مساكن على الأرصفة… أزمة المأوى تلاحق الغزّيين

تحوّل النزوح في غزة من حالة طارئة إلى واقع معيشي قاسٍ، حيث يعيش مئات آلاف الفلسطينيين بلا بيوت في خيام وأرصفة ومراكز إيواء مكتظة، وسط أزمة مأوى متفاقمة وعجز عن تلبية الحد الأدنى من مقومات الحياة.

0:00
  • مساكن على الأرصفة… أزمة المأوى تلاحق الغزّيين
    مساكن على الأرصفة… أزمة المأوى تلاحق الغزّيين

لم يخرج الغزيون من بيوتهم لأنهم أرادوا النجاة فقط، بل لأن البيت نفسه صار خطراً، في ليلة واحدة، تحوّلت الجدران إلى غبار، وغابت العناوين التي كانت تُعرّف الناس: هذا شارعنا، هذا بيتنا، هنا كنا. منذ ذلك الحين، لم يعد النزوح حدثاً عابراً، بل حالة مستمرة، يعيشها عشرات الآلاف على الأرصفة، وتحت أغطية مهترئة، وفي خيام لا تقي حرّاً ولا برداً.

لم يعد فقدان البيت في غزة يعني خسارة مأوى فحسب، بل انهيار شكل كامل من الحياة، الأرصفة صارت غرف نوم، والساحات مطابخ جماعية، والخصوصية رفاهية نادرة، ومع امتداد الحرب، يتكرّس التشريد بوصفه واقعاً طويل الأمد، لا كأثر جانبي للدمار، بل كجزء من معادلة تعيد تشكيل حياة الناس قسراً، وتطرح سؤالاً أبعد من الإغاثة: كيف يعيش مجتمع بلا بيوت؟

الخيمة مأوى لا منزل

على رصيفٍ في مدينة غزة، يفترش المواطن صالح حمودة أبو يوسف خيمةً ضيّقة بعد أن دُمّر منزله في بيت لاهيا، ليجد نفسه مع عائلته، المكوّنة من ثلاثة أولاد وابنتين، في مواجهة واقع لا يشبه أيّ شكل سابق من الحياة. عن اللحظة الأولى للفقد، لا يتحدث أبو يوسف عن الجدران، بل عمّا هو أعمق.

يقول إن أول ما خسره لم يكن البيت بحد ذاته، بل الإحساس بالأمان. فالجدار، كما يصف، كان يحمي، والسقف كان يمنح شعوراً بوجود مكان يمكن العودة إليه في نهاية اليوم. أما الخيمة، فحوّلت الحياة إلى انكشاف دائم للبرد والخوف ونظرات الناس، في مساحة بلا أي خصوصية.

ومع امتداد النزوح، يروي أبو يوسف تفاصيل الوصول إلى هذا الرصيف، فبعد عودتهم من النزوح في جنوب القطاع قبل نحو شهر، لم يجدوا بيتاً يعودون إليه، ولا منطقة آمنة يمكن السكن فيها، خصوصاً أن مناطقهم في بيت لاهيا باتت قريبة من "الخط الأصفر". ومع إدراكهم أن العودة ليست قريبة، اختاروا الرصيف لأنه الأقرب إلى الناس والحركة، وأقل عزلة من أماكن أخرى، في ظل امتلاء مدارس الإيواء والمخيمات، ليصبح الشارع خياراً قسرياً لا بديل عنه.

غير أن الليل، كما يقول، يبقى التحدي الأصعب، فالنوم في العراء تجربة لا يمكن الاعتياد عليها، حيث كل صوت مسموع، وكل حركة كفيلة بإيقاظ الخوف، حالة ترقّب دائمة، لا تنتهي مع مرور الوقت ولا تخفّ حدّتها.

أما داخل الخيمة، فتتحول الخصوصية إلى محاولة شاقة، يشرح أبو يوسف كيف حاولت العائلة تقسيم المساحة الضيقة بأغطية معلّقة، لتخصيص زاوية للبنات وأخرى للأولاد، إلا أن المساحة لا تتسع إلا للخيمة نفسها، ومكان صغير للنار، وآخر لقضاء الحاجة. هنا، كما يقول، لم تعد الخصوصية حقاً طبيعياً، بل مجهوداً يومياً، وكل تفصيل محسوب بدقة.

وفي قلب هذا الواقع، يبرز عبء النساء بصمت. يتحدث أبو يوسف عن "التعب الصامت" الذي تعيشه زوجته، أم يوسف، التي تنشغل طوال الوقت بالنظافة، وبحاجات البنات، وبالستر، وحتى بكيفية استخدام الماء، أمور بسيطة كانت جزءاً من الحياة اليومية داخل البيت، تحولت في الخيمة إلى معارك صغيرة تتكرر كل يوم.

وعند سؤاله عن معنى البيت اليوم، يتوقف أبو يوسف قليلاً قبل أن يجيب: البيت لم يعد حيطاناً وسقفاً، بل مكان لا يشعر فيه الإنسان أنه ضيف أو حالة مؤقتة، مكان يمكن إغلاق بابه والراحة خلفه. الخيمة، كما يقول، قد تكون مأوى، لكنها لا تعوّض البيت، لأن البيت كان حياة كاملة، لا مجرد مساحة للبقاء.

وبجوار أولئك النازحين المقيمين على الأرصفة وفي الشوارع، يجد آخرون مثلهم أنفسهم أفضل حظاً، بعد أن عثروا على مبانٍ "رسمية" كالمدارس والوزارات والنقابات للسكن فيها بعد أن نجت من الدمار، لكنهم يعانون من الاكتظاظ الشديد وغياب الخدمات.

معيشة بالحد الأدنى

داخل إحدى مدارس الإيواء غرب مدينة غزة، تقضي المواطنة منال أبو عودة أيامها نازحةً من بيت حانون، في مساحة مكتظة تحوّلت من فصول دراسية إلى أماكن للعيش القسري. هناك، لم يعد اليوم يُقاس بالساعات، بل بقدرة العائلة على الصمود حتى الليل.

مع انبلاج الفجر، لا يبدأ الصباح اختياراً، بل فرضاً، فالاكتظاظ والضجيج يوقظان الجميع قبل أوانهم، لتبدأ رحلة البحث عن الماء ودورات المياه وسط حركة لا تهدأ، يمرّ الصباح في ترتيب ما يمكن ترتيبه ومحاولة إعداد شيء يؤكل، فيما يحمل الظهيرة ثقل التعب الحقيقي، ويظل المكان مفتوحاً على القلق، حيث يعيد كل صوت إنتاج الخوف ذاته.

وفي قلب هذا اليوم المتكرر، يتركّز الخوف الأكبر على الأطفال: تقول أبو عودة إن هاجس الضياع يسبق كل المخاوف، لا الضياع المكاني فقط، بل النفسي أيضاً، إذ تخشى أن يتحول الخوف إلى جزء دائم من حياتهم، وأن يعتادوا هذا الواقع كأنه طبيعي، فيكبروا وهم لا يعرفون معنى البيت ولا الإحساس بالأمان.

أما تفاصيل العيش اليومية، فتدار وفق منطق الحد الأدنى، فالطبخ، إن توفّر، يكون بسيطاً ومحدوداً، والنظافة تصبح مهمة شاقة في ظل شحّ المياه وكثرة الأعداد، وبرغم محاولات الأمهات المستمرة لحماية الأطفال ورعايتهم، يبقى الواقع أقسى من الجهد الفردي، وأثقل من القدرة على الاحتمال.

وعلى مستوى المساعدات، تشير أبو عودة إلى وصول دعم غذائي متقطع، وأحياناً فرش أو بطانيات، لكنها تؤكد أن الاحتياجات الأساسية لا تزال بعيدة عن الاكتمال. فمواد النظافة، ومستلزمات النساء، وحليب الأطفال إما لا تصل أو لا تكفي، في ظل فجوة واسعة بين ما يُقدَّم وما هو مطلوب للبقاء بكرامة.

وفي ختام حديثها، لا تطلب منال أبو عودة شفقة، بقدر ما تطلب اعترافاً بالإنسان، تؤكد أن ما يعيشه النازحون ليس حياة، بل محاولة متواصلة للبقاء، وأن أمنيتهم البسيطة تختصر كل شيء: أن يعود الأطفال إلى بيوتهم، إلى مدارسهم، وإلى حياة طبيعية تشبه ما فقدوه، لا أكثر.

أزمة مأوى خانقة

بحسب المكتب الإعلامي الحكومي، تسبّب تدمير المنازل في تشريد نحو مليون ونصف المليون فلسطيني، يعيش أكثر من 1.37 مليون منهم داخل مراكز إيواء رسمية وعشوائية. 

ويشير المكتب إلى أن قرابة 620 ألف شخص يقيمون في منازل آيلة للسقوط، ما يعرّضهم لمخاطر جسيمة، لا سيما خلال فصل الشتاء بفعل الأمطار والرياح، فيما يقطن نحو 48 ألف شخص، أي ما يقارب 9 آلاف أسرة، داخل مبانٍ حكومية ورسمية.

وفيما يتعلّق بالخيام، يوضح المكتب أن نحو 135 ألف خيمة دخلت قطاع غزة منذ بداية الحرب، إلا أن 125 ألفاً منها خرجت عن الخدمة بسبب الاهتراء، فيما تضررت نحو 22 ألف خيمة خلال المنخفضات الجوية الأخيرة. وبرغم دخول قرابة 20 ألف خيمة خلال الشهرين الماضيين عقب وقف إطلاق النار.

ويؤكد الإعلام الحكومي أن هذه الأعداد لا تغطي سوى 7% من الاحتياج العاجل، إذ يحتاج القطاع إلى نحو 300 ألف خيمة، منها 280 ألفاً مطلوبة بشكل فوري لتوفير حد أدنى من الحماية للنازحين.

اخترنا لك