. نحن أمام منظومة كاملة تعمل متآمرة لتنفيذ سلسلة جرائم مروعة.

لقد انتُهِكت الطفولة آلاف المرات على مدى عشرات السنوات، وقد خرجت إلى العلن شهادات تحكي ذلك وتؤكده. وبعد بدء تكشّف الحقائق، تم العمل بصورة منهجية على تكذيب الروايات والتشكيك بأصوات الضحايا الذين رفع بعضهم الصوت عالياً بشجاعة وجرأة.

نجا إبستين من محاكمات كانت لتبقيه طوال عمره خلف القضبان في أحسن الأحوال، وعندما عُلّق مجدداً خلف قضبان السجن، مات فجأة في ظروف مريبة ومثيرة للكثير من الشكوك، بما يدفع إلى اعتقاد واسع بأنه تمت تصفيته. إذاً، أُغلق الفصل الأبرز من القضية بتسوية، ليست مالية هذه المرة، إنما مؤامراتية. تم التخلص من الرجل الذي كان يمكن أن يفتح صندوق أسرار أسود هائل، لن يودي بالأمير أندرو فقط، كما يحصل الآن، لكن بأمراء ورجال سلطة واقتصاد وفن وحقوق.

لكن كلما توغلنا أعمق في هذه القضية وتفاصيلها، شدّتنا ناحية الطفولة إلى العودة إليها. إنها قضية ملحّة على أعصاب وضمير المرء، لا تنفك تطلبه إلى تلبية نداء الفطرة السليمة، بأن ينصر حق الأطفال فيما تعرضوا إليه على يد نخبة حضارية فاح عفنها واسودّت صفحاتها.

في الخطاب الدولي الرسمي، تُقدَّم الطفولة بوصفها مرحلة محمية من عمر البشر، عبر قوانين ومدارس واتفاقيات ومنظمات أممية. لكن الواقع مختلف جذرياً. الطفولة اليوم، ومع هذه القضية تحديداً، هي الحلقة الأضعف في النظام العالمي، فالأطفال لا يملكون رأس مال أو شبكة حماية حقيقية. هم الأكثر جهوزية لأن يتحولوا إلى فرائس.

وقد كشفت هذه القضية حقيقة مرعبة مفادها أن هناك طبقة عالمية تستطيع الوصول إلى أجساد القاصرين كما تصل إلى أي خدمة فاخرة أخرى، بطائرات خاصة وجزر مغلقة وجيوش من المحامين الجاهزين للدفاع وإعطاء النصائح حول كيفية التخلص من الملاحقة. وقد رأينا في نصائح شخصيات كبرى من المفكرين لإبستين، حول كيفية التعامل مع الاتهامات التي وُجّهت إليه، والتي ثبتت لاحقاً كحقائق مؤكدة.

تحولت جزيرة "ليتل سانت جيمس"، أو جزيرة إبستين، إلى رمز عالمي لعالم سفلي موازٍ تُعلَّق فيه القوانين عن التنفيذ، وتُعمَّم فيه الانتهاكات كأسلوب حياة خارج ما تبقى من الكوكب، حيث يُلاحَق المسؤول في الغرب إذا ملأ خزان وقود سيارته من بطاقة حكومية. كانت الصورة المعممة علينا، نحن بقية العالم المتهمين بالتأخر عن الركب والمصنفين على السلم كبشر "في طور النمو"، أن الحضارة الغربية قد تجاوزت السلوك الحيواني الذي لا تزال شعوب خارج الغرب تعيشه، بما يتسق مع خطاب مسؤول أوروبي شهير قبل سنوات قال إن الغرب هو الواحة وبقية العالم أدغال.

كان بعضنا يصدق ذلك كحقيقة دامغة، ويتندر على بقيتنا حين يتحدث عن القيم التي لا تزال متجذرة في الشرق أو في حضارات عديدة. الآن تظهر الصورة الحقيقية لنخبة حضارية تنكر الحقيقة التي وصلت إليها. وحتى لا نذهب عميقاً في التعميم، لا بد من الاعتراف بأن مساهمات كثيرة لتلك الحضارة تسير في اتجاه معاكس، لكن القضية ووجوهها تظهر أن النخبة الغربية مصابة بأمراض مستعصية على الشفاء، ليس لأن الجرائم حدثت، بل لأن التسامح معها يبدو أكبر من الرغبة الجامحة في المحاكمة والمحاسبة والانتفاض من أجل الطفولة.

قضية الطفولة هنا كفيلة باستدعاء كل ما تبقى من إنسانية في نفوس البشر، إذا كانت في الحس السليم بقية من حياة. فما جرى يقول إنه نمط إنتاج أكثر منه انحرافاً فردياً. إن ما يميز هذه القضية أكثر من الاعتداء هو تطبيعه داخل ثقافة الثراء الفاحش والنفوذ والسلطة خارج الأطر الرسمية وعلى حساب الأسرة.

رسائل البريد الإلكتروني المتصلة بين إبستين ومساعديه وشركائه، أو قل زبائنه حول العالم، مذهلة في مضامينها. أما الأطفال القادمون من الأحياء الفقيرة، المسروقون من بيئاتهم ومن أحضان أهلهم، فهم هنا بلا قيمة إنسانية فعلية. غيسلين ماكسويل كانت محورية في هذه القضية، عندما جسدت دوراً مريعاً لكيفية تحويل بعض النساء أنفسهن أحياناً إلى أدوات داخل منظومات الاستغلال الكبرى.

العدالة الطبقية

وأيضاً، حتى لا نغرق في الأحكام العامة، لا يمكن القول إن العدالة في النظام الدولي عمياء تماماً، وإلا لما كانت القضية قد فُضحت، لكن العدالة هنا انتقائية وطبقية ومتحيزة. تتحرك بسرعة ضد المهمشين، وتتثاءب أمام أصحاب النفوذ. والأخطر أن المجتمع نفسه يتواطأ، حيث لا يكفي مستوى الغضب الذي ظهر ليتناسب مع هول الجريمة، في زمن الإغراق بالمعلومات وملل المتابعين من أي خبر مهما عظمت دلالته وكبرت التضحيات فيه. ماذا عن الحماية؟

في هذه القضية فشلت منظومة الحماية الدولية للأطفال فشلاً ذريعاً. لا الدول ولا مؤسسات الحماية الدولية، ولا المحاكم أو الإعلام، ولا حتى المجتمع، كانوا قادرين على الاستجابة المتناسبة مع هذا الحدث. ومع أن الخطاب الأممي والليبرالي ملأ العالم بالاتفاقيات والأدبيات والمؤتمرات التي تتحدث عن الطفولة وتنزّهها وتضع الشروط بين الأهل وأولادهم وتمكّن الأولاد من الفكاك من قيود التربية الأبوية، إلا أنها أمام الانتهاك الحقيقي فشلت فشلاً مدوياً.

يمكن لهذه المجتمعات أن تفصل أطفالاً عن أسرهم بحجة البيئة المنزلية الضاغطة أو القمعية نسبة إلى قيم مجتمعات محددة. لكن المجتمعات نفسها لا تملك أن تنقذ الأطفال من الاستغلال الذي تمارسه أرفع طبقاتها النخبوية. الأمراء والحكام والمشاهير، محركو الأحداث في تلك المجتمعات، واضعو القوانين، هم أنفسهم طائفة إبستين. هكذا يقول الواقع إن الحماية في هذه المجتمعات مخصصة لهذه الطبقة، وليس للأطفال. آليات المساءلة العابرة للحدود والقانون الدولي عاجزة تماماً عن اختراق دوائر المال السيادي والجزر الخاصة والملاذات القانونية.

ليست المرة الأولى

ما حدث هنا يتقاطع بنيوياً مع فضائح الاعتداء داخل الكنيسة، ومع شبكات الاستغلال في صناعة السينما، ومع تجارة البشر في مناطق النزاع. النمط واحد: سلطة مغلقة في مواجهة ضحايا من الهوامش والفئات الأضعف، واستجابة تميل إلى حماية المرتكبين أكثر مما تسعى إلى إنصاف المنتهكين.

لذلك لا يمكن النظر إلى قضية إبستين بوصفها شذوذاً عن النظام، بل باعتبارها إحدى نتائجه المرة، ما لم تثبت الأيام أن المحاسبة ستكون حاسمة، أولاً، بحق شخصيات من الحزبين الأميركيين اللذين تعاقبا على السلطة، قبل أي أطراف أخرى في الخارج. فلا جدوى من غضب سريع يعقبه نسيان أسرع.

الأخطر أن الشروط التي سمحت بظهور "الإبستينية" لا تزال قائمة: أطفال فقراء، غياب فعلي للمساءلة، وتداخل بين الجريمة المنظمة وبعض دوائر السلطة، بحيث تبدو بعض الدول، في ممارسات نخبتها ونشاطها في الفضاء الدولي، أقرب إلى منظومات مغلقة تحتمي بالنفوذ أكثر مما تخضع للمحاسبة.

اخترنا لك