6 آلاف حالة بتر في غزة.. قصص "الناجين" أمام جراح لا تلتئم
تكشف شهادات من غزة عن معاناة آلاف مبتوري الأطراف، بينهم أطفال، في ظل نقص العلاج والحصار، حيث تتحول الإصابة إلى رحلة ألم جسدي ونفسي مفتوح.
-
6 آلاف حالة بتر في غزة.. قصص "الناجين" أمام جراح لا تلتئم
على سريرٍ حديديّ في أحد أقسام مستشفيات غزة، تجلس ساجدة البابا، شابة في الخامسة والعشرين من عمرها، تراقب ابنها رجب كما لو كانت تحرس ما تبقّى من طفولته، لا تبدأ حديثها عن الحرب من يوم القصف، بل من التحوّل الذي أصاب طفلها منذ الأسابيع الأولى؛ حين صار الصوت العالي كفيلاً بأن ينتزع قلبه من صدره، وحين بات النوم فعلَ طمأنة لا يحدث إلا إذا تشابكت يداهما معاً.
طفولة مبتورة
تقول ساجدة إن رجب، طفلها البكر، لم يكن مجرّد ابن، بل كان فرحة البيت كلّها، طفل نشيط، محبوب بين زملائه، متفوّق في مدرسته، لا يفارقه شغفه بالدراجة الهوائية. غير أن الحرب، كما توضّح، لم تأخذ منه اللعب فقط، بل أعادت تشكيل خوفه اليومي، فاستشهاد عمّه وخاله ترك داخله فراغاً كبيراً، جعله يلتصق بها طوال الوقت، كأنّ الفقد صار يطارده من كل الجهات.
ثم جاءت الضربة التي غيّرت كل شيء، ففي الثالث عشر من كانون الأول/ديسمبر 2024، كانت العائلة نازحة داخل فصل دراسي في مدرسة الفلاح، هرباً من القصف، حين استُهدف المكان مباشرة. تروي ساجدة المشهد بوصفه انهياراً كاملاً للحياة: سقف يتهاوى، أجساد تحت الأنقاض، وأسماء تُمحى في لحظة واحدة، في ذلك القصف، استشهدت والدتها، وشقيقها، وشقيقة زوجها، بينما خرج الجميع مصابين بدرجات متفاوتة، غير أن رجب كان الأكثر تضرراً.
توضح أن الأنقاض سحقت جسده الصغير، فتمزّقت ساقه اليمنى، واضطر الأطباء إلى بترها فور وصوله إلى المستشفى، فيما أصيب بكسر في الجمجمة، واخترقت الشظايا ساقه اليسرى، كان وضعه، كما تؤكد، حرجاً إلى حدٍّ بالغ، دخل على إثره في غيبوبة استمرت ثلاثة أيام، لم تكن خلالها تعرف إن كانت ستعود لتسمع صوته مرة أخرى.
وعندما استيقظ، بدأت مأساة من نوع آخر، تقول ساجدة إن اللحظة التي أدرك فيها رجب أنه فقد ساقه كانت بداية رحلة ألم لا تنتهي، خضع الطفل لعمليات جراحية متتالية، وعانى آلاماً تفوق قدرته على الاحتمال، حتى صار يصرخ باكياً ويتمنى الموت، بحسب ما تروي، بدلاً من العيش بهذا الوجع. ومع الوقت، تغيّر طبعه؛ أصبح سريع الانفعال، شديد الحساسية، يرفض أن يراه أحد، ويصرّ على إخفاء ساقه المبتورة، مردداً: "بدي أغطّي رجلي".
لكن الجرح، كما توضّح والدته، لم يتوقف عند حدود البتر، ففي تموز/يوليو الماضي، ومع اشتداد المجاعة وسوء التغذية في غزة، انكسر فخذ رجب الأيمن إثر انزلاقه أثناء محاولته المشي باستخدام العكّازات، وبيّن الأطباء، وفق روايتها، أنه يعاني من هشاشة عظام حادّة بسبب نقص الغذاء والدواء، ما استدعى تركيب بلاتين داخلي وجبيرة خارجية، لتتضاعف معاناته الجسدية والنفسية معاً.
اليوم، يعيش رجب على هامش المشهد. تراه والدته وهو يراقب من حوله من الأطفال يلعبون، يحاول الاقتراب منهم، ثم يتراجع بصمت، مثقلاً بإحساس النقص، أما ساجدة، فتقول إنها تقف عاجزة أمام ألمه، لا تملك سوى احتضانه ومشاهدة وجعه يتكرّر، في واقع سلب طفلها ساقه، وتركه يواجه طفولة ناقصة في زمن لا يرحم.
واقع لا شيء فيه طبيعياً
على طريقٍ رمليٍّ مدمَّر في شمال قطاع غزة، يتحرّك حمزة سالم، (33 عاماً)، بكرسيٍّ متحركٍ يدويٍّ بالكاد يصمد أمام الحفر والركام، لم يكن هذا المشهد جزءاً من حياته قبل الحرب؛ فالرجل الذي كان يعمل في محطة بترول ويعيش حياة عادية مع أسرته في مخيم جباليا، وجد نفسه فجأة أمام واقع قاسٍ أعاد تعريف كل ما كان يعتبره طبيعياً.
يستعيد حمزة اللحظة التي انكسر فيها مسار حياته، حين أُصيبت طفلته ريتال، ذات الأعوام السبعة، في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، وبُترت يدها نتيجة القصف، لم تمضِ سوى أشهر قليلة حتى جاءت الضربة الثانية، ففي شباط/فبراير 2024، وخلال نزوح العائلة نحو مدينة رفح، أُصيب هو الآخر في قصف مباشر، ما أدى إلى بتر قدميه الاثنتين، بين إصابة طفلته وإصابته، تحولت الأسرة إلى رهينة للمستشفيات، حيث قضى حمزة فترة طويلة بين الغيبوبة والعلاج، قبل أن يخرج إلى معاناة من نوع آخر.
يقول إنّ الخروج من المستشفى لم يكن نهاية الألم، بل بدايته، فمع غياب الأدوية والمسكنات، ومنع الاحتلال إدخال العلاج والغذاء المناسب للمرضى، اضطر للاعتماد على المعلبات المصنعة، في وقت كان جسده يحتاج فيه إلى رعاية خاصة، حصل لاحقاً على كرسي متحرك يدوي من المستشفى الميداني الإماراتي في رفح، إلا أن الكرسيّ، مع مرور الوقت، أصبح متهالكاً وغير ملائم لوضعه الصحي أو لطبيعة الطرق المدمَّرة.
في مدينة غزة، لا تشبه الطرقات مسارات للحركة، بل عوائق يومية. يشرح حمزة كيف تحولت كل محاولة تنقّل إلى عبء مضاعف، إذ يحتاج في كل مرة إلى من يحمله أو يرافقه، حتى جلسات العلاج الطبيعي، التي يفترض أن تخفف من معاناته، صارت رحلة عذاب، إذ إنّ الطرق مدمرة والمستشفى بعيد عن مكان نزوحه، فيرافقه ابنه مجد ذهاباً، بينما ينتظره أحد الأصدقاء لإعادته.
وسط هذا الواقع، يقف الحصار كحاجز إضافي، إذ يحول دون إدخال الأدوات المساعدة لمبتوري الأطراف والجرحى.
ويؤكد حمزة أنه لا يستطيع الحصول على كرسي كهربائي يخفف عنه وطأة الحركة، ويبقيه أسير كرسي يدوي لا يصلح لعبور الشوارع المدمّرة، ولا يوفّر له الحد الأدنى من الاستقلالية.
نداء صحي عاجل
من جانبها تتكشف وزارة الصحة في غزة عن أوضاع إنسانية صادمة يعيشها الجرحى مبتورو الأطراف في قطاع غزة، بعد الحرب التي خلّفت آلاف الإصابات الدائمة، وأثقلت كاهل النظام الصحي والأسر المتضررة.
وبحسب الصحة سُجل منذ بداية الحرب نحو 6,000 حالة بتر، جميعها بحاجة إلى برامج تأهيل عاجلة وطويلة الأمد، في ظل نقص حاد في الإمكانات الطبية والخدمات المتخصصة، ووفقاً للوزارة، فإنّ الأطفال يشكّلون قرابة 25% من إجمالي حالات البتر، ما يعني مواجهة مئات الأطفال لإعاقات دائمة في سن مبكرة، وانعكاسات جسدية ونفسية تمتد لسنوات طويلة.
وتضيف الصحة أن المعاناة تتجاوز حدود الجرحى أنفسهم، إذ تطال عائلاتهم التي تعيش ضغوطاً نفسية واجتماعية واقتصادية متراكمة، في ظل غياب الدعم الكافي، وصعوبة الوصول إلى خدمات التأهيل والعلاج النفسي والاجتماعي.
وفي هذا السياق، دعت وزارة الصحة المنظمات الدولية المعنية إلى توجيه اهتمام عاجل لقضية الجرحى مبتوري الأطراف، والعمل على تعزيز خدمات الرعاية التخصصية والتأهيلية، بما يضمن تحسين جودة الحياة لهؤلاء المصابين، ويخفف من آثار الإعاقة طويلة الأمد التي خلّفتها الحرب.