الصهيونية الخارجية: عن "إسرائيل" والنيوليبرالية
برزت تحولات المشروع الصهيوني في "إسرائيل" من خلال مفهوم "الصهيونية الخارجية"، الذي يفسر اندماج الاستيطان بالاقتصاد النيوليبرالي والتكنولوجيا في إطار مشروع رأسمالي عالمي.
-
الصهيونية الخارجية: عن و"إسرائيل" والنيوليبرالية
يُمثّل الطرح ما بعد البنيوي للمؤرخ الإسرائيلي غادي ألغازي (Gadi Algazi) ركيزة أساسية لفهم تحولات المشروع الصهيوني الراهن. ويطلق ألغازي على هذه المرحلة تسمية "الصهيونية الخارجية" (Outer Zionism)، حيث يندمج الاستعمار الاستيطاني مع النيوليبرالية العالمية والاقتصاد الإسرائيلي المعولم. وتتجلى هذه الثلاثية في تحالف يجمع الجنرال ورجل المال والمستوطن، وهو تحالف أعاد هندسة الجغرافيا السياسية والاقتصادية، وحوّل شرائح اجتماعية، مثل الحريديم، إلى قوة عمل تكنولوجية منخفضة الكلفة تخدم كارتيلات المال والشركات الناشئة. ومن هذا المنظور، لا تبدو حرب الإبادة الراهنة سوى غطاء لتسريع عملية المأسسة الرأسمالية العابرة للقارات، بما يحوّل الاستعمار إلى مشروع استثماري ومختبر تكنولوجي يغذي الأسواق العالمية.
يُعد غادي ألغازي أحد أبرز ممثلي تيار ما بعد البنيوية في "إسرائيل". وهو، شأنه شأن عدد من أعلام اليسار السوسيولوجي والثقافي الإسرائيلي، مثل أوري رام (Uri Ram) وهيلا دايان (Hilla Dayan)، لا ينظر إلى الصهيونية بوصفها أيديولوجيا قومية جامدة أو مجرد فكرة دينية مستحدثة، بل يعدّها ظاهرة ديناميكية متحولة بلغت ذروتها، بحسب توصيفه، فيما يسميه "الصهيونية الخارجية" (Outer Zionism).
ولفهم هذه الفكرة بصورة أعمق، لا بد من العودة إلى كتاب أوري رام The Globalization of Israel: McWorld in Tel Aviv, Jihad in Jerusalem (عولمة إسرائيل: عالم الماك في تل أبيب، والجهاد في القدس). يقدم رام في هذا الكتاب ثنائية تفسيرية بالغة الأهمية تكمل أطروحة ألغازي؛ إذ يرى أن المجتمع الإسرائيلي المعاصر ممزق بين تيارين: الأول هو تيار العولمة النيوليبرالية الرأسمالية، المنفتح والخاضع لمنطق السوق العالمية، أو ما يسميه "عالم الماك" (McWorld)، والثاني هو تيار القومية الإثنية الدينية المنغلق، المتمركز في "عالم الاستيطان".
غير أن ألغازي يذهب أبعد من ذلك، إذ يرى أن هذين التيارين لم يعودا في حالة تعارض صفري، بل اندمجا بنيوياً لإنتاج ما يسميه "الصهيونية الخارجية"، حيث توظف النخبة الرأسمالية أدوات الاستيطان لتعظيم الأرباح وخفض كلفة الإنتاج داخل "إسرائيل"، مع الإسهام في إعادة إنتاج الرأسمالية الاستعمارية على المستوى العالمي. وبهذا المعنى، يجري نقل فائض القيمة من الجنوب إلى الشمال، ومن الأطراف إلى المركز، ومن الاقتصاد المنتج إلى عالم البورصات ورؤوس الأموال المالية.
وتُعد "الصهيونية الخارجية"، وفق هذا المنظور، المرحلة الأحدث والأكثر توحشاً في تاريخ الاستعمار الاستيطاني. ففي هذا الطور، تتخلى الصهيونية الجديدة عملياً عن السرديات الرومانسية ذات الطابع "الاشتراكي" التي ميزت مرحلة الصهيونية العمالية الأولى، ممثلةً بحزب العمل و"مباي"، والتي قامت على شعارات مثل "بناء وطن قومي للشعب اليهودي"، و"صهر الشتات"، و"العمل العبري"، لتنخرط بصورة عضوية في بنية المشروع الرأسمالي النيوليبرالي العالمي.
ولم يعد الاستيطان، في هذا السياق، غاية ديموغرافية أو جغرافية فحسب، بل تحول إلى أداة استثمارية متقدمة تخدم شبكة معقدة من النخب الاقتصادية والسياسية المحلية والعالمية. وبذلك، يغدو الاستيطان جزءاً من شبكة رأسمالية عابرة للحدود، تُبنى على حساب الحقوق التاريخية والوجودية للفلسطينيين، كما تأتي على حساب الغالبية العظمى من الإسرائيليين أنفسهم، الذين جرى تفكيك مظلة "دولة الرفاه" التي تمتعت بها الأجيال السابقة، وتحويلهم إلى مجرد تروس في ماكينة "أمة الشركات الناشئة".
صعود الفاشية النيوليبرالية
تتجلى هذه الأطروحة في المشهدين السياسي والاقتصادي الحاكمين في "إسرائيل" اليوم. فبينما تشن تل أبيب حرب إبادة على قطاع غزة، وتواصل تصعيدها في الضفة الغربية، تكشف تصريحات أركان اليمين الحاكم، مثل أوريت ستروك، وبتسلئيل سموتريتش، وإيتامار بن غفير، أن "إسرائيل" لا تدير معركة أمنية أو عسكرية من منطلق الدفاع عن الوجود فحسب، بل تقود أيضاً مشروعاً لإعادة صياغة الجغرافيا السياسية والاقتصادية للمنطقة بصورة جذرية.
ومن هنا، تكتسب الموازنات الضخمة التي تُضخ بصورة متواصلة لتوسيع المستوطنات، وبرامج خصخصة المرافق العامة، وتحويل الأراضي المصادرة في الضفة الغربية إلى فضاءات استثمارية ومشاريع بنى تحتية عابرة للحدود، دلالة مختلفة؛ إذ يبدو أن "إسرائيل" دخلت بالفعل طور ما يسميه غادي ألغازي "الصهيونية الخارجية".
في هذا السياق، لا يُستخدم العنف العسكري الشامل والدمار الواسع بوصفهما مجرد أداتي ردع أو إخضاع، بل يشكلان غطاءً أيديولوجياً وعسكرياً لتسريع المأسسة الرأسمالية العابرة للقارات. فالأراضي المستعمرة والمجتمعات المستهدفة تتحول إلى "مختبرات حية" لتطوير واختبار تكنولوجيات المراقبة، والذكاء الاصطناعي العسكري، وأنظمة الضبط البيومتري، قبل تسويقها عالمياً بوصفها تقنيات "مجرَّبة ميدانياً". ويكشف هذا الترابط البنيوي عن اندماج الدبابة، والمستوطنة، وشركة التكنولوجيا الفائقة في منظومة واحدة تتولى إعادة تشكيل "إسرائيل الجديدة".
"ماتريكس" وتعهيد الاستعمار الرقمي في "موديعين عيليت"
وفي قراءته السوسيولوجية لآليات هذا التحول، يقدم ألغازي نموذجاً بالغ الدلالة يتمثل في شركة "ماتريكس" (Matrix)، إحدى أكبر شركات تكنولوجيا المعلومات في "إسرائيل". ويكشف هذا النموذج الوجه الآخر لاقتصاد "التعهيد المعلوماتي" من خلال مركز التطوير التكنولوجي التابع للشركة، المسمى "تلبيوت" (תלפיות)، وهو اسم مستوحى من البرنامج النخبوي الشهير في الجيش الإسرائيلي لإعداد الكفاءات الأكاديمية المتقدمة. وقد أُقيم هذا المركز في مستوطنة "موديعين عيليت"، المقامة على أراضٍ محتلة في الضفة الغربية.
واعتمدت الشركة، في هذا المركز، على العاملات اليهوديات الحريديات من سكان المستوطنة بديلاً عن العمالة منخفضة الكلفة المستوردة من شرق آسيا. ويجسد هذا النموذج ذروة التداخل بين الاستعمار، والدين، والنيوليبرالية؛ إذ تعمل النساء الحريديات بأجور تقل كثيراً عن متوسط الأجور في السوق الإسرائيلية، مستفيدات من انخفاض تكاليف المعيشة داخل مستوطنة تحظى بدعم حكومي وبنيوي كبير.
ويلخص الرئيس التنفيذي لشركة "ماتريكس"، مردخاي غوتمان، هذه المعادلة بقوله: "لأن السكان المتدينين المتنافسين على الوظائف يواجهون تكاليف معيشية منخفضة نسبياً، فإن ماتريكس قادرة على تقديم خدماتها المحلية للعملاء بأسعار تضاهي تلك الموجودة في دول الشرق الأقصى، مع الاحتفاظ بميزات القرب الجغرافي والثقافي".
ويفتح هذا النموذج الباب أمام تساؤلات أوسع حول البنية الاجتماعية لمجتمعات المستوطنين في الوقت الراهن؛ إذ ينتمي معظم سكان "موديعين عيليت" إلى جماعات حريدية محافظة، مثل حسيدي ساتمار، وغور، وبيلز. وهذه الجماعات، التي كانت تاريخياً تنظر بعين الريبة إلى الصهيونية العلمانية، أصبحت اليوم إحدى الركائز الأساسية لاقتصاد استيطاني رقمي متطور، يربط المستوطنة مباشرةً بشبكات رأس المال والأسواق المالية العالمية في نيويورك، ولندن، و"تل أبيب".
التخادم الأيديولوجي: الجنرال، ورجل المال، والمستوطن
بحلول عام 1993، بلغ الاستثمار الإسرائيلي في مستوطنات الضفة الغربية ذروة غير مسبوقة. فقد أنفقت "إسرائيل" أكثر من 1.5 مليار شيكل سنوياً على الإسكان والبناء والتطوير طوال عقد التسعينيات، وخصصت ما بين 6.2% و11% من إجمالي موازنة وزارة الإسكان للمستوطنات، برغم أن المستوطنين لم يكونوا يشكلون آنذاك أكثر من 4% من إجمالي سكان "إسرائيل". كما مُنحت العائلات الحريدية حسومات تراوحت بين 55% و63% لشراء شقق في مستوطنات الضفة الغربية.
وامتد الدعم إلى قطاع الإنشاءات أيضاً، إذ أُعفي المقاولون العاملون في المستوطنات من 50% من تكاليف تطوير مشاريع الإسكان. وحتى شركة "حومات ميغدال"، التي تولت بناء مستوطنة "موديعين عيليت"، جرى خصخصتها لمصلحة شركات استثمار عقاري كبرى، مثل: Africa Israel Investments، وAlon Blue Square، وShapir Engineering and Industry، وAmpa Israel، وAfi Capital، وDona، وAmidar. أما المستفيد الأكبر من هذا الإنفاق العام، فكان البنوك الإسرائيلية الخمسة الكبرى، إلى جانب شركات التأمين العملاقة.
ولفهم هذه البنية على نحو أدق، تبرز محاضرتان مهمتان، الأولى للصحافي الاقتصادي جاي رولنيك، والثانية للمؤرخ داني غوتفين، ويمكن اختصار موضوعهما بثلاثية: المستوطنة، والاقتصاد، والهوية في "إسرائيل". وتتناول المحاضرتان التحولات البنيوية التي شهدها الاقتصاد الإسرائيلي خلال عقود حكم الليكود.
ويرجع غوتفين هذه التحولات إلى الخلل البنيوي الذي بدأ مع وصول الليكود إلى السلطة في أيار/مايو 1977. فمنذ ذلك الحين، شرعت الحكومات المتعاقبة في تفكيك نموذج "دولة الرفاه" وإحلال السياسات النيوليبرالية مكانه؛ فاستهدفت الهستدروت (الاتحاد العام لعمال إسرائيل)، وحررت سعر صرف الشيكل، وأطلقت برنامجاً واسعاً للخصخصة.
وخلال أقل من عقد، ظهرت آثار هذه السياسات بوضوح. ففي نهاية ولاية وزير المالية يغئال كوهن أورغاد عام 1984، بلغ معدل التضخم نحو 444%، وارتفعت أسعار الفائدة من 26% إلى 57%. وبالتوازي مع ذلك، تركز رأس المال بصورة متزايدة في أيدي نخبة مالية محدودة، إذ أدت الخصخصة إلى انتقال جزء كبير من أصول الدولة إلى نحو عشرين عائلة إسرائيلية، بينما احتكرت خمسة مصارف وخمس شركات تأمين مفاصل الائتمان والاستثمار والتمويل.
وبرزت أسماء مثل شيري أريسون، وإسحاق تشوفا، وموزي فيرتهايم، وماثيو برونفمان، وإيال وعيدان عوفر، بوصفها رموزاً لهذا التركز المالي، عبر سيطرتها على المصارف الكبرى وشركات التأمين، مثل هبوعاليم، وليئومي، ومزراحي طفحوت، ومجدال، وكلال، وهارئيل، وفينيكس، وبساغوت، حتى باتت هذه النخبة تدير الجزء الأكبر من رؤوس الأموال المؤسسية والاستثمارات داخل الاقتصاد الإسرائيلي.
وترافقت الخصخصة مع تعويم السياسات النقدية، ومع رفع حكومات إسحاق شامير موازنات التعليم الخاص بالحريديم بنسبة قاربت 835%. ونتيجة لذلك، أصبح الانتقال من داخل الخط الأخضر إلى مستوطنات الضفة الغربية خياراً اقتصادياً جذاباً لشرائح من ذوي الدخل المتوسط والمنخفض، وللعائلات الحريدية، بفعل انخفاض الضرائب، ووفرة الدعم الحكومي، وسهولة الحصول على القروض السكنية.
وبذلك، لم تكن "موديعين عيليت" نتاجاً لحركة استيطانية دينية متشددة فحسب، بل ثمرة تحالف اجتماعي وسياسي واقتصادي ضم مطوري العقارات، والرأسمالية الصغيرة الباحثة عن الربح السريع، والسياسيين الذين رأوا في توسيع المشروع الاستيطاني وسيلة لتعزيز قواعدهم الانتخابية بين الفئات الأقل حظاً اقتصادياً. وهكذا، تداخلت الاقتصاديات القطاعية، أي اقتصاد الجماعات الوسيطة بين المستوطن والدولة، مع الهويات الدينية والطرفية، لتنتج نموذجاً جديداً للنظام السياسي الإسرائيلي.
ولم يكن من الصعب ملاحظة أثر هذه التحولات في الخريطة الانتخابية، مع صعود أجيال جديدة من أبناء الطبقة الوسطى المتدينة، ولا سيما خريجي مدارس "يشيفا تيخونيت"، و"بني عكيفا"، و"هار همور"، الذين أصبحوا يشكلون أحد أبرز روافد النخب السياسية والدينية الجديدة.
وبالعودة إلى أواخر التسعينيات، يمكن تلمس تشكل ما يمكن تسميته بثلاثية "الجنرال، ورجل المال، والمستوطن". فمن خلال ظاهرة "الباب الدوار"، التي ينتقل بموجبها كبار الضباط والمسؤولين بين المناصب العسكرية والحكومية وقطاع الأعمال، أخذ رأس المال يتمركز تدريجياً في يد الجنرال ورجل الأعمال، بينما غدا المستوطن نقطة الالتقاء بين المشروعين الأمني والاقتصادي، بوصفه تجسيداً عملياً لفكرة "الدولة الجديدة".
وتتجلى هذه الظاهرة في انتقال عدد كبير من كبار الضباط إلى قيادة شركات التكنولوجيا والأمن السيبراني والصناعات العسكرية، بما يعكس الاندماج المتزايد بين المؤسسة العسكرية ورأس المال التكنولوجي. وقد شغل العديد من رؤساء الموساد والشاباك وقادة الجيش مناصب تنفيذية أو استشارية في شركات تعمل في مجالات الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الدفاعية، وصناديق الاستثمار، الأمر الذي يعكس تشكل شبكة مصالح تجمع المؤسسة العسكرية، ورأس المال، والصناعة التكنولوجية ضمن بنية واحدة.
التكنولوجيا الاستعمارية في "إسرائيل" ما بعد الحداثية
في عمق المجتمع الحريدي، تمثل جماعتا بيلز وغور أكثر النماذج محافظةً وراديكالية، إذ تتبنّيان رؤية دينية صارمة تُعلي من شأن الانضباط العقائدي وتحدّ من مظاهر الانخراط في الثقافة الحديثة. ويواجه المجتمع الحريدي اليوم معضلة وجودية ازدادت حدتها خلال عام 2026، مع تصاعد الجدل السياسي والقانوني حول "قانون التجنيد" ومحاولات إلزام الحريديم بالخدمة العسكرية في جيش الاحتلال، على خلفية الخسائر البشرية التي تكبدتها القوات الإسرائيلية في حروبها الأخيرة. وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري داخل الأوساط الحريدية: ما الذي يضيفه الإيمان اليهودي في دولة تهيمن عليها صهيونية علمانية أو قومية دينية متشددة؟
في مواجهة هذا التحدي، وجدت "الحريدية الجديدة" في قطاع البرمجة والتكنولوجيا مجالاً يتيح لها التوفيق بين المحافظة الدينية والانخراط في الاقتصاد المعولم، وذلك عبر مؤسسات تعليمية مثل "كلية القدس للتكنولوجيا" (Jerusalem College of Technology)، التي تحظى بدعم شبكات ومؤسسات أرثوذكسية أميركية، من بينها "تسيماش دافيد" وبنك "كروس ريفر". فالعمل في مجالات البرمجة يمنح الحريدي إمكانية الاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي من دون المرور بالمسارات التقليدية التي تفرضها مؤسسات الدولة الصهيونية، كما يسمح له بالتفاعل مع العالم الخارجي من خلال فضاء رقمي مجرد، يقلل – من وجهة نظره – من الاحتكاك المباشر بالتحولات الاجتماعية والثقافية التي يسعى إلى تجنبها، وبذلك يحافظ على نمط حياته الديني المحافظ.
تكنولوجيا الإبادة العابرة للحدود
عند هذه النقطة، يكتمل، وفق هذا المنظور، التحالف الذي تقوم عليه "إسرائيل الجديدة". فالجنرال، ورجل المال، والمستوطن – أو الحريدي المنخرط في الاقتصاد التكنولوجي – يلتقون ضمن منظومة واحدة، تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والاستيطانية.
ويكشف الاستثمار المكثف في تقنيات الذكاء الاصطناعي العسكري، مثل منظومتي "حبسورا" (The Gospel) و"لافندر" (Lavender)، اللتين ارتبط اسمهما بعمليات الاستهداف خلال الحرب، إلى جانب مراكز التعهيد البرمجي في "موديعين عيليت"، عن الكيفية التي تحولت بها "أمة الشركات الناشئة" إلى مختبر لتطوير تقنيات المراقبة والسيطرة والتطبيقات العسكرية، ثم تسويقها في الأسواق العالمية بوصفها تقنيات خضعت لاختبارات ميدانية.
ومن هذا المنطلق، لم تعد الهيمنة الصهيونية، وفق قراءة غادي ألغازي، مقتصرة على الصراع حول الأرض في فلسطين التاريخية، بل غدت نموذجاً للرأسمالية الاستعمارية العابرة للحدود، يوظف الاستيطان، والتكنولوجيا، ورأس المال ضمن بنية واحدة لإنتاج أدوات السيطرة والعنف وتصديرها عالمياً. وفي هذا التحول، يغدو الاستعمار مشروعاً اقتصادياً وسياسياً متكاملاً، تتداخل فيه آليات التوسع، والتراكم الرأسمالي، وإعادة إنتاج الهيمنة في إطار واحد.