من الجامعة إلى سيارات الأجرة.. شباب العراق في مواجهة البطالة

يواجه آلاف الشباب والخريجين في العراق أزمة بطالة متفاقمة، تدفع كثيرين إلى العمل خارج اختصاصاتهم أو التفكير بالهجرة، في ظل محدودية فرص العمل، والاعتماد على النفط، وتزايد أعداد الخريجين والعمالة الأجنبية.

0:00
  • من الجامعة إلى سيارات الأجرة.. شباب العراق في مواجهة البطالة
    من الجامعة إلى سيارات الأجرة.. شباب العراق في مواجهة البطالة

على سيارة أجرة في مدينة كربلاء العراقية، يعمل الشاب كاظم عبد الجبار لأكثر من 10 ساعات يومياً، في سبيل تأمين مصدر رزق ثابت يؤمن له حياة كريمة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يشهدها العراق حالياً، وخصوصاً ما يتعلق بارتفاع معدلات البطالة وانعدام فرص العمل.

الشاب الذي تخرّج قبل ثلاثة أعوام من كلية الاقتصاد – قسم المحاسبة، لم يتمكن حتى الآن من إيجاد فرصة عمل ضمن اختصاصه الجامعي، فلم يجد حلاً إلا العمل كسائق أجرة إلى حين العثور على فرصة عمل مناسبة.

يقول عبد الجبار للميادين نت: "بعد التخرج، بحثتُ لأشهر عن عمل ضمن اختصاصي الجامعي، وطرقت جميع الأبواب المُتاحة داخل وخارج كربلاء لكن لم أجد فرصة مناسبة، فكان الحل الوحيد المتبقي أمامي هو العمل على سيارة والدي لحين العثور على فرصة مناسبة".

ويضيف الشاب العشريني: "برغم عملي على سيارة الأجرة، لم أوقف البحث عن فرصة عمل جيدة، لكن الحرب التي شهدتها المنطقة انعكست سلباً على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية داخل العراق، فأصبح من شبه المستحيل الحصول على فرصة عمل مناسبة، وهذا الأمر ينطبق على عدد كبير من زملائي الذين ما زالوا يبحثون عن عمل".

حال كاظم عبد الجبار ينطبق على الآلاف من الخريجين الجامعيين الذين يواجهون ظروفاً معقدة للحصول على فرصة عمل مناسبة ضمن اختصاصاتهم، في وقت تواجه فيه السوق المحلية ارتفاعاً قياسياً في أعداد الخريجين وانخفاضاً حادّاً في فرص العمل المُتاحة، ما خلق فجوة كبيرة في المجتمع أدت إلى ارتفاع قياسي في معدلات البطالة.

البطالة تنخر المجتمع العراقي

تشير المعلومات المتوفّرة إلى ارتفاع كبير في معدل البطالة داخل العراق، وخصوصاً ضمن فئة الشباب، وأظهرت إحصائية أجرتها شركة Statista الألمانية المتخصصة في بيانات السوق والمستهلكين عالمياً، أن معدل البطالة في العراق سجل ارتفاعاً طفيفاً خلال العام الماضي.

وذكرت الشركة، أن معدل البطالة في العراق ارتفع عام 2025 ليبلغ 15.49%، مقارنة بـ15.28% في العام 2024، ما يعكس استمرار الضغوط في سوق العمل.

من جانبه، صنّف موقع Trading Economics العراق ضمن قائمة أعلى عشر دول عربية في معدلات البطالة لعام 2025، مما يعكس فشل السياسات التراكمية في إحداث اختراق حقيقي لمعالجة الأزمة.

بالمقابل، تؤكد مصادر غير رسمية أن معدل البطالة مرشح للارتفاع هذا العام بشكل أكبر، في ظل الركود الاقتصادي الذي خلّفته الحرب المستمرة في الشرق الأوسط.

وتكمن العلة الجوهرية داخل العراق في الاعتماد شبه الكامل على النفط كمصدر رئيسي للدخل القومي، حيث يساهم بنحو 90 بالمئة من موازنة الدولة، لكنه لا يوظف سوى نسبة ضئيلة من القوى العاملة، وهذا ما يفرض تحركاً حكومياً شامل لتنويع مصادر الاقتصاد، ودعم المشاريع الصغيرة، وجعل القطاع الخاص شريكاً في التنمية الوطنية.

وبالعودة إلى الإحصائيات الرسمية، وتحديداً ما يتعلق بفئة الشباب؛ تؤكد بيانات الأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية أن معدل بطالة الشباب في العراق يبلغ نحو 35.8%، في حين لا تتجاوز مشاركة النساء في سوق العمل إلا 10.6%.

وتؤكد المؤشرات السكانية في العراق أن فئة الشباب تشكّل نحو 37% من السكان، فيما تزيد نسبة من هم دون سن الخامسة والعشرين على 60% من إجمالي عدد السكان.

وتأتي هذه الإحصائيات الصادمة لتدق ناقوس الخطر، خاصّة أن فئة الشباب تشكّل الكتلة السكانية الأكبر، ما يجعل توفير فرص العمل واستثمار الطاقات البشرية، أولوية اقتصادية واجتماعية لأيّ حكومة عراقية، لتجنب تفاقم الضغوط على سوق العمل.

وحول هذه النقطة، يؤكد الشاب عبد الرحمن خفاجي خريج كلية الإعلام من جامعة بغداد للميادين نت أن الشباب العراقي يمثل الثروة الوطنية الأكبر، لذلك يجب استثمار قدراته ومهاراته في تنمية الاقتصاد بدلاً من إقصائه عن سوق العمل.

ويضيف خفاجي: "يواجه الشباب العراقي اليوم تحديات عديدة، منها ارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف برامج التدريب، وغياب الدعم للمشاريع الصغيرة، بالإضافة إلى غياب فرص العمل التي تؤمّن مستقبل الشباب، وكل ذلك يجعل من الهجرة خياراً أساسياً في أذهان الشباب، وخاصّة الخرّيجين".

اعتصامات مستمرة

لم تقتصر النداءات التي أطلقها الخريجون في العراق على مواقع التواصل الاجتماعي، بل امتدت إلى الشارع على شكل احتجاجات سلمية اجتاحت الشوارع لمُطالبة الحكومة بالبحث عن حلول فعّالة وسريعة لمشكلة البطالة.

وشهدت مدن عراقية عدة احتجاجات متكررة لخريجين يطالبون بالتعيين الحكومي، كان آخرها اعتصام حاشد شهدته العاصمة بغداد، نظمه خريجون من تخصصات مختلفة، بينهم مهندسون وأطباء، رافعين لافتات تطالب بتوفير فرص عمل حقيقية وإنهاء سنوات الانتظار الطويلة.

ودعا المعتصمون الحكومة إلى معالجة أزمة البطالة المتفاقمة بين فئة الشباب، والعمل على توفير فرص عمل تتناسب مع الأعداد المتزايدة لخريجي الجامعات والمعاهد، وإيجاد الحلول لملف التعيينات، حيث لا يزال آلاف الخريجين بانتظار فرص التوظيف منذ سنوات، برغم الوعود الحكومية المتكررة بمعالجة هذا الملف.

ويواجه سوق العمل المحلي سنوياً ما بين 250 ألف إلى مليون خريج جديد بإضافة "الدارسين في الخارج"، مما يخلق فجوة هائلة بين مخرجات التعليم والقدرة الاستيعابية لسوق العمل المحلي.

ويرى خبراء أن هذه الزيادة قد تمثل فرصة اقتصادية لتحقيق التنمية الشاملة إذا تمكنت الحكومة من استيعابها وتوفير فرص العمل المناسبة لها، واستثمارها في مجالات التعليم والصحة والقطاعات الحيوية الأخرى، لكنها قد تتحول إلى عبء اقتصادي واجتماعي إذا تم تهميشها وتجاهل مطالبها وعدم توفير الفرص المناسبة لها.

العمالة الأجنبية

لا تقف مشاكل الشباب العراقي عند حدود الإهمال الحكومي، أو انعدام الفرص ضمن سوق العمل المحلي، بل تصل أيضاً إلى ارتفاع معدلات العمالة الأجنبية داخل العراق لتكون منافساً قوياً لليد العاملة المحلية.

وفي هذا السياق تؤكد وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في العراق تسجيل نحو 47 ألف عامل أجنبي بشكل رسمي داخل البلاد، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى اتخاذ إجراءات مشددة بشأن استقدام العمالة وحصرها بالمهن النادرة.

بالمقابل، تؤكد مصادر غير حكومية أن أعداد العمالة الأجنبية تفوق الرقم الحكومي المُعلن بأضعاف، ما يشكّل ضغطاً إضافياً على السوق المحلية.

وربما هذا ما يفسّر تأكيد وزارة العمل بأن عدد المفتشين في الوزارة لا يتناسب مع حجم مشكلة العمالة الأجنبية في العراق، إذ أن عدد المفتشين قليل قياساً بعدد العاملين وحجم الظاهرة.

وبين الوعود الحكومية التي لا تترجم إلى قرارات فعلية، وبين العمالة الأجنبية التي تُغرق السوق المحلية، يبقى الشباب العراقي بانتظار الحلول الفعالة لأزمته المستمرة منذ سنوات، في وقت تزداد فيه الضغوط الاجتماعية والأعباء المالية على الفئة الأكبر داخل المجتمع العراقي.

اخترنا لك