منطقة الموت: "الخط الأصفر" في غزة يفاقم مآسي السكان
الخط الأصفر الذي فرضه الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة يواصل تهديد حياة المدنيين، حيث يعزل المناطق، يُعمق معاناة السكان، ويجبرهم على النزوح القسري. هذه الإجراءات تهدف إلى ترسيخ الوجود العسكري وتوسيع الاستيطان، مما يزيد من المعاناة الإنسانية.
-
منطقة الموت: "الخط الأصفر" في غزة يفاقم مآسي السكان
يعيش آلاف سكان قطاع غزة القريبين من "الخط الأصفر" رعباً دائماً وتهديداً يومياً للحياة، بعدما حوّله الاحتلال الإسرائيلي إلى حزام واضح على الأرض باستخدام كتل إسمنتية صفراء كبيرة في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2025، ضمن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار الذي قسم القطاع إلى نصفين.
ويمتد الخط من شمال غزة إلى جنوبه بعمق 2–7 كيلومترات، يشمل أحياء وبلدات مثل الشجاعية، التفاح، الزيتون، بيت حانون، بيت لاهيا، رفح وشرق خان يونس. ويسيطر الاحتلال على نحو 60% من مساحة القطاع كمناطق قتال خطرة، مع حظر دخول الفلسطينيين، ما جعله رمزاً لمعاناة السكان وخوفهم من الانفجارات والدمار.
رعب دائم
تتجلى ذروة المعاناة في أن الاحتلال يلاحق حتى من يحاولون الهرب من نيرانه العشوائية. إذ تقول منيرة صالحة، المقيمة في مركز "اليمن السعيد" للإيواء بمخيم جباليا شمال القطاع، لـلميادين نت: "نعيش في رعب دائم حتى داخل المخيمات، فالاحتلال لا يترك لنا أي مساحة آمنة، ويطلق الرصاص الحي وقذائفه مباشرة، ما يؤدي أحياناً إلى استشهاد بعض النازحين، بينما يختبئ الأطفال مرعوبين وكبار السن عاجزون عن التحرك".
وتضيف صالحة: "الاحتلال لا يستهدفنا بالرصاص والقذائف فحسب، بل يمنع وصول الغذاء والمياه إلينا، ومن يخرج للحصول على الماء أو الحطب معرض للاستهداف المباشر".
وتشير إلى أنّ الخدمات الطبية غير كافية، وغالباً يموت الجرحى بسبب تأخر إسعافهم، مبينةً أنّ "الحياة هنا أصبحت بالنسبة إلينا انتظاراً للموت، والخوف جزء من حياتنا اليومية، وأطفالنا يتذكرون صوت الطائرات والدويّات أكثر من أصوات اللعب أو الضحك".
خط الموت
وتزيد من المخاطر تمركز آليات الاحتلال قرب مخيمات الأهالي، ما يعرّض السكان للهجمات اليومية التي أودت بحياة بعضهم وأصابت آخرين، فسمّوا هذه المناطق "خط الموت" نظراً للظروف الأمنية والمعيشية الصعبة والمأساوية.
مثل الطفل زاهر ناصر شامية (16 عاماً) الذي قضى لحظاته الأخيرة وهو يلعب بالقرب من مخيم حلاوة شمال شرقي القطاع، بعد أن أصيب برصاصة أطلقها قنّاص إسرائيلي، ثم دهسته آلية عسكرية، ما أدى لانشطار جسده، ونُقل جثمانه بصعوبة إلى مجمع الشفاء الطبي بعد خمس ساعات.
ويؤكد الفلسطيني خليل أبو وردة، أحد النازحين في المخيم، للميادين نت، أنّ الاحتلال منع السكان من الاقتراب أو إسعاف الطفل، واستمر بإطلاق النار يومياً على المنطقة رغم تصنيفها "مناطق آمنة"، موضحاً أنّ "الاحتلال وسّع نطاق الخط الأصفر بإزاحة المكعبات الإسمنتية غرباً بالتزامن مع أعمال الحفر والتمشيط، ما زاد من خطورة المنطقة على المدنيين".
قضم الأراضي وتهجير السكان
يوسّع جيش الاحتلال يومياً الخط الأصفر، ناقلاً المكعبات الصفراء لابتلاع المزيد من الأراضي، إذ خلال الشهر الماضي، شهدت الشجاعية بمدينة غزة، بني سهيلا بخان يونس، ومخيم جباليا شمالاً ثلاثة توسعات متتالية، ترافقها قصف وتمهيد ناري كثيف، فيما تقلص هذه السياسات مساحة القطاع بدلاً من تحريره.
وفي مؤشر واضح على النية الاستراتيجية لتثبيت الخط، أعلن رئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زامير، اعتبار الخط الأصفر خطاً حدودياً جديداً لـ"إسرائيل"، مؤكداً استعداد الجيش لسيناريو حرب مفاجئة، في دلالة على ترسيخ الوجود العسكري داخل القطاع.
المسن بلال المشهراوي اضطر مع عائلته للنزوح هرباً من نيران الاحتلال، بعد تقدم آلياته العسكرية ووضع مكعبات إسمنتية صفراء حول منزله، في مشهد تكرر مع مئات الأسر في الشجاعية، التي فقدت منازلها بالكامل بسبب "الخط الأصفر".
ويؤكد المشهراوي في حديثه إلى الميادين نت، أنّ الاحتلال يهدف إلى بث الرعب بين السكان عبر تكتيكات عسكرية مرعبة، منها استخدام روبوتات محمّلة بأسطوانات متفجرة تُفجر داخل المنازل، ما يعرّض الجميع للموت أو الإصابة.
ويلفت إلى أنّ المنطقة أصبحت خالية من السكان والمحال التجارية، وتتحول ساعات الليل إلى فترات رعب بسبب إطلاق النار العشوائي، كما أنّ إنقاذ المصابين شبه مستحيل لغياب وصول سيارات الإسعاف، ما يجعل أبسط الأمور كالطعام والماء مغامرة خطيرة.
صعوبة الوصول للخدمات
في جنوب شرق خانيونس، اقترب الاحتلال 150 متراً من شارع صلاح الدين، ووسع الخط الأصفر في مخيمي البريج والمغازي بين 400 و450 متراً. كما نسف المنازل في المناطق الشرقية، وشنّت طائرات "كواد كابتر" هجمات بقنابل حارقة على النازحين والمناطق القريبة من الخط.
مع حلول المساء، يسود الصمت والخوف في مناطق قرب الخط الأصفر بخان يونس، حيث لا يجرؤ الأهالي على الخروج حتى لتلبية أبسط احتياجاتهم خشية القتل أو الاعتقال، بحسب أحمد شبير، أحد النازحين في خيمة هناك.
ويشير لـلميادين نت إلى أنّ الهروب شبه مستحيل، فإما أن تكون المنازل مدمّرة بالكامل، أو تقع داخل مناطق الخط الأصفر التي تقيد الحركة، موضحاً أنّه مع حلول فصل الشتاء، غمرت الأمطار معظم خيام النازحين، تاركة الأسر بلا مأوى أو حماية من البرد والرياح.
ويبين أنّ "الخطر لا يقتصر على إطلاق النار، بل يشمل صعوبة الوصول للخدمات الحيوية بسبب تدمير الطرق وشح وسائل النقل، خاصة قرب الخط الأصفر، مع استمرار استهداف المواطنين وهدم المنازل، وتضرر خيام النازحين بفعل شظايا التفجيرات والبرد والأمطار".
تعزيز الإبادة
ووفق وزارة الصحة في غزة، بلغ إجمالي الشهداء منذ بدء وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025 386 شهيداً و1018 مصاباً، معظمهم نتيجة نيران الاحتلال في المناطق الواقعة خلف الخط الأصفر.
وأعلن المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أنّ "إسرائيل"، بعد اتفاق وقف إطلاق النار، فرضت ما يُعرف بـ "الخط الأصفر" على نحو 58% من مساحة قطاع غزة، مؤكداً أنّ هذا الخط لا يقتصر على الاستيلاء على الأراضي، بل يعزز سياسة الإبادة الجماعية.
دماء ودمار
من جانبه، يفيد الناطق باسم الدفاع المدني، محمود بصل، بأنّ قوات الاحتلال نسفت عشرات المنازل والمربعات السكنية شرق غزة بعد وقف إطلاق النار، ما أدى إلى سقوط شهداء وإصابات بين المدنيين في المنازل ومخيمات الإيواء غرب الخط.
ويؤكد بصل في حديث إلى الميادين نت، أنّ تقدّم الخط الأصفر أكثر من 300 متر أجبر مئات العائلات على النزوح نحو مناطق تفتقر للخدمات، ما أدى إلى تكدّس السكان في ظروف إنسانية صعبة.
ويحذر من مخاطر فصل الشتاء على حياة المدنيين، مؤكداً أنّ وتيرة العمل الإغاثي لا تزال بطيئة ولا تلبي حجم الاحتياجات المتفاقمة.
بنية عسكرية وتوسع استيطاني
بدوره، يؤكد مدير عام المكتب الإعلام الحكومي، أنّ الاحتلال أنشأ بنية تحتية عسكرية على طول الخط الأصفر تشمل مواقع محصنة وأبراج مراقبة ومرابض مدفعية، خاصة شرق غزة وخان يونس، في مؤشر على نية تثبيته دون انسحاب.
ويوضح الثوابتة للميادين نت أنّ تحويل الخط إلى حد دائم يخدم أهدافاً ديموغرافية واستراتيجية، مثل فصل المناطق، تقييد عودة النازحين، والاستحواذ على الأراضي، ما يهدد التركيبة السكانية والحقوق المدنية والسياسية، ويعرّض المدنيين لمخاطر مستمرة ويعطل الإخلاء وخدمات الطوارئ.
ويشير إلى أنّ الاحتلال ارتكب 738 خرقاً لوقف إطلاق النار خلال 60 يوماً، ما أسفر عن 386 شهيداً، و980 جريحاً، و43 حالة اعتقال، مع تدمير المنازل وتقويض الالتزام الإنساني الذي لم يتجاوز 38%، إذ دخلت فقط 13,511 شاحنة من أصل 36,000، ما عمّق الكارثة الإنسانية.