من أرنون إلى 25 أيار و"آحاد العودة".. الجنوبيون يفرضون التحرير
بين تحرير أرنون في 1999 ويوم التحرير في 25 أيار 2000، استمر نضال الشعب اللبناني ضد الاحتلال الإسرائيلي، ليشهد عام 2025 "آحاد العودة" التي تمثل نقطة فاصلة في مسار استعادة الأراضي المحتلة بالنار برغم التضحيات المستمرة.
-
من أرنون إلى 25 أيار و"آحاد العودة".. الجنوبيون يفرضون التحرير
فرض مجتمع جبل عامل عام 2000 على الـ25 من أيار/مايو أن يكون عيداً للتحرير، يُعاد إحياؤه والتذكير به سنوياً، بعدما حققت مشاهد اقتحام القرى، الموسومة باللهفة، الانسحاب الأوحد للاحتلال الإسرائيلي من أراضٍ عربية محتلة "بدون قيد أو شرط".
إذاك، صاغ مشهدَ التحرير، صور هروب "جيش" الاحتلال الإسرائيلي، واقتحام معتقل الخيام – الذي لُقّب بـ"المسلخ"- إضافة إلى تحديث الأهالي للسياج الشائك، بعدما لانَ بين أيديهم المتّقدة إصراراً.
لكن مشهد التحرير هذا لم يبدأ في أيار/مايو 2000، بل كان ثمرة نضال تعود إلى شباط/فبراير 1999، حيث كانت تلك الفترة بمثابة الشرارة الأولى التي أشعلت معركة التحرير، والتي بدأت بالاحتجاجات الشعبية الرافضة للاحتلال ومرّت بتضحيات كبيرة من الأهالي.
ففي الـ16 من شباط/فبراير، وقعت قرية أرنون، الواقعة جنوبي شرقي مدينة النبطية، بأكملها تحت الحصار، حين عمد "جيش" الاحتلال إلى عزلها بالأسلاك الشائكة عن محيطها، ومنع أهلها من العودة إليها.
بعد ذلك، تتابعت الاعتصامات الرافضة للحصار والاحتلال المفروض على القرية، التي كانت مستبعدة من القرى التي تُعتبر ضمن ما يُسمى بـ"الشريط الحدودي". وبدأت موجة الاحتجاجات بالتسارع والتوسع، معتمدة على قاعدة شعبية واسعة كان عمودها الفقري الطلاب الجامعيين، الذين دعمهم بقوة الأحزاب الوطنية والجمعيات الأهلية، مما جعل الضغط الشعبي أكثر تأثيراً وقوة.
استمر الأهالي في التجمهر على أطراف القرية حتى الـ26 من شباط/فبراير 1999، حيث بلغ الاعتراض الشعبي ذروته بعد دعوة من إمام بلدة النبطية، الشيخ عبد الحسين صادق. حينها، أقدم المحتشدون على إزالة الشريط الشائك ودخول القرية، مما دفع قوات الاحتلال الإسرائيلي، المتمركزة في قلعة الشقيف (التي بقيت تحت الاحتلال حتى عام 2000)، إلى التحرك لمواجهة الوضع.
ظلّ الأهالي في حالة كرّ وفر مع جنود الاحتلال، لكن الشريط الشائك الذي كان يمثل قيداً لهم ولقريتهم لم يعد إلى مكانه مرة أخرى، لتتذوق أرنون طعم الحرية قبل باقي القرى. كانت هذه اللحظة بمثابة نقطة فاصلة في مسار استعادة الأراضي التي ظلت تحت الاحتلال الإسرائيلي لمدة نحو عشرين عاماً.
كما كان يوم "تحرير أرنون" نقطة فارقة في مسار تراكم الصمود الذي قاد إلى يوم الحرية الأبرز في آخر أيار/مايو من العام التالي، يمثل أمامنا اليوم ما أصبح يُعرف بـ"آحاد العودة" في العام 2025.
فبعد حرب قاسية لم يشهد جنوب لبنان مثيلاً لها في العصر الحديث، وما سبقتها من انتكاسات مرّت بها هذه الأرض وشعبها، انطلق الأهالي صبيحة الـ27 من تشرين الثاني/نوفمبر 2024، عائدين إلى قراهم التي أبعدهم عنها العدوان. لكنهم آثروا التريث قبل العودة إلى الخط الأمامي، مراعاة لتعليمات الجيش اللبناني، ولإفساح المجال أمامه للانتشار في هذه القرى التي ظل الاحتلال الإسرائيلي يتذرع بمهلة الانسحاب التي امتدت إلى 60 يوماً.
ومع انقضاء هذه المهلة، استمر الاحتلال الإسرائيلي في تعنته، رافضاً الالتزام بتعهداته. إلا أن الشعب اللبناني اندفع بحماس هائل نحو قراهم في صبيحة الـ26 من كانون الثاني/يناير 2025، محررين أجزاء منها تحت ضغط شعبي هائل. وبرغم النصر الذي حققوه، كانت فاتورة هذا الاندفاع باهظة؛ حيث استشهد 24 لبنانياً، وأسر آخرون، إضافة إلى عدد كبير من الجرحى.
ومع تمديد مهلة الانسحاب حتى الـ18 من شباط/فبراير من العام نفسه، قرّر الأهالي أن يتخذوا من أرضهم درعاً، فرابطوا على تخوم قراهم وفي الأجزاء التي تم تحريرها، في انتظار الموعد الجديد للانسحاب.
وفي صباح "أحد العودة الثاني"، اندفع الأهالي نحو قراهم بحماس مشابه لما كان عليه الحال في "الأحد الأول"، فأثمرت حركتهم تحرير أجزاء جديدة من تلك القرى. وبرغم ذلك، لا يزال الجزء الأكبر منها تحت وطأة الاحتلال المباشر، أو ما يُسمى "الاحتلال بالنار"، عبر استهداف كل من يقترب من المناطق التي يعتبرها "الجيش" الإسرائيلي "محظورة".
وبذلك، لم تثمر "آحاد العودة" تحريراً كاملاً كما كان في أيار 2000، إلا أنها، وبطريقتها الخاصة، تعيد إلى الأذهان مشهد "تحرير أرنون" في شباط 1999.
لذلك، لا يمكن اعتبار الـ26 من كانون الثاني والـ18 من شباط 2025 مجرد تواريخ في الذاكرة، بل هما نقاط حاسمة في مسار استعادة الأراضي التي أُعيد احتلالها.