الذهب في العراق.. من رمز الحضارة إلى ملاذ الأزمات
تطوّرت مكانة الذهب في العراق من رمز حضاري واجتماعي ضارب في التاريخ إلى سلعة باهظة الثمن، أدّت ارتفاعاتها القياسية إلى تراجع قدرته على لعب دوره التقليدي في حياة العراقيين اليومية.
-
الذهب في العراق.. من رمز الحضارة إلى ملاذ الأزمات
خلال عمليات التنقيب في المقبرة الملكية الأثرية "أور" في محافظة ذي قار جنوبيّ العراق، عثر الفريق البحثي على قطع ذهبية فريدة من نوعها يعود تاريخها إلى أكثر من 3800 عام قبل الميلاد.
ذلك الاكتشاف يؤكد أن أبناء الحضارة السومرية في العراق اكتشفوا قيمة الذهب مبكراً، فراحوا يصنعون منه الحليّ والأقنعة والأختام.
داخل تلك المملكة الضاربة في عمق التاريخي العراقي، لم يكن الذهب مجرد وسيلة للزينة، بقدر ما كان رمزاً للسلطة والمكانة الرفيعة التي تمتع بها أبناء المملكة السومرية بين شعوب العالم.
ومع تعاقب الحضارات البابلية والآشورية داخل العراق، لم يفقد الذهب مكانته المميزة، بل على العكس استمرت تلك المكانة في الارتقاء لتعبّر عن هوية الحضارات التاريخية وقدراتها وعظمة شعوبها.
ولم تتبدّل قيمة الذهب مع دخول الإسلام إلى بلاد الرافدين، فالعباسيون الذين اتخذوا من بغداد عاصمة لدولتهم، وجّهوا بصكّ "الدنانير الذهبية" لتكون عملة لهم، ليكون الذهب تعبيراً عن عظمة الدولة العباسية وسلطتها وقوة اقتصادها.
تحوّل الذهب على مر التاريخ إلى جزء لا يتجزأ من الهوية الاجتماعية العراقية، حيث تكونت علاقة عاطفية وثقافية متينة بين أبناء الفرات والذهب؛ تلك العلاقة تعدت حدود الزينة أو الادخار، لتكون أحد معالم الارتباط بالمجتمع والهوية.
علاقة العراقيين بالذهب واجهت خلال السنوات الأخيرة أزمات عديدة، حيث شهدت أسعار الذهب موجات متلاحقة من الارتفاع، جعلت اقتناء المعدن الأصفر حلماً صعب المنال على الفقراء، في حين راح الأغنياء يستخدمونه كوسيلة للادخار وملاذاً من الأزمات.
الذهب مرتبط بالهوية الاجتماعية
من أسواق الذهب التقليدية في العاصمة بغداد، إلى محلات الصياغة الفاخرة في أربيل شمالاً والبصرة جنوباً، حافظ الذهب على علاقة متينة مع العراقيين، فهو الوسيلة الأجمل لزينة النساء، والملاذ الآمن للعائلات، والأهم من ذلك أنه يمثّل سردية اجتماعية تتناقلها الأجيال لتعبر عن الارتباط بالعادات والتقاليد الأصيلة.
وفي هذا السياق لا يمكن الحديث عن الذهب بدون التطرق إلى دوره الاجتماعي في المناسبات الرسمية، وخاصّة حفلات الأعراس، حيث يُعتبر "المهر الذهب" أحد أهم تقاليد الزواج، لذلك تحرص العائلات على تقديم الذهب للعروس كجزء من التكريم والضمان المالي.
كما تعدّ الهدايا الذهبية تقليداً شائعاً بين العوائل العراقية في الولادات والمناسبات الدينية، حيث تقدم الخواتم والأساور الصغيرة للأطفال كنوع من الذكرى والبركة.
ويُعتبر "خان الذهب" في بغداد واحداً من أشهر الأسواق العراقية، والتي تحافظ على حرفة صناعة الذهب بالطرق التقليدية المتقنة، كما يوجد في بغداد أيضاً سوق "الصاغة" ضمن منطقة "الرصافة"، وسوق "الذهب" في منطقة "الكاظمية".
في حين تشتهر معظم المحافظات العراقية بوجود أسواق خاصّة لبيع الذهب، سواء المصنوع يدوياً بطريقة حرفية تقليدية، أو الذهب الحديث المستورد من بعض دول الخليج وتركيا.
اليوم، تواجه العلاقة بين الذهب وأبناء الشعب العراقي خطراً كبيراً في ظل وصول أسعار الذهب إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، ما دفع الناس للابتعاد عن شراء الذهب مقابل تأمين حاجياتهم الأساسية.
السيدة حميدة المعموري (56 عاماً) من أهالي بغداد تقول للميادين نت إن اقتناء الذهب لم يعد خياراً أساسياً لدى الكثير من العراقيين، فالناس تفكر اليوم في تأمين الحاجات الأساسية بعيداً من تخزين الذهب، لذلك فإن شراء الذهب يحدث حالياً في المناسبات فقط وبكميات محدودة.
وتشير المعموري إلى التغيّر الحاصل في بنية المجتمع العراقي بين الماضي والحاضر، فيما يتعلق بكثير من العادات والتقاليد، وهذا ما ينطبق على شراء الذهب، فالذهب لطالما كان جزءاً من هوية المرأة العراقية ومدعاةً للفخر والرفعة بعيداً من الغرور والتكبّر، لكنه اليوم بات يرتبط بطبقة محددة في المجتمع، إضافة إلى أن الكثير من الناس يشترون الذهب اليوم بغرض الادخار فقط بدون مراعاة لقيمته الاجتماعية والثقافية والجمالية.
جنون أسعار الذهب
خلال الأشهر الماضية، شهدت أسعار الذهب ارتفاعات متلاحقة حتى وصل سعر المثقال 4.25 غرامات إلى مستويات قياسية، جعلت شراء الذهب ضرباً من المستحيل على أبناء الطبقتين الفقيرة والمتوسطة.
هذا الارتفاع يأتي نتيجة مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية؛ أبرزها: صعود أسعار الذهب عالمياً ووصولها إلى مستويات غير مسبوقة بالتاريخ، إلى جانب تقلبات أسعار صرف الدولار مقابل الدينار العراقي في الأسواق المحلية، حيث وصل مؤخراً سعر صرف الدولار الواحد إلى 1480 دينار.
الارتفاع الحاد في أسعار المعدن النفيس أدى إلى تراجع ملحوظ في الإقبال على شرائه من قبل المواطنين العراقيين تزامناً مع تراجع القدرة الشرائية لديهم.
في "خان الذهب" قرب شارع الرشيد في العاصمة بغداد، تشهد نسبة عمليات البيع والشراء انخفاضاً ملحوظاً مقارنة بالفترة الزمنية نفسها من العام الماضي، لكن الصائغ كمال عبد الباقي يؤكد للميادين نت أن هذه الحالة طبيعية نتيجة الارتفاع الحاد والسريع في أسعار الذهب، لذلك يعزف الناس عن البيع أو الشراء لحين استقرار الأسواق نسبياً.
ويقول عبد الباقي: "إن أسعار الذهب في الوقت الحالي مرتفعة جداً داخل العراق نظراً لارتفاع الأسعار عالمياً، وهذا ما يجعل اقتناء الذهب صعباً على أبناء الطبقة الفقيرة، في حين يحاول أبناء الطبقة المتوسطة شراء كميات قليلة من الذهب كنوع من الادخار على اعتبار أن المعدن الأصفر من الملاذات الآمنة التي تحفظ المدخرات الشخصية من الانهيار.
بالمقابل يرى عبد الباقي أن الذهب بالنسبة للعراقيين يتعدى كونه ملاذاً استثمارياً آمناً، وإنما يمثّل قيمة اجتماعية ترتبط غالباً بالعادات والتقاليد، فالقطعة الذهبية التي يتم إهداؤها من الأهل للأبناء خلال الأعراس مثلاً، غالباً ما يتم الاحتفاظ بها لسنوات طويلة، ويتم توريثها من الأبناء إلى الأحفاد، ولا يمكن بيعها إلا في حالات الضرورة القصوى".
لا يُعتبر الذهب بالنسبة للعراقيين مجرد سلعة تجارية أو وسيلة للزينة، بقدر ما يُعبّر عن الهوية التاريخية والاجتماعية والاقتصادية للعراق، وبرغم التحديات التي يواجهها الاقتصاد العراقي اليوم، لا يزال الذهب يملك قيمة فريدة تجعله ملجأً للعراقيين، لذلك فإن دعم هذا القطاع الحيوي يجب أن يكون أولوية حكومية حتى يعود إلى لعب دوره الفعّال في دعم الاقتصاد الوطني.