الدراجات النارية في دمشق.. من وسيلة رزق إلى هاجس أمني
أثارت حملة الحكومة الانتقالية في دمشق ضد الدراجات النارية جدلاً واسعاً، بين مطالب بتعزيز الأمن والحد من الجريمة، ومخاوف من فقدان آلاف العاملين لمصادر رزقهم.
-
الدراجات النارية في دمشق.. من وسيلة رزق إلى هاجس أمني
لم تعد الدراجات النارية في العاصمة السورية دمشق مجرد وسيلة نقل بسيطة، بل تحولت إلى مصدر قلق يومي للسكان، بسبب الضجيج والحوادث والمضايقات المستمرة. كما أصبحت أداة تُستخدم في تنفيذ عمليات الخطف والسلب في وضح النهار، وسط مطالبات شعبية بإنهاء وجودها في شوارع المدينة.
في المقابل، يرى كثيرون أن الدراجات النارية شكّلت خلال السنوات الأخيرة وسيلة نقل بديلة ومنخفضة التكلفة، في ظل ارتفاع أجور النقل العام وغلاء أسعار المحروقات. كما أصبحت العمود الفقري لعمل عدد كبير من المطاعم ومحال الوجبات السريعة والمتاجر، لاعتمادها على خدمات "توصيل الطلبات".
وبين المخاطر التي تتسبب بها والحاجة المعيشية التي تلبيها، تحولت الدراجات النارية إلى قضية جدلية، في وقت بدأت فيه الحكومة الانتقالية تنفيذ خطوات عملية للحد من انتشارها داخل العاصمة.
وسيلة نقل أساسية
خلال السنوات الماضية، شهدت سوريا شحاً في المحروقات وارتفاعاً في تكاليف النقل العام، ما دفع كثيرين إلى الاعتماد على الدراجات النارية باعتبارها وسيلة نقل توفر الوقت والجهد والكلفة، برغم المخاطر التي قد تترتب على استخدامها.
كما أوجدت الدراجات النارية آلاف فرص العمل للشباب في دمشق، إذ باتت مطاعم الوجبات السريعة والمتاجر والورش الصغيرة تعتمد عليها في نقل الطلبات والبضائع الخفيفة بين الأسواق والأحياء، ما وفّر مصدر رزق لآلاف العائلات خلال السنوات الأخيرة.
ولم يقتصر استخدامها على خدمات التوصيل، بل تحولت أيضاً إلى وسيلة نقل شبه عامة، إذ تنتشر أعداد كبيرة منها في شوارع دمشق لنقل الأفراد إلى أماكن عملهم أو دراستهم مقابل أجور تقلّ عن سيارات الأجرة، التي أصبحت تشكل عبئاً مالياً على السوريين.
الشاب أمجد ديروان (29 عاماً) فقد مؤخراً مصدر رزقه الوحيد بعد أن صادرت إدارة المرور في دمشق دراجته النارية.
وكان ديروان يعمل أكثر من 12 ساعة يومياً على فترتين؛ الأولى في مجال "توصيل الطلبات"، والثانية لنقل الركاب داخل أحياء العاصمة.
ويقول ديروان لـلميادين نت: "قبل ثلاث سنوات جمعت مدخراتي لشراء دراجة نارية، وبدأت العمل مع محل للوجبات السريعة، ثم انتقلت إلى تطبيق إلكتروني متخصص في توصيل الطلبات، قبل أن أستخدم الدراجة أيضاً لنقل الأفراد خلال ساعات المساء بهدف تأمين دخل ثابت."
ويضيف: "جاء قرار المحافظة الأخير بمثابة ضربة قاضية لأحلامي، إذ صودرت دراجتي وانقطع مصدر رزقي الوحيد. وبرغم الحديث عن السماح بعودة عمل عمال التوصيل، فإن دراجتي لا تزال مصادرة حتى الآن".
جرائم في وضح النهار
أسهم الانتشار الواسع للدراجات النارية في دمشق في توفير بيئة مناسبة للصوص والعصابات التي تستخدمها في تنفيذ عملياتها، إذ شهدت العاصمة خلال الأشهر الماضية تصاعداً ملحوظاً في الجرائم، وسط عجز الأجهزة الأمنية عن ملاحقة الجناة أو الحد من نشاطهم.
وقبل أيام، قُتل شاب أثناء مقاومته محاولة سلب نفذها مجهولون كانوا يستقلون دراجات نارية خلف جامع بلال، قرب دوار البيطرة على طريق مطار دمشق الدولي.
كما شهد حي دمر حادثة أخرى، أطلق خلالها مسلحون مجهولون يستقلون دراجة نارية النار على محامٍ، قبل أن يفروا من المكان.
وفي حادثة منفصلة، سرق لصّان يستقلّان دراجة نارية رجلاً مسناً بالقرب من حديقة تشرين وسط دمشق، قبل أن يلوذا بالفرار بدون أن تتمكن الأجهزة الأمنية من إلقاء القبض عليهما.
إجراءات حكومية
برغم مساهمتها في توفير وسيلة نقل بديلة وأقل كلفة، فإن الانتشار الواسع للدراجات النارية خلال العام الأخير ترافق مع تداعيات أمنية ومرورية خطيرة.
وسجلت إحصاءات وزارة الطوارئ والكوارث في الحكومة الانتقالية خلال النصف الأول من العام الجاري 566 حادثاً مرورياً مرتبطاً بالدراجات النارية، أسفرت عن 26 وفاة وعشرات الإصابات.
وتشير المعطيات إلى أن عدد الدراجات النارية داخل دمشق ارتفع منذ مطلع عام 2025 بنحو أربعة إلى خمسة أضعاف، ما دفع اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير في الحكومة الانتقالية إلى إصدار قرار، نهاية العام الماضي، يمنع إدخال الدراجات النارية إلى الأراضي السورية بجميع أنواعها واستخداماتها، سواء كانت جديدة أم مستعملة، اعتباراً من الأول من نيسان/أبريل 2026.
وجاء القرار بعد تصاعد المطالبات الشعبية بتشديد الرقابة على هذه المركبات، في محاولة للحد من الحوادث وتنظيم حركة السير داخل المدينة.
ومؤخراً، أطلقت إدارة المرور في دمشق حملة واسعة لمصادرة الدراجات النارية غير المرخصة أو المخالفة، ومنعت تجوالها في عدد من المناطق. وأسفرت الحملة، في أيامها الأولى، عن حجز نحو تسعة آلاف دراجة، كثير منها متورط في حوادث سرقة أو مخالفات مرورية، وفقاً لمصادر حكومية.
كما اتخذت الإدارة سلسلة من الإجراءات بحق المخالفين، شملت حجز الدراجة لمدة شهر، وفرض غرامة تصل إلى مليون ليرة سورية (قديمة)، إضافة إلى منع دخولها إلى دمشق إلا بتصريح رسمي.
واستندت الحملة إلى الانتشار الكبير للدراجات النارية داخل العاصمة، وما رافقه من تجاوزات، تمثلت في السير بين السيارات وعلى الأرصفة، وارتفاع مستويات الضجيج، فضلاً عن مخالفات مرورية اعتُبرت تهديداً مباشراً لسلامة المواطنين.
في المقابل، انتشرت مقاطع مصورة وثّقت تداعيات الحملة على العاملين في مجال "توصيل الطلبات". وأظهر أحدها شاباً يناشد شرطياً عدم حجز دراجته لأنها مصدر رزقه الوحيد، فيما ظهر شاب آخر يمتطي حصاناً لاستخدامه في خدمات التوصيل بدلاً من دراجته المصادرة. كما ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بمطالبات باستثناء عاملي "الديلفري" من قرارات الحجز.
ولاحقاً، أصدرت محافظة دمشق قراراً يسمح بعودة عمل الدراجات النارية المخصصة لخدمات "توصيل الطلبات" داخل العاصمة، وفق ضوابط وشروط محددة.
ارتياح شعبي وقلق معيشي
أثارت حملة إدارة المرور على الدراجات النارية ارتياحاً لدى شريحة واسعة من سكان العاصمة، بعد انخفاض مستويات الضجيج وعودة قدر من الانضباط إلى الشوارع، وسط دعوات إلى مواصلة ضبط الدراجات المخالفة داخل المدينة.
في المقابل، ساد قلق بين أصحاب الدراجات من فقدان مصادر رزقهم نتيجة الحملة المستمرة، وما قد يترتب على ذلك من تفاقم أوضاعهم المعيشية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
وبين الهواجس الأمنية والمجتمعية من جهة، والضرورات الاقتصادية والمعيشية من جهة أخرى، تفرض قضية الدراجات النارية الحاجة إلى مقاربة متوازنة، تكافح التجاوزات والجرائم، وتحافظ في الوقت نفسه على مصادر رزق آلاف العاملين.