منازل بلا شباب.. كابوس الهجرة يطرق أبواب السوريين مجدداً
تتواصل هجرة الشباب السوري برغم انتهاء الحرب وسقوط النظام، مدفوعةً بتدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية، فيما تترك وراءها منازل خالية وأهلاً ينتظرون عودة أبنائهم.
-
منازل بلا شباب.. كابوس الهجرة يطرق أبواب السوريين مجدداً
يعود صالح عيسى، البالغ من العمر 56 عاماً، إلى منزله في منطقة "الشاغور" وسط العاصمة السورية دمشق، حاملاً أكياس الخضراوات والمواد الغذائية بيديه، فيما ترتسم علامات التعب على وجهه. فالرجل الذي يعيش مع زوجته بمفردهما منذ نحو عام، اعتاد التسوق بنفسه بعد أن قرر أبناؤه الهجرة خارج البلاد، تاركين خلفهم منزلاً يملؤه الحزن، ووالدين أنهكتهما المعاناة.
يملك صالح عيسى ثلاثة أبناء؛ اثنان منهما هاجرا خلال الحرب إلى ألمانيا عن طريق البحر، فيما سافر الابن الأصغر إلى الإمارات قبل عام، بحثاً عن فرصة عمل، بعد أن أنهى دراسته الجامعية في هندسة العمارة.
يقول عيسى لـلميادين نت: "منذ عام تقريباً بدأت القيام بكل واجبات المنزل، الصغيرة منها والكبيرة، بعد قرار ابني الأصغر السفر إلى الإمارات للعمل، فأصبحت أحضر مستلزمات المنزل، وأصلح الأعطال، وأدفع الفواتير، وأقف في الطوابير، إضافة إلى عملي الأساسي كسائق أجرة".
ويضيف: "لقد عمّ السكوت أرجاء المنزل، وتحول الضجيج الذي كان حاضراً بوجود أبنائي الثلاثة إلى صمت مطبق بعد رحيلهم، ولا يكسر هذا الصمت إلا مكالمات عابرة معهم في بعض الأيام".
ويشير عيسى إلى أن الحرب كسرت السوريين من الداخل، وحوّلت أحلامهم بإنجازات أبنائهم إلى أحلام تقتصر على لقائهم مجدداً، ويقول: "عودة الأسرة للاجتماع معاً مرة أخرى هي أكبر أحلامي".
وحال صالح عيسى ينطبق على آلاف العائلات السورية التي وجدت نفسها خلال الأشهر الماضية تخسر أبناءها واحداً تلو الآخر، في مشهد يبدو أنه "هجرة صامتة"، يعيد إلى الأذهان موجة الهجرة الواسعة التي شهدتها سوريا خلال سنوات الحرب، وإن لم يكن المشهد بالحجم والأعداد نفسيهما.
منازل بلا شباب
أمام مركز الهجرة والجوازات في منطقة البرامكة بدمشق، يوجد يومياً عدد كبير من الشباب الذين يسعون للحصول على جواز سفر، تمهيداً للهجرة خارج البلاد، في ظل الأوضاع المعيشية المتردية، وانعدام فرص العمل، وارتفاع معدلات البطالة، وزيادة المخاوف الأمنية، ما جعل السفر الخيار الوحيد أمام آلاف السوريين.
كما ألقى الفلتان الأمني بثقله على المشهد العام في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، خصوصاً في ما يتعلق باستهداف الأقليات الدينية، سواء أبناء الطائفة العلوية في الساحل في آذار/مارس 2025، عندما أدت هجمات القوات الحكومية إلى مقتل أكثر من 1500 مدني وجرح المئات، أو أبناء الطائفة الدرزية في السويداء في تموز/يوليو 2025، حين شنت القوات الحكومية والعشائر هجمات دموية على المدينة الجنوبية، خلفت مئات الضحايا من المدنيين.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ يواجه أبناء الأقليات الدينية ضغوطاً أمنية وتهديدات شبه يومية في مناطق انتشارهم، كما هو الحال بالنسبة للمسيحيين في وادي النصارى بريف حمص، والسقيلبية بريف حماة، وصيدنايا بريف دمشق، وحتى في القصاع وباب توما داخل العاصمة دمشق.
دفعت جميع هذه العوامل الشباب إلى جعل الهجرة الخيار الوحيد لمستقبلهم، وهو ما ينطبق على الشاب فادي أنطوان، البالغ من العمر 28 عاماً، من مدينة دمشق، والذي يؤكد لـلميادين نت أنه يقضي ساعات طويلة يومياً على الإنترنت بحثاً عن فرصة عمل خارج سوريا، كما يتواصل باستمرار مع أصدقائه المغتربين لتأمين أي عمل يمكّنه من السفر سريعاً.
وبرغم أنه المعيل الوحيد لوالديه في الوقت الحالي، يؤكد أنطوان أن انعدام فرص العمل، والضغط اليومي، والخوف الذي يلاحقه، كلها عوامل تجعل السفر الخيار الأمثل بالنسبة إليه حالياً.
ويعترف أنطوان بصعوبة القرار، ولا سيما أنه سيترك والديه في ظل الظروف الصعبة، لكنه يؤكد في المقابل أنه سيكون قادراً على مساعدتهما مالياً، مع إمكانية لحاقهما به إذا نجح في تأمين فرصة عمل مناسبة.
تغيير النظام لم ينهِ هجرة الشباب
بعد سقوط نظام بشار الأسد وتوقف العمليات العسكرية، وما تبع ذلك من إلغاء العقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة على دمشق، كان الشباب السوري يأمل في العودة إلى حياة معيشية واجتماعية وأمنية مستقرة، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام ضغوط معيشية وخدمية لا تقل وطأة عن تلك التي كانت سائدة خلال الحرب، وربما أشد في بعض الأحيان، ولا سيما لناحية انعدام فرص العمل، وارتفاع الأسعار، وانتشار الفلتان الأمني على نطاق واسع.
دفعت هذه المعطيات العديد من السوريين إلى التفكير في الهجرة والالتحاق بركب ملايين اللاجئين الذين تركوا بلادهم خلال سنوات الحرب، هرباً من الواقع المعيشي داخل البلاد، وسعياً إلى الحصول على فرص أفضل في بلدان المهجر.
ولعل أبرز الفئات التي هاجرت أو تفكر في الهجرة هي فئة الشباب، ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و27 عاماً، تليها الفئة العمرية بين 28 و37 عاماً، وفقاً لمسوح اجتماعية أجرتها منظمات غير حكومية.
وتكشف المعلومات أن الكفاءات العلمية، من أطباء ومهندسين وصيادلة وأساتذة جامعات وخريجين جامعيين، هي من أكثر الفئات التي تفكر في الهجرة.
وربما تفسّر هذه المعطيات أسباب تراجع عودة السوريين إلى بلادهم بعد سقوط نظام الأسد، إذ كشفت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن تراجع عودة اللاجئين خلال الربع الثاني من عام 2026 بنسبة تقارب 51% مقارنة بالربع الأول، وسط عوائق تتعلق بالسكن والخدمات والموارد والمخاوف الأمنية.
وسجل الربع الأول من عام 2026 عودة أكثر من 268 ألف لاجئ، قبل أن ينخفض العدد إلى نحو 131 ألفاً خلال الفترة الممتدة من نيسان/أبريل إلى حزيران/يونيو، وهو ما وصفته المفوضية بأنه "تباطؤ واضح في وتيرة العودة".
لكن خلف هذه الأرقام تقف حقيقة مرعبة: منازل خالية من أبنائها، وعائلات تفقد شبابها، فيما ترخي الأزمات المعيشية والخدمية بظلالها على الحياة اليومية للسوريين، وتبقى الوعود الحكومية بتحسين الأوضاع الاقتصادية بعيدة المنال حتى الآن.
الهجرة بعد العودة
لا تقتصر عمليات الهجرة على الموجودين داخل سوريا، بل طالت أيضاً أولئك الذين عادوا إلى بلدهم بعد سقوط نظام الأسد، إذ كشفت منظمة الهجرة الدولية، في تقرير موسع، أن آلاف السوريين الذين عادوا من لبنان خلال الأشهر الماضية بدأوا يفكرون في النزوح مجدداً، بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية وغياب فرص العمل داخل سوريا.
وأشار التقرير إلى أن العائدين يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة جداً، من بينها ارتفاع تكاليف الحياة، ونقص المياه والخدمات الصحية، وأزمة السكن المتفاقمة، إضافة إلى مخاوف أمنية متزايدة في بعض المناطق.
كما أوضح التقرير أن أكثر من نصف المواقع التي شملها التقييم لا تتوفر فيها فرص عمل حقيقية، بينما يعتمد معظم العائدين على أعمال يومية غير مستقرة لا تكفي لتأمين الاحتياجات الأساسية للعائلات.
وفي الحسكة وريف دمشق والسويداء، سُجلت أعلى نسب المخاوف المتعلقة بالأمن والخدمات والوثائق الرسمية، في وقت أكد فيه كثير من العائدين أنهم يفكرون في العودة إلى لبنان مجدداً، رغم الظروف الصعبة هناك، بحثاً عن مصدر دخل واستقرار نسبي لعائلاتهم.
ولم يكن قرار العودة من لبنان إلى سوريا طوعياً، بل جاء مدفوعاً بآلة الحرب الإسرائيلية التي ضربت لبنان خلال الأشهر الماضية، وما خلّفته من تدهور في الأوضاع المعيشية والخدمية وارتفاع المخاوف الأمنية.
لكن تلك العودة لم تعنِ بالضرورة الرغبة في الاستقرار الدائم داخل سوريا، فالصعوبات الاقتصادية، وتدني مستوى الخدمات، ومحدودية دخل الأسرة، كلها أسباب تجعل الاندماج مجدداً صعباً ومعقداً، وتُبقي خيار الهجرة حاضراً لدى كثير من العائلات العائدة إلى سوريا.