105 مبانٍ مهدّدة و700 تحتاج ترميماً في طرابلس.. مدينة على حافة السقوط

تكشف شهادات ناجين وتحذيرات خبراء عن انهيارات متكرّرة في طرابلس، شماليّ لبنان، تهدّد مئات المباني، وسط إهمال رسمي ومسح هندسي غير كافٍ يضع آلاف العائلات أمام خطر دائم.

  • 105 مبانٍ مهدّدة و700 تحتاج ترميماً في طرابلس.. مدينة على حافة السقوط
    105 مبانٍ مهدّدة و700 تحتاج ترميماً في طرابلس.. مدينة على حافة السقوط

"كنتُ على بُعد نحو 15 متراً.. وفجأة سقط المبنى"، يقول ربيع الحجي بحرقة وغصّة. هو الأب الذي نجا مع عائلته من انهيار مبنى في منطقة ضهر المغر في طرابلس، ويروي قصته وهو يكاد يجزم بأن أحداً لن يستجيب.

يقول: "في تلك الليلة كنت في محل القهوة الذي أعتاش منه أنا وعائلتي، ويبعد حوالى 200 متر عن منزلي. قرابة الساعة الحادية عشرة مساءً، اتصلت بي زوجتي لتخبرني أن المبنى خسف وظهرت فيه تشققات".

أنهى ربيع عمله وتوجّه فوراً لتفقد منزله. وعند الثانية بعد منتصف الليل، ارتفعت أصوات الصراخ في الحيّ. نظر من النافذة، فرأى بداية انهيار المبنى الملاصق لسكنه. طلب من زوجته اصطحاب طفليه، اللذين لا يتجاوز عمر كلٍّ منهما ثلاث سنوات. حملوا بعض الملابس على عجل، وفرّوا هرباً من الكارثة.

قرابة الثالثة فجراً، عاد ربيع ليجمع ما يستطيع من أغراضه. صادف حينها وصول رئيس البلدية لتفقّد المكان. وما إن نزل من المبنى ليناديه، حتى انهار المبنى الملاصق وسقط فوق منزله. يقول للميادين نت: "حسّيت إنو كل تعبي راح، وخسرت كل ذكرياتي". ويضيف: "عمري 52 سنة. اشتريت البيت قبل سنة ونصف من شقاء عمري، من التعويض، ورمّمته. اليوم ضاعت الصور والملابس وكل أوراقي الثبوتية تحت الأنقاض".

ويتابع: "نقلونا إلى فندق في منطقة الميناء، يبعد نحو كيلومتر عن عملي وبيتي الذي هُدم. المبلغ الذي أعطونا إيّاه لا يكفي للتنقل يومياً. لم أقبل البقاء في الفندق لشعوري بالذل، فنصبت خيمة، لكنها سقطت فوقي بسبب المطر والعواصف، وأرسلت عائلتي إلى منزل أهلي. كل يوم نسأل: ماذا سنفعل في شهر رمضان؟ انتخبنا نواباً لم يسألوا عنا. لو متنا لكان أهون من هذه المذلّة".

انهيارات متكرّرة… وجرس إنذار لا يُسمع

للمرة الثانية خلال أسبوعين، والثالثة على الأقل منذ بداية عام 2026، تتواصل حوادث انهيار المباني السكنية في طرابلس، ثاني أكبر مدن لبنان بعد العاصمة بيروت. فعصر يوم الأحد 8 شباط/فبراير، انهار مبنيان سكنيان مؤلفان من خمسة طوابق فوق قاطنيهما، في شارع سوريا، ضمن منطقة باب التبانة، في حادثة كارثية جديدة، تُضاف إلى سجل الإهمال المُزمن الذي يُهدد سكان المدينة شمال لبنان. 

تردّد صوت واحد في آذان الضحايا والمتضرّرين: "الطقطقة" - صوت التكسّر - الذي يكاد يشكّل الإنذار الأخير قبل الانهيار، وفق ما يصفه سكان المناطق التي شهدت سقوط مبانٍ سكنية. في ضهر المغر، حيث انهار مبنى في 7 كانون الثاني/يناير من دون تسجيل ضحايا، وفي القبة التي استفاق أهلها في 24 كانون الثاني/يناير على انهيار مبنيين، أحدهما من خمسة طوابق والآخر من ثلاثة، ما أسفر عن سقوط ضحيتين، وصولاً إلى باب التبانة، التي بدأت فيها مراسم تشييع خمسة عشر ضحية، وسط إهمال المؤسسات الرسمية وغياب المسؤولين عن معاناة أهالي طرابلس.

وعن جذور انهيار المباني في المدينة، يوضح المهندس خالد تدمري، أستاذ العمارة والتخطيط المدني في الجامعة اللبنانية وعضو سابق في مجلس بلدية طرابلس، أن الأزمة ليست وليدة اللحظة، بل نتاج تراكم سنوات من الإهمال. ويشير إلى أن جرس الإنذار دقّ بوضوح عقب زلزال تركيا وسوريا في 6 شباط/فبراير 2023، حين أدّت الارتدادات إلى ظهور تشققات في عدد كبير من المباني، ما كان يستوجب إطلاق خطة طوارئ شاملة. غير أن الحكومات المتعاقبة، بحسب تدمري، لم تبادر إلى اتخاذ إجراءات جدّية، ولم تضع مخططاً واضحاً لمعالجة الخطر المتفاقم.

جذور الأزمة

وترتبط جذور الأزمة بفترة الحرب الأهلية، حين تعرضت طرابلس لأضرار واسعة نتيجة المعارك وسقوط آلاف القذائف، من دون أن تنال لاحقاً حصة كافية من إعادة الإعمار والإنماء المتوازن. ويشير تدمري إلى أن المباني التي تشهد اليوم انهيارات تقع ضمن مناطق "أحزمة البؤس" ذات الكثافة السكانية المرتفعة جداً، ليس فقط على مستوى لبنان، بل على امتداد الساحل الشرقي للبحر المتوسط، نتيجة النزوح المستمر من الأرياف نحو المدينة بحثاً عن العمل والخدمات.

وتعود غالبية الأبنية في هذه الأحياء إلى ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إذ شُيّدت بمواد متواضعة ومعايير إنشائية محدودة لتكون في متناول ذوي الدخل المحدود، ما يجعل قدرتها على الصمود لأكثر من سبعين عاماً رهينة بالصيانة الدورية التي غابت في معظم الحالات.

ومع مرور الوقت، جرى تقسيم الشقة الواحدة إلى أكثر من وحدة سكنية، وأضيفت طوابق وأجزاء فوق مبانٍ قائمة، بعضها مُنح تراخيص خلال الحرب الأهلية وما تلاها، وبعضها في سياقات انتخابية وخدماتية، ما زاد من الأوزان والضغوط على الهياكل الإنشائية. كما ساهمت خزانات المياه والاستخدام المكثف لشبكات الصرف الصحي في إنهاك البنية التحتية القديمة، التي لم تُحدَّث برغم تضاعف عدد السكان على مراحل متتالية.

كما أن جولات القتال المتكررة في باب التبانة وجبل محسن، وما خلّفته من اهتزازات وارتدادات للقذائف والاشتباكات على مدى أكثر من عشرين جولة عنف، كان لها أثر كبير، إضافة إلى العوامل الطبيعية من عواصف وأمطار من دون أي عمليات تدعيم أو إعادة تقييم جدية للمباني، وفق تدمري. واعتبر أن ما تشهده طرابلس اليوم هو نتيجة تراكم طويل من الإهمال وغياب التخطيط والرقابة الهندسية.

أرقام مقلقة… ومسوحات غير كافية

أمّا بشأن عدد المباني المهدّدة بالسقوط، فيُرجّح مصدر في اتحاد بلديات الفيحاء للميادين نت أن نحو 105 مبانٍ تُصنّف ضمن خانة الخطر الداهم، فيما يحتاج قرابة 700 مبنى إلى ترميم عاجل.

في المقابل، يؤكد تدمري أن تحديد رقم دقيق يبقى أمراً صعباً، موضحاً أن المسوحات التي أُجريت خلال السنوات الثلاث الماضية غير كافية وغير دقيقة، لأنها اقتصرت على تقييمات نظرية، في حين أن أساسات الأبنية وحركة تمدد مواد البناء تتطلب فحوصاً تقنية متخصصة باستخدام أجهزة استشعار وتحاليل مخبرية، وهو ما لم يُنفّذ في أي مبنى. ويضيف أن من غير المستغرب، في هذا السياق، أن تعلن بلدية طرابلس أن المبنيين اللذين انهارا لم يكونا مدرجين على لائحة المباني المئة وخمسة المصنّفة مهدّدة بالسقوط السريع.

وبالنسبة إلى الخطوات المطلوبة نحو معالجة الكارثة، فيرى تدمري أن المسؤوليات تتوزع بين مؤسسات الدولة، حيث تقع على عاتق البلدية إخلاء المباني المهددة بالسقوط بشكل سريع، والقيام بعملية مسح مفصل، وهذا ما لم يحصل في فصل الصيف، ولا بعد سقوط أول مبنى في منطقة ضهر المغر. ومن واجباتها الضغط على الحكومة بما تتضمن من وزارة الأشغال لمعالجة البنى التحتية، ووزارة الشؤون الاجتماعية لمتابعة أوضاع المهجرين والفقراء والبطالة. ويشير إلى ضرورة إشراك وزارة الثقافة بسبب وجود عدد من المباني المهددة ذات طابع تراثي.

ويختم تدمري أن انتهاء فصل الشتاء لا يعني انتهاء الخطر، بل قد تتفاقم الكارثة مع تبدل درجات الحرارة وجفاف المياه التي تسربت إلى جدران الأبنية، ما يؤدي إلى تمدد المواد وتبخر المياه وتغير في الرطوبة وصدأ الحديد، وقد تزيد هذه العوامل من احتمالات الانهيارات في الفصول المقبلة، وهو أمر متوقع علمياً وهندسياً.

طرابلس على حافة انهيار بطيء

من جهته، يقول الصحافي المتابع لملف المباني في شمال لبنان، جمال محيش، للميادين نت إن استجابة الجهات المعنية جاءت مخيّبة للآمال، مشيراً إلى أن البلديات والنواب يكتفون بدور المعزّي وإحصاء الضحايا، من دون خطوات عملية تُعالج جذور الأزمة. واعتبر أن وضع البلدية استقالتها بتصرّف الحكومة يُعدّ إعلاناً واضحاً عن عجز السلطة المحلية، في وقت تجد فيه العائلات المتضررة نفسها بين التشرد والعراء، في مدينة "تشيّع نفسها" يومياً، على حدّ وصفه، حتى بات المشهد مؤلماً أثناء تأدية العمل الصحفي.

يُذكر أن عدداً من انهيارات المباني في طرابلس، التي وقعت بعد اللحظات الأولى من السقوط، لم تحظَ بتغطية كافية في الإعلام أو باهتمام واسع في الرأي العام، ما أدى إلى تضارب الأرقام والإحصاءات، في ظل استمرار عمليات الإخلاء. وبين تحذيرات المختصين وشهادات الناجين، تبدو طرابلس وكأنها تمضي نحو انهيار بطيء، حيث تتحوّل المباني التي تؤوي سكانها إلى مصدر تهديد لحياتهم، ويُترك الأهالي أمام خيارين أحلاهما مرّ: البقاء في بيوت آيلة للسقوط، أو النزوح وخسارة ما تبقّى من ثقة بقدرة الدولة على حمايتهم.

اخترنا لك