اختبار السردية والشرعية.. انهيار تاريخي في التعاطف الغربي مع "إسرائيل"

تُظهر استطلاعات الرأي في الغرب تحولاً متسارعاً في صورة "إسرائيل" منذ حرب غزة، مع تراجع غير مسبوق في رصيدها المعنوي وتصاعد الفجوة بين تفوقها العسكري ومكانتها لدى الرأي العام.

  • اختبار السردية والشرعية.. انهيار تاريخي في التعاطف الغربي مع
    اختبار السردية والشرعية.. انهيار تاريخي في التعاطف الغربي مع "إسرائيل"

تدلّ المؤشرات المتراكمة منذ السابع من أكتوبر وحتى الحرب على #إيران إلى أن الفجوة بين قوة "إسرائيل" العسكرية ومكانتها الأخلاقية في الوعي الغربي آخذة في الاتساع

شهدت العقود الأخيرة تحولات كبيرة في معايير قياس قوة الدول، فأصبحت أكثر شمولاً في أبعادها واتساعاً في مضامينها. فبعد أن كانت القوة تُقاس بالمعايير العسكرية والاقتصادية، وبعدد الدبابات والطائرات والصواريخ، باتت تشمل أيضاً أبعاداً ثقافية وحضارية، إضافة إلى الرصيد المعنوي الذي تمتلكه الدولة في وعي الشعوب، وسمعتها وصورتها، والبناء الأخلاقي والقيمي الذي شيّدته في أذهان شعوب العالم. فالقوة الصلبة تستطيع أن تنتصر في المعركة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تنتصر في السردية.

ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، شنّت "إسرائيل" واحدة من أعنف الحروب العسكرية في التاريخ الحديث، وصلت إلى حد الإبادة، لكنها في الوقت نفسه أشعلت حرباً أخرى أكثر خطورة وطولاً: حرب الصورة والرأي العام.

فعلى مدى عقود، روّجت "إسرائيل" في الغرب، وخصوصاً في الولايات المتحدة، لما يمكن تسميته "الرأسمال الأخلاقي الاستراتيجي". فقد قُدّمت بوصفها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، والحليف الطبيعي للغرب، والدولة الصغيرة المحاطة بالأعداء. لكن ما تكشفه استطلاعات الرأي المتراكمة منذ حرب غزة وحتى الحرب الإسرائيلية -الأميركية على إيران هو أن هذا الرصيد يتآكل بوتيرة غير مسبوقة.

والجديد هنا أن المشكلة بالنسبة إلى "إسرائيل" لم تعد مرتبطة فقط بتراجع شعبية حكومة معينة أو شخصية سياسية بعينها، بل بتحوّل بنيوي أعمق يطال صورتها في المخيال الغربي نفسه.

التحول الأميركي: من التعاطف التاريخي إلى الانقسام الحاد

يُعدّ الرأي العام الأميركي المؤشر الأهم لفهم مستقبل مكانة "إسرائيل" الدولية، لأن الولايات المتحدة تمثل الركيزة الأساسية للأمن الإسرائيلي منذ عقود. فقد أظهرت الاستطلاعات الأخيرة لمركز "بيو" للأبحاث، الصادرة في مطلع حزيران/يونيو 2026، أن 60% من الأميركيين باتوا يحملون نظرة سلبية تجاه "إسرائيل"، مقارنة بـ53% قبل عام واحد فقط، أي بزيادة سبع نقاط مئوية خلال سنة واحدة. كما أعرب 59% من الأميركيين عن عدم ثقتهم ببنيامين نتنياهو في ما يتعلق باتخاذ القرارات الدولية.

هذه الأرقام استثنائية، ليس فقط بسبب حجمها، بل أيضاً بسبب سرعتها التاريخية، إذ من النادر أن تتغير الانطباعات تجاه دولة حليفة بهذا الشكل خلال فترة قصيرة نسبياً. والأكثر أهمية أن التغير لا يقتصر على الهامش السياسي، بل يمتد إلى قلب المجتمع الأميركي.

ووفق بيانات "بيو"، بلغت نسبة المواقف السلبية تجاه "إسرائيل" 74% بين الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً، وهي الفئة التي ستشكل النخب السياسية والإعلامية والاقتصادية خلال العقدين المقبلين. وهنا تبرز إحدى أهم الظواهر السياسية في الولايات المتحدة المعاصرة، وهي الفجوة الجيلية في النظر إلى قضايا السياسة الخارجية.

ويمثل موضوع "إسرائيل" أحد الملفات التي تتقاطع فيها السياسة الداخلية مع الخارجية، إذ تظهر في كل استحقاق انتخابي بوصفها عاملاً مؤثراً في المشهد السياسي الأميركي، وفي دوائر المال والاقتصاد ومراكز النفوذ، وهو ما يمنحها قدرة كبيرة على التأثير في توجهات الإدارات الأميركية المتعاقبة.

إلا أن الجيل الذي تشكل وعيه بعد حرب العراق، وفي ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، لا يرى "إسرائيل" بالعين نفسها التي رأتها أجيال الحرب الباردة. فقد نشأ هذا الجيل على صور الدمار في غزة ولبنان، ومشاهد القصف اليومية، والتغطية الرقمية المباشرة للحروب، ما جعل العلاقة العاطفية التقليدية مع "إسرائيل" أضعف بكثير مما كانت عليه لدى الأجيال السابقة.

انهيار تاريخي في التعاطف

إذا كانت صورة "إسرائيل" تتراجع بسرعة، فإن صورة نتنياهو تتراجع بوتيرة أسرع. وتشير بيانات "بيو" إلى أن 59% من الأميركيين لا يثقون به، في حين لا تتجاوز نسبة الثقة به 27%. أما بين الأميركيين المنتمين إلى اليسار فتصل نسبة عدم الثقة به إلى 82%، وحتى بين الوسطيين تبلغ 64%.

كما أظهرت استطلاعات بين الناخبين اليهود الأميركيين أن شعبية نتنياهو وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ عودته إلى السلطة عام 2009، حيث عبّرت أغلبية واضحة عن مواقف سلبية تجاهه.

وتتحول المشكلة هنا إلى مسألة بنيوية. فمنذ سنوات، ربط نتنياهو مصير "إسرائيل" بالاستقطاب السياسي الأميركي، وأقام علاقة وثيقة مع التيار الجمهوري، وخصوصاً مع دونالد ترامب. وكانت النتيجة أن "إسرائيل" فقدت تدريجياً موقعها التقليدي بوصفها قضية تحظى بإجماع الحزبين.

فمن أخطر ما يمكن أن يصيب دولة حليفة أن تتحول علاقتها بدولة كبرى إلى جزء من الصراع الحزبي الداخلي، لأن مكانتها تصبح مرتبطة بنتائج الانتخابات والتوازنات السياسية المتغيرة.

وإذا كان "بيو" يقيس الصورة العامة، فإن استطلاعات "غالوب" ترصد التحولات الأعمق في المشاعر السياسية. ففي آذار/مارس من العام الماضي، سجلت نسبة الأميركيين المتعاطفين مع الإسرائيليين 46% فقط، وهو أدنى مستوى منذ ربع قرن من القياس المتواصل.

لكن المفاجأة الأكبر تظهر اليوم، إذ تشير استطلاعات "غالوب" الجديدة إلى أن نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين بلغت 41% مقابل 36% فقط للإسرائيليين، في سابقة تاريخية منذ بدء تتبع هذا المؤشر.

وفي تحليل اتجاهات الرأي العام، فإن الانتقال من أفضلية مستقرة إلى حالة تعادل يمثل تحولاً مهماً، أما الانتقال من التعادل إلى تفوق الطرف المقابل فيُعد عادة نقطة تحول تاريخية. وهذا ما يدفع بعض المراقبين إلى مقارنة التحول الحالي بما جرى للرأي العام الأميركي تجاه حرب فيتنام في ستينيات القرن الماضي، أو تجاه حرب العراق بعد عام 2003، حين بدأ الرأي العام يفقد ثقته بالسردية الرسمية للأحداث.

التحول داخل الحزب الديمقراطي

ربما يكون التطور الأكثر دلالة هو ما يجري داخل القاعدة الديمقراطية، إذ أظهرت استطلاعات متعددة أن غالبية الديمقراطيين باتوا أقرب إلى الموقف الفلسطيني أكثر من أي وقت مضى. وتشير بيانات حديثة إلى أن نحو 65% منهم يعبرون عن تعاطف أكبر مع الفلسطينيين، مقابل تراجع ملحوظ في نسبة المؤيدين لـ"إسرائيل".

والأهم أن هذا التحول لم يعد يقتصر على النشطاء أو الجامعات، بل بدأ ينعكس تدريجياً على الخطاب السياسي السائد. فقد تحولت غزة إلى قضية هوية سياسية داخل الولايات المتحدة، وباتت الحرب بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الشباب واليسار رمزاً لقضايا أوسع، تتعلق بحقوق الإنسان والاستعمار والعنصرية البنيوية وعدم المساواة الدولية.

وهذا ما يجعل التحول الحالي أعمق من مجرد رد فعل مؤقت على حدث عسكري.

أوروبا: التراجع أكثر وضوحاً

إذا كانت الولايات المتحدة تشهد انقساماً، فإن أوروبا تبدو أكثر حسماً. فقد أظهر استطلاع "بيو" أن متوسط المواقف السلبية تجاه "إسرائيل" في 36 دولة بلغ 67%، مقابل 25% فقط من الآراء الإيجابية.

وفي دول مثل إسبانيا وإيطاليا وهولندا، عبّر أكثر من نصف المستطلعين عن مواقف سلبية تجاه "إسرائيل". وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا التحول في أن أوروبا كانت تاريخياً الساحة الأكثر حساسية تجاه الذاكرة المرتبطة بالمحرقة وبأمن "إسرائيل".

لكن الحرب الطويلة في غزة، ثم اتساع دائرة الصراع وصولاً إلى إيران، أدت إلى تآكل هذا التعاطف التقليدي، وخصوصاً بين الشباب والطبقات المتعلمة.

وعندما اندلعت الحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران، كانت صورة "إسرائيل" قد تعرضت بالفعل لاستنزاف كبير بسبب غزة. لذلك لم تُقرأ الحرب الجديدة في أذهان كثير من الغربيين باعتبارها مواجهة مع إيران فقط، بل باعتبارها امتداداً لمسار إقليمي متواصل من التصعيد.

وتشير المعطيات التي جُمعت خلال الأسابيع الأولى من الحرب إلى أن معظم المقابلات التي أجراها مركز "بيو" تمت بعد اندلاع المواجهة، ما يعني أن نتائج تراجع شعبية "إسرائيل" ونتنياهو تتضمن بالفعل أثر تلك الحرب الجديدة.

وهذا يعني أن "إسرائيل" تواجه أزمة صورة لا ترتبط فقط بالصراع مع الفلسطينيين، بل بدورها الإقليمي الأوسع وبطريقة إدراك الرأي العام الغربي لسلوكها في المنطقة.

لماذا حدث هذا التحول؟ أربعة عوامل رئيسية

يمكن تفسير تراجع صورة "إسرائيل" في الغرب بمجموعة من العوامل:

أولاً: طول أمد الحرب. فكلما طال النزاع، تراجع التأثير العاطفي للحدث المؤسس. وفي حالة "إسرائيل" شكّلت أحداث السابع من أكتوبر نقطة ارتكاز لروايتها حول الصراع، لكن تطورات الحرب اللاحقة وما رافقها من مشاهد الدمار والخسائر الإنسانية أعادت تسليط الضوء على جذور الصراع وروايات كانت أقل حضوراً في الوعي الغربي.

ثانياً: ثورة الإعلام الرقمي، إذ لم تعد الأجيال الجديدة تتلقى المعلومات حصراً عبر المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل عبر تدفقات يومية من الصور ومقاطع الفيديو المباشرة.

ثالثاً: التغير الديموغرافي داخل المجتمعات الغربية، حيث تتقدم أجيال أكثر نقداً للسياسات الخارجية التقليدية.

رابعاً: شخصنة الصراع عبر نتنياهو نفسه، الذي أصبح بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الغربيين رمزاً للسياسات التي يرفضونها أكثر من كونه زعيماً لحليف استراتيجي.

ماذا تعني هذه الأرقام استراتيجياً؟

على المدى القصير، من غير المرجح أن تؤدي هذه التحولات إلى انهيار التحالف الأميركي - الإسرائيلي، فالمؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية التي تربط البلدين أعمق بكثير من أن تهتز بسبب استطلاعات رأي.

لكن على المدى المتوسط والبعيد، تبدو الصورة مختلفة. فالتاريخ يُظهر أن السياسات الخارجية الكبرى لا تنفصل في نهاية المطاف عن المزاج الشعبي، وقد بدأت تظهر بالفعل فجوة متزايدة بين الدعم المؤسسي لـ"إسرائيل" وبين مواقف الأجيال الغربية الصاعدة.

إن أخطر ما تكشفه هذه الاستطلاعات هو تراجع قدرة "إسرائيل" على إعادة إنتاج الشرعية السياسية والأخلاقية التي بنتها لعقود طويلة في الغرب. فالفجوة بين تفوقها العسكري وصورتها المعنوية تتسع بصورة متزايدة.

وبعبارة أخرى، قد تحتفظ "إسرائيل" بتفوقها العسكري والتسليحي، لكنها تواجه للمرة الأولى منذ عقود تحدياً حقيقياً في معركة الرأي العام العالمي. وتشير المؤشرات المتراكمة منذ السابع من أكتوبر وحتى الحرب على إيران إلى أن الفجوة بين القوة العسكرية والمكانة الأخلاقية في الوعي الغربي آخذة في الاتساع، وهي فجوة كثيراً ما شكّلت في التاريخ مقدمة لتحولات سياسية كبرى.

اخترنا لك