"أنت منذ بيرزيت غيرك": عن زخم معرفيّ أقوى من الاحتلال

اقتحمت قوات الاحتلال حرم جامعة بيرزيت في كانون الثاني/يناير 2026، في امتداد لسياسة ممنهجة تستهدف الجامعة منذ عقود لمحاصرة دورها الأكاديمي والحركي بوصفها إحدى أبرز ساحات الوعي والمقاومة في فلسطين.

  • "أنت منذ بيرزيت غيرك": عن زخم معرفيّ أقوى من الاحتلال

في السادس من كانون الثاني/يناير 2026 اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي حرم جامعة بيرزيت، بينما كان يؤمّه أكثر من 15 ألف طالب وموظفٍ وإداري، خلال يومٍ أكاديمي اعتيادي، تضمّنت فعالياته نشاطاً طلابياً تضامنياً مع الأسرى الفلسطينيين، يشمل عرض فيلمٍ ووقفة احتجاجية.

الاقتحام الذي استمر لساعات، أسفر عن إصابة 11 طالباً بجروحٍ متفاوتة، واحتجاز نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية، والاستيلاء على معدات تخصّ الحركة الطلابية، وتخريب عددٍ من مرافق الجامعة، لكنه برغم وحشيته لم يكن الاقتحام الأول في تاريخ بيرزيت.

"روح بيرزيت"

تأسست جامعة بيرزيت، التي تقع على بعد 25 كيلومتراً إلى الشمال من مدينة القدس، كمدرسة ابتدائية للفتيات على يد نبيهة ناصر، عام 1924، ثم طُورت لتغدو مدرسة ثانوية مختلطة، ومن ثم كُلية عام 1942، تؤهل طلبتها للانتقال إلى الصفّ الجامعي الثالث مباشرة في كثير من الجامعات العربية والغربية، حتى فترة الستينيات حين بدأت إدارتها إلغاء الصفوف الابتدائية والإعدادية والثانوية تدريجياً، لتبدأ مع السبعينيات مرحلة توسعٍ تؤدّي لدرجة البكالوريوس في كليّتي الآداب والعلوم.

وما إن تحولت كلية بيرزيت إلى جامعة عام 1972، حتى تكاثفت هجمات الاحتلال بحقها مستهدفةً ما وصفه الأكاديمي عبد الرحيم الشيخ بـ"روح بيرزيت"، وما عرّفه أول رؤسائها، حنا ناصر بأنه "الفكر الثوري الحر"، عبر أكثر من 15 اقتحاماً خلال العقود الثلاثة الأولى، من بينها إغلاق 8 كانون الثاني/يناير 1988 العسكري.

حينها أغلق الاحتلال مؤسسات التعليم العالي الفلسطينية في الضفة الغربية، لمدة 51 شهراً (حوالى 4 سنوات و3 أشهر) بهدف قمع النشاط الطلابي والمقاومة الشعبية. لكن منظومة الجامعة التفّت على الإغلاق بمواصلة التعليم عبر مجموعات صغيرة موزعة بين المنازل والقاعات الأهلية والكنائس، فيما عُرف حينها بـ"التعليم الشعبي/اللامركزي".

لم توقف الهجمات عند حدود الاقتحام أو الإغلاق، بل إن سعي الاحتلال منذ البداية لمحاصرة وجود بيرزيت كمنظومة أكاديمية مقاومة، امتد للطاقم الإداري والوظيفي، فبعد أقل من عام على اكتمال بيرزيت كجامعة أقدمت سلطات الاحتلال على ترحيل رئيسها حنا ناصر ونفيه من الأراضي الفلسطينية، لمدة 19 عاماً، كما اعتقلت العشرات من الطلبة والأساتذة، وفرضت إقامات جبرية على العديد منهم، وداهمت منازل ومؤسسات أهلية استُخدمت للتدريس خلال فترات الإغلاق، ومنعت طلبة قطاع غزة من الالتحاق بالجامعة، استمرّ ذلك حتى عودة السلطة الفلسطينية عام 1993.

بيرزيت: حقل معرفي لا ينضب

برغم القيد العسكري والأمني، أنتجت جامعة بيرزيت نخبة فلسطينية منسجمة مع مختلف ألوان الطيف الفلسطيني والفعل السياسي والعسكري، فمنها خرج قادة المقاومة ومهندسوها مثل مؤسس حركة الجهاد الإسلامي الدكتور فتحي الشقاقي، والمهندس الأول لكتائب القسام يحيى عياش، والمهندس الثالث أيمن حلاوة، كما خرّجت كلاً من الأسرى مروان البرغوثي وإبراهيم حامد ومحمود شريتح، والأسير المحرر زكريا الزبيدي، والأسير الشهيد خضر عدنان، ومن الساسة والمناضلين هُناك المناضلة خالدة جرار، والدبلوماسي حسام زملط، ووزير الأسرى السابق عيسى قراقع، ورئيس الوزراء السابق محمد اشتية، والروائية سحر خليفة، وغيرهم من نخبة المقاومة والسياسة والثقافة.

هذا الإنتاج المتصاعد أطلق امتداداً وطنياً وإقليمياً للجامعة، وتأثيراً سياسياً وفكرياً يتفوق على معظم الجامعات الفلسطينية، بإنتاجها أربعة أجيال من النخب قبل أوسلو وبعدها، وبتوفيرها بيئة سياسية لتجارب سابقة للميدان الحقيقي عبر حراكها الطلابي الكثيف، واستقطابها المبكر لمثقفين نقديين وأكاديميين منغمسين بقضايا التحرر، مثل عبد الستار قاسم، وصالح عبد الجواد وحنان عشراوي وغيرهم، ما وضع الطالب في بوتقة التعرض اليومي لخطاب فكري ناقد يستفز وعيه ومواقفه، وجعل من أنشطتها الطلابية، وخاصة مناظرتها ودعايتها الانتخابية بوصلة استفتاء للمزاج الفلسطيني العام، ومقياساً لمستقبل المقاومة في الضفة الغربية.

الوعي كفعلٍ مقاوم

منذ اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2002 حتى اليوم، عاد الفعل العسكري الإسرائيلي لمحاصرة بيرزيت، فاقتحمتها آلياته عشرات المرات، ليلاً ونهاراً، معتقلةً طلاباً من أمام أبوابها ومن داخل حرمها، تاركة في كل اقتحام بصمتها من العنف والوحشية، ومؤكدة أمام كل موسمٍ انتخابي طلابي عزمها انتزاع إرادة الطلبة بالحرية، ومحو موقع الجامعة من حقول المعرفة والمقاومة، باعتقال كوادر مجالسها الطلابية، وبإعلان كتلتين من جسمها الطلابي منظمات إرهابية (الكتلة الإسلامية التابعة لحركة حماس، والقطب الطلابي الديمقراطي التقدمي التابع للجبهة الشعبية)، يُحظر التفاعل معها أو الانتماء لها، ويجرم بالأسر من يثبت عليه ذلك، وبطرد الأكاديميين الدوليين ومنعهم من التدريس فيها، ونصب حواجز ونقاط تفتيش تُحيط بها، والتضييق على عروضها الثقافية وفعالياتها الطلابية، بدون أن تنجح في إطفاء روح بيرزيت أو انتزاع شعلتها.

لكن لماذا لم ينجح الاحتلال في محو بيرزيت كبنية للوعي والمقاومة، بينما جرّد جامعات فلسطينية أخرى من أدوارها الوطنية المقاومة؟

في الواقع يعود ذلك لصكٍ غير مرئي جمع مكونات بيرزيت على مدى عقود، يصفه عبد الرحيم الشيخ بأنه "ذاتها الجماعية بأركانها الطلابية والنقابية والإدارية"، هذه الذات الجماعية الجامعة تُحافظ على حيوية وديمومة العمل الطلابي والنقابي بمرونة عالية، فيما تعمل بالتوازي على كسر احتكار المنظومة الرسمية والاستعمارية للمعرفة والمقاومة الناشئة عنها.

لكنّ المثير أنّ مُعاملات الكسر لا تقتصر هنا على استهداف منظومة المحتل، بل تبدأ بمقاومة أيّ جهدٍ إداري لتطويع الطلبة أو الإداريين والموظفين، أو تجاهل ظروفهم. وتقود هذه المقاومة كلٌّ من نقابة العاملين في الجامعة والجسم الطلابي فيها، عبر الإضرابات والاعتصامات ومظاهر الاحتجاج والرفض الصريح، انتزاعاً للحقوق وحفاظاً عليها مهما بدت هامشية، من النظام التقاعدي والوظيفي، إلى التسجيل والدوام والقروض والأقساط وغيرها.

وهو ما فرض على الهيئات المتوالية لإدارة الجامعة، الحفاظ على السمعة المتقدمة لها على غيرها من جامعات الوطن، عبر نمطٍ من العلاقة العائلية مع نقابة العاملين والإداريين، وسلوكٍ أبويٍ في تعاملها مع الطلبة، ألزمها باحتواء الطرفين والتفاعل المتفهم مع ظروفهم، وفرض عليها تالياً الحفاظ على مسافة واحدة من كل مكونات العمل الطلابي، والحرص على حرية العمل الطلابي والنقابي، والانتظام القسري في إجراء الانتخابات الطلابية في جوٍّ من الحرّيات يُشهد له.

ثم تتصل المقاومة الأولى بمقاومة طلابية وإدارية أكبر، تتجاوز أبواب الجامعة ومحيطها، وتواجه منظومة رسمية فلسطينية تسعى للتطويع تحت مظلة التنسيق الأمني، وللتكميم بديلاً من الحرية، ثم تتصاعد مقاومة الطالب والإداري لمقاومة أكبر وأعمق، هي مقاومة المحتل وكسر استعماره.

بهذه الحال، برزت بيرزيت استثناءً أيضاً، حين قررت منذ البداية أن تكون المقاومة بوصلة لها، مقاومة انتزاع الحقوق، ثم مقاومة الهيمنة السلطوية على الحريات، فمقاومة الاحتلال، فأنتجت أجيالاً مقاومة بمعرفتها ووعيها، شعارها منذ عتبة التخرج: "أنت منذ بيرزيت، غيرك".

عموماً، فمن نافلة القول التأكيد أنّ هذه المقاومة لم تكن يوماً بسلاسة الكلمات ولا برومانسية المعنى، فالسجلّ الطويل لتضحيات طلبة بيرزيت وطاقمها، من أسرى وشهداء وجرحى ومُبعَدين عن الجامعة، يشهد أنّ سجال الحريات لم يهدأ ولم يُحسَم بعد، وأنّه متواصل وتوّاق إلى مزيد من التضحيات والصمود.
 

***

عام 1976، في حفل التخريج الأول لطلبة الجامعة من كليتي العلوم والآداب، وعبر تسجيل مهرَّب بعد إبعاده عن فلسطين، خاطب رئيس الجامعة المُبعد حنا ناصر خريجيها بالقول: "عليكم أن تدركوا أن كل فرد منكم عَلَم فلسطيني... وأن أهم مسؤولياتكم في هذه الحقبة أن تصمدوا في أماكنكم أمام كل التحديات لتبقى هذه الأعلام خفاقة على أرض فلسطين الطيبة".

اخترنا لك