77% بطالة وانكماش 84%.. أرقام تكشف عمق الأزمة الاقتصادية في غزة

تكشف بيانات 2025 عن انهيار غير مسبوق في اقتصاد غزة، حيث تحوّلت المشاريع الصغيرة إلى آليات بقاء مؤقتة داخل اقتصاد مفكك يرزح تحت الحصار.

0:00
  • 77% بطالة وانكماش 84%.. أرقام تكشف عمق الأزمة الاقتصادية في غزة
    77% بطالة وانكماش 84%.. أرقام تكشف عمق الأزمة الاقتصادية في غزة

على الرغم مما يبدو أنه إعادة فتح تدريجية مبدئية للأسواق والأكشاك ومشاريع الخدمات الصغيرة في قطاع غزة، فإن المؤشرات الاقتصادية لعام 2025 كشفت أن الوضع الحالي أبعد ما يكون عن التعافي، بل يعكس حالة تفكك هيكلي غير مسبوق في الاقتصاد وسوق العمل.

 ووفقاً لبيانات نشرها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة النقد، فقد تجاوزت معدلات البطالة في قطاع غزة 77%، وهو رقم لا يعني فقط انعدام فرص العمل تماماً، بل يشير أيضاً إلى شلل شبه كامل للعلاقة بين الإنسان والاقتصاد. وبناءً على هذه الأرقام، لم يعد السوق يُدرّ دخلاً، لا في الوقت الحاضر ولا في المستقبل القريب.

وقد ترافق ذلك أيضاً مع انخفاض مذهل في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 84% مقارنةً بعام 2023، مما أدى إلى تراجع اقتصاد غزة لعقود، مسجلاً أحد أعمق انكماشات الناتج المحلي الإجمالي المسجلة عالمياً خلال حقبة الحرب المستمرة. 

تفكيك القطاعات الإنتاجية

لم يكن الانهيار سطحياً ولا عابراً، بل وصل إلى حدّ تدمير أدوات الإنتاج نفسها. فقد تراجع قطاع البناء بنسبة 99%، والصناعة بنسبة 94%، والزراعة بنسبة 92%، ما يعني أن ما دُمّر لم يكن نشاطاً اقتصادياً عابراً، بل القاعدة الإنتاجية التي يقوم عليها أي اقتصاد. كما انخفض معدل المشاركة في القوى العاملة إلى 38% فقط، وهو ما يُعدّ مؤشراً على خيبة أمل جماعية دفعت الكثيرين إلى التخلي عن البحث عن عمل، في ظل انعدام الفرص وانعدام أي أمل في المستقبل.

وفي المجال التجاري، انخفضت حصة غزة في التجارة الخارجية إلى أقل من 4%، بينما ارتفعت الأسعار بنحو 22%، وانخفض الاستهلاك بنسبة 81%، في ظل مزيج من انعدام الدخل تقريباً، وارتفاع تكاليف المعيشة، وندرة السلع.

خدمات صغيرة وتعاف وهمي

يشهد قطاع غزة انتشاراً واسعاً للمشاريع الخدمية الصغيرة، من باعة متجولين ومقاهٍ ومتاجر صغيرة، وهو ما يُصوَّر أحياناً كدليل على انتعاش اقتصادي. وتسعى بعض المنظمات الدولية إلى الترويج لهذا التوجه ضمن ما تسميه "برامج التعافي المبكر"، مع التركيز على تقديم المساعدة للمشاريع الصغيرة وبرامج "النقد مقابل العمل" كوسيلة للتخفيف من آثار الأزمة.

لكن هذا التفسير، بحسب الخبراء، مُضلِّل إذا لم يُفهم في سياقه الصحيح. ويرى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر، أن ما يحدث في غزة اليوم ليس انتعاشاً اقتصادياً، بل "تكيفاً طارئاً مع وضع استثنائي". ويُعزى شلل القطاعات الإنتاجية، نتيجة الحرب وتدمير البنية التحتية وانقطاع إمدادات الطاقة وندرة المواد الخام وإغلاق الحدود، إلى لجوء المستثمرين إلى ما هو أسرع وأرخص وأقل اعتماداً على المدخلات المستوردة.

وأضاف أبو قمر أنه على الرغم من انكماش قطاع الخدمات بنسبة 76%، إلا أنه ظل القطاع الوحيد الممكن الذي يواجه الحصار، ليس لأنه الخيار الاقتصادي الأمثل، بل لأنه السبيل الوحيد المتاح، محذراً من أن هذا النوع من المشاريع لا يُنشئ اقتصاداً حقيقياً، بل يُبقي على ما يُمكن تسميته "اقتصاد البقاء"، حيث تدور الأموال داخل المجتمع بدون قيمة مضافة، وبدون تراكم رأس المال، وبدون فرص عمل مستقرة أو ذات جودة.

المساعدات بديل من الاقتصاد؟

يرى مراقبون أن جوهر المشكلة لا يكمن في ضعف المبادرات الفردية ونقص تمويلها، بل في استمرار الحصار الإسرائيلي الذي يمنع أي دورة إنتاج أو تجارة حقيقية، ويُحوّل السعي وراء النشاط الاقتصادي إلى نشاط محدود داخل قفص مُغلق. فالحصار، مهما تنوع، يُفرض قسراً على جميع المشاريع، مما يجعلها، بحكم تعريفها، عاجزة اقتصادياً.

وهذا المشهد يذكر بتجارب اقتصادات بعد الحروب في المنطقة، التي تحوّلت المساعدات والمشاريع الصغيرة إلى أدوات لحوكمة الأزمة وترويض آثارها الاجتماعية، لا إلى مسارات لنهوض اقتصادي مستدام كما حدث في دول عربية أخرى في العقد الأخير.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة مشاهد النمو الاقتصادي الظاهري على اعتباره تعبيراً عفوياً عن روح المبادرة، بل هو نتيجة طبيعية لتحويل المساعدات الإنسانية والمشاريع الصغيرة إلى بديل قسري عن الاقتصاد الحقيقي، حيث يدفع الناس إلى ابتكار سبل عيش يومية داخل هامش ضيق قائماً على ركيزة الصمود المؤقت، لا الإنتاج أو الاستقرار.

شهادات من اقتصاد الهشاشة

في الأسواق الشعبية المؤقتة، وعلى أرصفة لا تزال تحمل آثار القصف، تتحوّل الأرقام الصعبة إلى تفاصيل يومية في حياة الناس، حيث لا يُحسب العمل بالأرباح، بل بكم يمكنك أن تستمر ليوم آخر من العمل.

يقول أحمد الغلبان (45 عاماً) الذي اضطر إلى افتتاح بسطة صغيرة لبيع المواد الغذائية في أحد شوارع مخيم المغازي: "لم يكن المشروع خياراً اقتصادياً بقدر ما هو محاولة للبقاء".

ويلفت إلى أنه "قبل الحرب، كنت أعمل في ورشة نجارة، كل شيء ذهب اليوم. البسطة هاي رزق اليوم بيومه. كل يوم ننقلها من مكان إلى مكان، مرة بسبب البلدية، ومرة بسبب الحالة الأمنية. الأسعار تتغير بسرعة والزبون ما معه، وأحياناً نوقف البيع فقط لأنه ما في فكة (صرافة)".

وفي شمال مدينة غزة، يقف محمود رزق (32 عاماً) قرب بسطة متواضعة لبيع ملابس أطفال، في فضاء مكشوف لا يمنح أي شعور بالأمان.

يقول محمود: " كنت مزارعاً لكن الحاجة جعلتني أغيّر المهنة وأبحث عمّا يقيني الجوع. الناس تأتي بكثرة لتسأل فقط، لكن الشراء قليل، الكل يفكر ألف مرة قبل ما يدفع".

لكن سامر العويني، البالغ من العمر 38 عاماً أعاد افتتاح مقهى صغير في حي النصر بعد أن خسر عمله السابق: "المقهى أصبح ملاذاً للناس للهروب من الواقع. الطلبات قليلة، والناس تمكث ساعات طويلة مقابل استهلاك ضئيل. نعمل لتغطية الإيجار والكهرباء والمياه، لا لتحقيق الربح. أي تصعيد بسيط قد يعيدنا إلى نقطة الصفر".

تعكس هذه الشهادات واقعاً واحداً: مشاريع كثيرة تتنافس على طلب ضعيف أصلاً، فتتحول الأرباح إلى مجرد مدخول يومي، والعمل اليومي إلى صراع للبقاء، لا إلى سبيل لبناء اقتصاد قادر على النهوض. 

تأجيل التعافي

تشير تقديرات الأمم المتحدة والجهات الدولية إلى أن تكلفة إعادة إعمار قطاع غزة تتجاوز 70 مليار دولار، مع احتمال أن يستغرق العودة إلى مستويات ما قبل الحرب عقوداً، حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً.

يتفق الخبراء على أن أي حديث عن انتعاش اقتصادي حقيقي مشروط بفتح المعابر، واستئناف التجارة الخارجية، وتنشيط القطاعات الإنتاجية، وإلا ستستمر المشاريع القائمة في الدوران في حلقة مفرغة من الهشاشة. إن ظهور آفاق واضحة، وعلامات "الحياة الاقتصادية" في غزة، يُفهم على أفضل وجه على أنه إرادة مجتمعية للتكيف مع الانهيار، لا دليلاً على انتعاشه.

لذا، فإن ما يُبنى ليس اقتصاداً نامياً، بل اقتصاداً هشاً للبقاء، يكافح على حافة الكفاف في انتظار كسر أكبر شوكة في وجهه: الحصار.

اخترنا لك