مواليد الإبادة في غزة.. هل الخيمة هي العالم؟
أطفال وُلدوا خلال حرب الإبادة في غزة، لم يعرفوا من الحياة سوى النزوح والقصف والجوع، فيما تهدد الحرب نموهم الجسدي والنفسي وتصنع جيلاً مثقلاً بجروحٍ قد ترافقه طويلاً.
-
مواليد الإبادة في غزة.. هل الخيمة هي العالم؟
لم يفتحوا أعينهم في مهدٍ دافئ، ولا على جدران منزل يحتضن طفولتهم، ولا على صوت أمٍّ تغني لطفلها لينام. كانت أولى أنفاسهم تختلط برائحة البارود، وأولى الأصوات التي حفرت في ذاكرتهم دويَّ الانفجارات، وأولى المشاهد التي استقبلتها أعينهم خياماً ممزقة، وسماءً لا تغادرها الطائرات المسيّرة، وأحياءً تحولت إلى أكوام من الركام.
هؤلاء هم مواليد الإبادة في قطاع غزة؛ أطفال أبصروا النور منذ اندلاع عدوان الاحتلال الإسرائيلي، ولم يعرفوا من الحياة سوى الحصار والنزوح والجوع والخوف. إنهم جيل تشكّلت ملامحه الأولى تحت القصف، وكُتبت أولى فصول نشأته في واحدة من أكثر الحروب دمويةً وتدميراً في التاريخ الفلسطيني الحديث.
ميلاد في قلب الدمار
داخل خيمة بالية، تحتضن الفلسطينية ريما العبسي طفلها حسين، الذي لم يعرف من العالم سوى الحرب. لم يفتح عينيه على منزل أو غرفة أطفال، بل على خيمة نزوح، فيما سبقت أصوات الانفجارات صرخته الأولى، وأصبحت الطائرات الحربية جزءاً من تفاصيل أيامه الأولى.
تتوقف ريما للحظات وهي تراقب صغيرها يغفو فوق فراش رقيق بالكاد يفصله عن الأرض، قبل أن تستعيد أحلامها التي سبقت الحرب. وتقول للميادين نت: "كنت أحلم بسريره الصغير، وألعابه، وملابسه الأولى، وكيف سأستقبله وسط أفراد عائلتي، لكن الاحتلال سرق كل تلك الأحلام".
وتضيف أن المخاض باغتها خلال رحلة نزوح قاسية، بينما كانت تبحث عن مكان آمن، واضطرت إلى الوصول إلى مستشفى يعاني نقصاً حاداً في الأدوية والمستلزمات الطبية، وسط خوف دائم من فقدان طفلها قبل أن تضمه بين ذراعيها.
ومنذ ولادته، تنقّل حسين بين الخيام ومراكز الإيواء، من دون أن يعرف دفء المنزل أو معنى المكان الآمن. وتخشى والدته أن يكبر معتقداً أن الخيمة هي البيت، وأن أصوات القصف جزء طبيعي من الحياة، شأنه شأن آلاف الأطفال الذين بدأت ذاكرتهم الأولى بين النزوح والركام، بدلاً من البيوت والحدائق.
طفولة بين جيلين
في أحد مراكز الإيواء غرب مدينة غزة، تجلس إيمان السوسي بين أمتعة نزوحها، مستعيدةً الفارق بين طفولة أبنائها الذين ولدوا قبل الحرب، وطفولة طفلها الأصغر يوسف، الذي أبصر النور خلال الحرب.
وتوضح السوسي، في حديثها للميادين نت، أن أبناءها الأكبر احتفظوا بذكريات عن المنزل والأمان، بينما بدأت ذاكرة يوسف من واقع النزوح، حيث لا مكان ثابتاً للعب ولا مساحة آمنة لاكتشاف العالم.
وتقول: "إخوته ناموا في غرفهم، ولعبوا في شوارعهم، أما هو فلم يعرف سوى الخيام، وطوابير المياه والطعام، والخوف"، لافتةً إلى أن الحرب لم تحرم أطفال غزة من تفاصيل طفولتهم اليومية فحسب، بل أعادت تشكيل ذكرياتهم الأولى، التي باتت ترتبط بالخيام والركام وأصوات القصف، بدلاً من البيوت والحدائق والألعاب.
وتشير إلى أن يوسف قد يكبر معتقداً أن هذا الواقع هو الحياة الطبيعية، بينما الحقيقة أن طفولته اختُزلت في النزوح والخوف والانتظار، بدلاً من أن تبدأ في بيت آمن، وبين الألعاب والذكريات العائلية، كما هي حال بقية الأطفال.
الجوع يلاحق المواليد
ولا تقتصر معاناة مواليد الحرب على الخوف والنزوح، بل تمتد إلى أجسادهم التي واجهت نقص الغذاء والرعاية منذ أيامهم الأولى.
ومن بين هؤلاء الطفل خالد علي، الذي واجه الجوع قبل أن يعرف معنى اللعب. ففي ظل اشتداد أزمة الغذاء، اضطرت عائلته إلى أكل الشعير وأعلاف الحيوانات بعد نفاد المواد الغذائية الأساسية.
وتقول والدته شيرين، في حديثها للميادين نت، إن أصعب ما تواجهه الأم حديثة الولادة هو العجز عن توفير الغذاء الذي يساعدها على إنتاج الحليب وإرضاع طفلها، في ظل ظروف تحرمها أبسط مقومات الرعاية.
وبعد فترة، أصيب خالد بسوء تغذية حاد استدعى نقله إلى المستشفى، بعدما فقد جزءاً كبيراً من وزنه وبدا الهزال واضحاً على جسده، كما شُخِّصت إصابته بدودة متحوصلة، في ظل نقص الأدوية والعلاجات، وفق ما تؤكد والدته.
لكن معاناة خالد لم تتوقف عند جسده، بل امتدت إلى نموه النفسي واللغوي. فعلى الرغم من اقترابه من عامه الثالث، لا ينطق سوى كلمات قليلة، وأصبح يرتبط في ذاكرته كل صوت مرتفع بالخوف.
وتشير شيرين إلى أن أي صوت قوي يدفعه إلى الاحتماء بها، بعدما أصبحت الانفجارات جزءاً من تجربته الأولى مع العالم، مبيّنةً أنه عندما يرى الألعاب في الأسواق أو المحال، يكتفي بالنظر إليها والإشارة نحوها، قبل أن تضطر إلى إبعاده، لأن أبسط تفاصيل الطفولة باتت بالنسبة إليه أمنيات مؤجلة.
وتوضح أن الحرب تركت أثراً واضحاً على سلوكه، إذ أصبح أكثر انطواءً وخوفاً من محيطه، في وقت يفترض أن تكون سنواته الأولى مرحلة اكتشاف ولعب وأمان.
أزمة صحية تهدد جيلاً كاملاً
بحسب وزارة الصحة في غزة، تصاعدت خلال الحرب حالات سوء التغذية بين الأطفال، وسُجلت حالات من سوء التغذية الحاد تهدد حياتهم وتؤثر في نموهم الجسدي والعقلي.
وفي مؤشر آخر على تداعيات الحرب، كشف مدير عام وزارة الصحة في غزة عن تراجع غير مسبوق في أعداد المواليد، إذ انخفضت الولادات من 6076 حالة في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 إلى 2004 حالات فقط في نيسان/أبريل 2026، بنسبة بلغت 67%.
ويربط مختصون هذا التراجع بالظروف الصحية والإنسانية القاسية التي تعيشها النساء الحوامل، نتيجة نقص الغذاء والأدوية وتراجع الخدمات الطبية، ما أدى إلى ارتفاع مخاطر الولادة المبكرة وانخفاض أوزان المواليد.
جروح لا تُرى
ولا تتوقف تداعيات الحرب عند الجسد، فالسنوات الأولى من حياة الطفل تمثل مرحلة حاسمة في بناء الدماغ والجهاز العصبي. ويؤكد مختصون أن التعرض المستمر للخوف وأصوات القصف، والحرمان من الغذاء والرعاية، قد يترك آثاراً عميقة وطويلة الأمد في النمو الجسدي والنفسي والمعرفي.
وفي هذا السياق، يحذر الاختصاصي النفسي فضل عاشور من أن الأطفال الذين يولدون أو يكبرون في بيئة الحرب يواجهون تهديدات مباشرة لنموهم النفسي والاجتماعي، بعدما أصبحت طفولتهم محاطة بالركام والقتل وأصوات الصواريخ ومشاهد النزوح.
ويقول عاشور، في حديثه للميادين نت، إن هؤلاء الأطفال حُرموا من حقوقهم الأساسية، بدءاً من اللعب والتعليم والرعاية الصحية، وصولاً إلى الأمان الأسري والبيئة الطبيعية التي تساعدهم على اكتساب المهارات وبناء شخصياتهم، مشيراً إلى أن كثيراً منهم يعيشون داخل الخيام ومراكز الإيواء في ظل غياب المساحات الآمنة ووسائل الترفيه والتعليم والرعاية المتخصصة.
ويبيّن أن آثار الحرب قد تتحول إلى عبء طويل الأمد يرافق هذا الجيل في مختلف مراحل حياته، موضحاً أن إنقاذ أطفال غزة لا يقتصر على وقف القتال، بل يتطلب خطة شاملة لإعادة بناء النظام الصحي، وضمان التغذية السليمة، وتوفير برامج الدعم النفسي والحماية والتعليم المبكر.
ويلفت إلى أن سوء التغذية خلال الحمل أو الرضاعة أو السنوات الأولى من عمر الطفل يترك آثاراً مستمرة في صحته الجسدية ونموه، وقد يؤدي إلى ضعف البنية الجسدية، وتأخر النمو، ومضاعفات صحية متعددة، من بينها ضعف المناعة، وتساقط الشعر، ومشكلات الجلد، والهزال العام.
ويوضح عاشور أن الصدمات النفسية الناتجة عن الحرب، إلى جانب مقارنة الأطفال أنفسهم بأقران يعيشون حياة طبيعية، قد تؤدي إلى تراجع الثقة بالنفس وصعوبات في التواصل والاندماج الاجتماعي، مشيراً إلى أن تأخر النطق لدى بعض الأطفال في غزة يرتبط بحرمانهم من بيئة آمنة ومحفزة تساعدهم على التطور اللغوي والمعرفي.