إيطاليا تفتح أبواب العمل لغير الأوروبيين: اليمين تحت ضغط الاقتصاد

تحت ضغط النقص الحاد في اليد العاملة والشيخوخة السكانية، تتجه حكومة ميلوني إلى توسيع الهجرة القانونية برغم خطابها اليميني المتشدد.

0:00
  • إيطاليا تفتح أبواب العمل لغير الأوروبيين: اليمين تحت ضغط الاقتصاد
    إيطاليا تفتح أبواب العمل لغير الأوروبيين: اليمين تحت ضغط الاقتصاد

تفرض التحولات المجتمعية والاقتصادية في أوروبا نفسها في معاندة التوجهات السياسية اليمينية المتنامية. إيطاليا واحدةٌ من تلك الدول التي صعد فيها اليمين سدة السلطة، وتبدو رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني من أعلى الأصوات الحاملة لهذا الزخم الداعي إلى حماية المجتمع من تدفقات المهاجرين الذي يقول اليمينيون إنهم يغيرون تركيبة المجتمع، لكنها أمام الضرورات، تجد نفسها مضطرةً إلى تجاوز محظوراتٍ سياسية مبدئية دأبت لسنوات على استخدامها في الخطاب السياسي وفي نشاطها العالم. 

ولم تكن نهاية تشرين الأول/أكتوبر الماضي عادية في هذا السياق، فقد حدث تطور لافت وسط أزمة عميقة في سوق العمل والتحديات الديمغرافية التي تواجهها، دفع الحكومة الإيطالية إلى إعلان خطة واسعة النطاق تمنح نحو نصف مليون تصريح عمل للعمال من خارج الاتحاد الأوروبي خلال الفترة الممتدة بين عامي 2026 و2028. 

تأتي هذه الخطوة في سياق استراتيجية موسّعة لتنظيم الهجرة القانونية ومعالجة العجز المتفاقم في اليد العاملة في قطاعات حيوية مثل الزراعة، والبناء، والخدمات، والرعاية الصحية.

خلفية سياسية واقتصادية

تواجه إيطاليا واحدة من أكثر الأسواق الأوروبية صعوبة في الحفاظ على مستويات تشغيل مستقرة في مواجهة تراجع السكان في سن العمل، وشيخوخة متسارعة للسكان المحليين، وهجرة بعض القوى العاملة الإيطالية إلى الخارج بحثاً عن فرص أفضل. هذه العوامل أدّت إلى نقص حاد في العمالة في قطاعات تعتمد تقليدياً على الأيدي العاملة المكثفة، ولا سيما الزراعة، والخدمات، والبناء والسياحة.

في هذا المناخ، يبرز مرسوم "ديكريتو فلوسي" (Decreto Flussi) كإطار تنظيمي جديد يعتمد نظام حصص عمل لغير الأوروبيين، وهو الأكبر من نوعه في تاريخ البلاد. هذا النظام لا يقتصر على الأرقام فحسب، بل يعتمد توزيعاً دقيقاً للتصاريح بحسب نوع العمل واحتياجات السوق، وهو ما يدل على فهم حكومي لوجستي متقدم لمسارات الهجرة والعمل داخل الاقتصاد الإيطالي.

ماذا في الأبعاد؟

بحسب الأرقام الرسمية المنشورة في الجريدة الرسمية الإيطالية، تعتزم الدولة إصدار ما يقرب من 497,550 تصريح عمل للعمال من خارج الاتحاد الأوروبي بين العامين 2026 و2028. من هذا الحجم، سيتم تخصيص الجزء الأكبر لـلعمال الموسميين في قطاعات مثل الزراعة والسياحة، بينما ستذهب نسبة مهمة إلى العمال غير الموسميين والمهنيين المستقلين في مجالات الخدمات، والبناء، والرعاية الصحية.

هذه الاستراتيجية متعددة الأبعاد تهدف إلى:

- سد الفجوة في العمالة الموسمية خلال فترات الذروة، خصوصاً في الزراعة والسياحة.
- دعم الصناعات التقنية والخدمات المهنية من خلال استقطاب مهارات لا تتوافر محلياً بأعداد كافية.
- تعزيز الأعمال الحرة والمهن التقنية عبر منح فرص للعمال المستقلين والمهنيين ذوي الخبرات الخاصة.

ويمثل هذا التوزيع تعدياً على نموذج الحصص السنوية التقليدية الذي شهد عدة سنوات من التذبذب، ويعكس انتقالاً استراتيجياً نحو تخطيط طويل الأمد للهجرة القانونية على أساس احتياجات سوق العمل الفعلية.

المبررات الاقتصادية

القرار الإيطالي ينبع من معطى اقتصادي واضح: نقص العمالة يؤثر على القدرة الإنتاجية في عدة قطاعات استراتيجية. ففي الزراعة، على سبيل المثال، تعتمد إيطاليا بشكل كبير على العمال الأجانب أثناء المواسم لجني المحاصيل والحفاظ على استمرارية الإنتاج. وبحسب تصريحات عدد من أرباب العمل الإيطاليين، فإن عدم توفر اليد العاملة المحلية يؤدي إلى اضطرابات في جداول العمل وتأخير في تنفيذ المشروعات.

وبالانتقال إلى قطاعات أخرى، تُظهر بيانات رسمية أن الطلب على العمال المهرة في المجالات التقنية والخدمات والرعاية الصحية يفوق العرض المحلي، مما يشكل عقبة أمام الاستثمارات والتوسع الاقتصادي. لذلك، تبدو استراتيجية التخطيط طويل الأجل للهجرة القانونية محاولة لإعادة التوازن بين العرض والطلب في سوق العمل بدون اللجوء إلى العمالة غير النظامية، التي غالباً ما ترتبط بمشكلات اجتماعية وقانونية.

البعد القانوني والإجرائي: نحو تبسيط العمليات

لم تكتفِ الحكومة الإيطالية بإضافة أعداد كبيرة من التصاريح، بل أرفقتها إصلاحات قانونية وإجرائية لتسهيل وتيرة منح هذه التصاريح. وخلال كانون الأول/ديسمبر 2025 أصدرت روما القانون رقم 182/2025 الذي يهدف إلى تبسيط إجراءات إصدار تصاريح العمل للعاملين الأجانب، بما في ذلك اختصار مهلة المعالجة إلى 30 يوماً للطلبات المستوفية للشروط. وهذا يعكس إدراكاً بأن الفعالية في الإصدار لا تقل أهمية عن حجم التصاريح نفسها في تحقيق الأهداف الاقتصادية والسياسية.

بالإضافة إلى ذلك، يسعى النظام الجديد أيضاً إلى توفير إجراءات التقديم المسبق (pre-filing) التي تسمح لأصحاب العمل بتحضير طلبات التصاريح قبل فتح الحصص الرسمية، ما يخفف الضغط الإداري ويزيد من فرص الاستفادة الفعلية من الحصص المتاحة.

التحديات الاجتماعية: اندماج، حقوق، ومخاطر العمالة غير النظامية

بالرغم من المبررات الاقتصادية، لا تخلو هذه المبادرة من تحديات اجتماعية عميقة، إذ ترتبط مسارات الهجرة في أوروبا دوماً بقضايا الاندماج، وحقوق العمال، وضمان عدم استغلالهم في أسواق غير منظمة. وقد أدركت السلطات الإيطالية هذه الزاوية بإضافة بنود جديدة في تشريعات الإقامة تهدف إلى حماية العمال المهاجرين من الاستغلال، ومنحهم تصاريح إقامة تستجيب لاحتياجاتهم الأساسية، لا سيما في مواجهة أشكال استغلال تُعرف محلياً باسم "الكابورالاتو" التي تستهدف العمال الموسميين والأجانب.

إلا أن هذه الحماية القانونية المتنامية تحتاج إلى آليات تنفيذية صارمة لضمان أن الحقوق الممنوحة تُترجم إلى واقع عملي، خصوصاً في القطاعات التي تعاني من ضعف في الرقابة والإشراف. كما يتطلب ذلك تنسيقاً وثيقاً مع النقابات والجهات المهنية لتوفير بيئة عمل عادلة وتحفيز التكامل الاجتماعي والاقتصادي للعمال المهاجرين.

البعد الديموغرافي والسياسي: منازعات وتوازنات

أزمة اليد العاملة في إيطاليا جزء من تحولات ديموغرافية عميقة يشهدها الاتحاد الأوروبي؛ حيث يشكل المهاجرون غير الأوروبيين نسبة بارزة في مجمل سكان الاتحاد، بما يقرب من 6.4% من إجمالي السكان في 2024، مع ارتفاع مستمر مقارنةً بالسنوات السابقة.

على المستوى السياسي، تمثل هذه الخطوة أيضاً توازناً حساساً بين السيطرة على الهجرة غير النظامية وتلبية الاحتياجات الاقتصادية. حكومة ميلوني، التي تبنت سياسات صارمة سابقاً ضد الهجرة غير النظامية، تبدو في الوقت نفسه مضطرة إلى فتح قنوات قانونية منظمة للهجرة لضمان استدامة النمو الاقتصادي وتجنّب تفاقم نقص اليد العاملة.

بين الاقتصاد، القانون، والمجتمع

يمثل القرار بإصدار التصاريح الجديدة لغير الأوروبيين تحولاً استراتيجياً في فهم العلاقة بين الهجرة وسوق العمل. فهو يمثل إعادة صياغة لسياسات الهجرة تُدمج البعد الاقتصادي مع الاعتبارات القانونية والاجتماعية. وفي الوقت نفسه، يختبر النموذج الإيطالي حدود الاندماج الاجتماعي والسياسي لهذه الفئات الجديدة في مجتمع يتسم بتحديات ديموغرافية عميقة ومواقف متباينة تجاه الهجرة.

لكن في ضوء ذلك، يبقى السؤال: هل ستنجح إيطاليا في تحويل هذه التصاريح الكبيرة إلى فرص اقتصادية حقيقية ومستدامة تعزز من قدراتها الإنتاجية وتدعم تكامل المهاجرين في نسيجها الاجتماعي؟ أم أن التحديات البنيوية –من تشابك القوانين إلى الممارسات الاجتماعية– ستعرقل الاستفادة الكاملة من هذه الفرصة؟

اخترنا لك