"السوبر بول" بين "باد باني" وترامب: ساحة انقسام أميركي حول الهجرة والهوية
بين السياسة والترفيه، وبين الشارع والشاشات العملاقة، عكس "السوبر بول" هذا العام انقسام الأميركيين حول الهجرة. حدثٌ يُفترض أنه جامع تحوّل إلى ساحة جدل سياسي تكشف عمق الخلاف حول الهوية والمهاجرين.
-
"السوبر بول" بين "باد باني" وترامب: ساحة انقسام أميركي حول الهجرة والهوية
اكتظت المقاهي والمطاعم وأماكن الترفيه في أنحاء الولايات المتحدة يوم الأحد، الـ8 من شباط/فبراير، وأقيمت التجمعات وحفلات المشاهدة في المنازل، حيث تجمّع السكان، من مختلف الخلفيات والجنسيات، لمتابعة واحد من أبرز الأحداث السنوية في البلاد: المباراة النهائية السنوية لبطولة دوري كرة القدم الأميركية (NFL)، أو "السوبر بول".
منذ "السوبر بول" الأول، في كانون الثاني/يناير 1967، وصولاً إلى اليوم، صار يوم المباراة، المعروف بـ"أحد السوبر بول"، بمنزلة عيد غير رسمي في الولايات المتحدة. تستبق التغطيةُ الإعلامية واسعة النطاق الحدث، ويجتاح "السوبر بول" محركات البحث ووسائل التواصل الاجتماعي، بينما تشهد المدينة المضيفة أجواءً احتفالية، وهي سانتا كلارا في ولاية كاليفورنيا هذا العام. أما الحدث نفسه فيتجاوز المباراة والرياضة، ويرافقه احتفال وعرض ترفيهي يعتمد الإبهار، ويشارك فيه فنانون عالميون، إلى جانب الإعلانات غير العادية التي تضمّ مشاهير ومخرجين سينمائيين من هوليوود.
حققت جميع مباريات "السوبر بول" إقبالاً جماهيرياً واسعاً منذ انطلاقها، وتصدّرت نسب المشاهدة التلفزيونية باستمرار، حتى عُدَّ الكثير منها من بين أعلى الأحداث الرياضية التلفزيونية مشاهدةً على الإطلاق. لكن الحدث هذه المرة تجاوز الغايات الترفيهية والتجارية أيضاً، حتى حضر في النقاش السياسي في الولايات المتحدة، جنباً إلى جنب مع قضية الهجرة، التي أخذت تتفاعل بشكل غير مسبوق منذ بداية هذا العام.
ترامب: كارثة.. لا أحد يفهم الإسبانية!
بلغ هذا الحضور الذروة مع تعليق الرئيس دونالد ترامب على الحدث، واصفاً العرض بين شوطي المباراة بأنه من "أسوأ العروض على الإطلاق". رأى ترامب أن العرض "ليس إلا صفعةً لبلدنا، الذي يحقق إنجازات جديدة ويحطّم الأرقام القياسية يومياً"، وأنه "كارثي بكل ما للكلمة من معنى، لا معنى له، وإهانة لأميركا، ولا يمثّل معاييرنا في النجاح والإبداع والتميز". ولم ينسَ ترامب الدعوة إلى "جعل أميركا عظيمةً مرةً أخرى"، لكن الأبرز في تعليقه كان قوله إن "أحداً لا يفهم كلمةً مما يقوله هذا الرجل".
"هذا الرجل" الذي تحدّث عنه ترامب ليس سوى "باد باني"، أو بينيتو أنطونيو مارتينيز أوكاسيو، المغني البورتو ريكي الذي قدّم العرض الغنائي في "السوبر بول". قدّم "باد باني" العرض الغنائي بين الشوطين، من قلب حقول قصب السكر، بالإسبانية، التي يتحدث بها أكثر من 40 مليون شخص من أصل نحو 343 مليوناً في الولايات المتحدة (هذا العدد هو ما تشير إليه أقلّ التقديرات، وبعض الأرقام يفيد بأن متحدثي الإسبانية في الولايات المتحدة يفوقون 50 مليوناً).
لم يقتصر الأمر على أغانٍ بالإسبانية، فحتى الأغنية التي أدّتها "ليدي غاغا" بالإنكليزية، وهي أغنية "Die With a Smile" التي لاقت رواجاً واسعاً للغاية، لم تقدَّم بطابعها الأصلي، بل قدِّمت بأسلوب السالسا. كما تضمّن العرض زفافاً بالإسبانية أيضاً. أما الأبرز فكان "باد باني" متقدماً أشخاصاً يحملون أعلام دول أميركا اللاتينية. افتتح "باد باني" هذا القسم من العرض بعبارة "God Bless America"، التي اعتاد العالم أن يسمع الرؤساء الأميركيين يرددونها في خطاباتهم. لكن أميركا المقصودة هنا لم تكن الولايات المتحدة، بل كان استخدام العبارة للدلالة على القارة الأميركية كاملةً، إذ عدّد المؤدي دولَ أميركا اللاتينية، ليذكر بعدها الولايات المتحدة وكندا.
لا يأتي تناول "السوبر بول" منفصلاً عن سياق الأحداث التي جرت في الولايات المتحدة منذ بداية هذا العام، الذي افتتحه ترامب باختطاف الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، وزوجته، ليطلق بعد ذلك تهديدات ضدّ دول أخرى في أميركا اللاتينية، ككولومبيا وكوبا. تبعت ذلك الاحتجاجات التي اندلعت في إثر مقتل الأميركيين رينيه غود وأليكس بريتي في مينيابوليس، برصاص "وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك"، "ICE"، التي اعتقلت عشرات الآلاف من المهاجرين الأميركيين اللاتينيين.
تصدّرت "ICE" التصريحات في المهرجانات والاحتفالات الفنية في الولايات المتحدة، وأبرزها حفل توزيع جوائز "الغرامي"، الذي تمت استعادة لحظة منه في "السوبر بول". وبالحديث عن هذه اللحظة، يعود "باد باني" إلى الواجهة، بوصفه أول فائز بـ"غرامي" لألبوم مؤلف من أغانٍ إسبانية بالكامل. أدلى "باد باني" بواحدة من أكثر الكلمات التي أثارت جدلاً خلال الاحتفال: "قبل أن أشكر الله، أريد أن أقول فلتخرج ICE. لسنا متوحشين أو حيوانات أو غرباء. نحن بشر وأميركيون".
اقرأ أيضاً: "الأعداء على الأبواب".. هكذا يجنّد ترامب الشباب في "ICE" ضدّ المهاجرين
الأميركيون منقسمون بين "باد باني" وترامب
بين السياسة والترفيه، وبين الاحتجاجات على الشوارع ومشاهدة الشاشات العملاقة، ظهر الانقسام بين الأميركيين حول قضية الهجرة والمهاجرين مجدداً. تحوّل "السوبر بول" إلى مناسبة للتصنيف: بين "باد باني" وما يمثّله من تعبير عن "السعادة والمحبة والحياة"، وترامب وما يمثّله من تعبير عن "الظلام والخوف والكراهية"، بنظر البعض، أو العكس، بنظر البعض الآخر".
وبينما تصاعد الجدل بشأن اختيار "باد باني" لتقديم العرض الغنائي في "السوبر بول"، أوضح مراقبون ومحللون أن هذا الخيار جاء بسبب سعي دوري كرة القدم الأميركية، "NFL"، للتوسع عالمياً. بدا اختيار مغنٍّ يحظى بنحو 35 مليون متابع على "تيك توك" و50 مليوناً على "إنستغرام" منطقياً لتحقيق هذا الهدف. لكن هذا لا يعني أن المسؤولين في "NFL" مؤيدون لمواقف "باد باني"، وخصوصاً فيما يتعلق بالهجرة، بل هو يظهر أن هدفهم الأول هو الاستمرار في جذب الفنانين وجماهيرهم لمشاهدة الحدث السنوي الضخم.
معارضو سياسات ترامب والمدافعون عن "باد باني" رأوا أن العرض أبرز التنوع في الولايات المتحدة. وفي حين وصف ترامب العرض بأنه من "الأسوأ على الإطلاق"، احتفى به آخرون معتبرين أن "باد باني صنع التاريخ في السوبر بول"، وأنه منح تاريخ بورتو ريكو - وأميركا اللاتينية - وثقافتها صوتاً. ذهب هؤلاء إلى تصوير "باد باني" على أنه "بطل" في وجه ترامب وإدارته، لأنه أدى عرضاً ضخماً بالإسبانية، في وقت بات فيه التحدث بهذه اللغة تهمةً كافيةً لتقوم "ICE" بالاعتقال والترحيل.
على المقلب الآخر، عبّرت شريحة من الأميركيين عن غضبها إزاء العرض الذي قدّمه "باد باني"، ومعارضتها إياه بسبب "عدم تمثيله الثقافة الأميركية". رأى هؤلاء أن "باد باني ليس أميركياً أصلاً، وكان الأجدى به أن يؤدي أغانيه في بلده بدلاً من الولايات المتحدة".
وكان اختيار "باد باني" ألهم بإجراء فعالية مضادة، هي: "عرض ما بين الشوطين الأميركي بالكامل" (All-American Halftime Show). قدّمت منظمة "Turning Point USA"، التي أسسها تشارلي كيرك، هذا العرض، وقد ضمّ مغني موسيقى الريف و"الراب روك" و"الهيفي ميتال"، "كيد روك" (Kid Rock) وآخرين. وبالفعل، عبّر هذا القسم من الأميركيين عن معارضته العرض الأساسي في "السوبر بول" عبر مقاطعته، ومشاهدة العرض المضاد بدلاً منه.
هكذا إذاً، حضر "السوبر بول" هذا العام في الولايات المتحدة بوصفه حدثاً سياسياً. العرض الذي كان يُفترض أنه مدعوم من الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء شكّل مساحةً جديدةً عبّر من خلالها سكان الولايات المتحدة عن مواقفهم إزاء سياسات ترامب وقضية الهجرة، فضلاً عن أنه دفع إلى طرح أسئلة عن حقيقة "الحضارة أو الثقافة الأميركية وما تمثله".
حتى البيت الأبيض، قبل "السوبر بول" بثلاثة أيام، أعلن أن ترامب سيشاهد المباراة، لكنه يعتزم تغيير القناة خلال عرض ما بين الشوطين، فهو "يفضّل أداء كيد روك على أداء باد باني".