كيف أثّرت المواد السامة التي رشّتها "إسرائيل" على أراضي سوريا الزراعية؟
مروحيات إسرائيلية نفذت عمليات رشّ بمواد كيميائية مجهولة على أراضٍ زراعية في ريف القنيطرة، ما أثار مخاوف واسعة من كارثة بيئية وصحية وسط انتظار نتائج التحاليل وصمت رسمي.
-
كيف أثّرت المواد السامة التي رشّتها "إسرائيل" على أراضي سوريا الزراعية؟
في انتهاك هو الأخطر من نوعه، تفاجأ سكان مدينة القنيطرة في الجنوب السوري بمشاهدة مروحيات إسرائيلية تنفذ عمليات رشّ لمواد كيميائية مجهولة على الأراضي الزراعية القريبة من الشريط الحدودي، وانتاب الأهالي حالة من الخوف والقلق حول طبيعة المواد المرشوشة ومخاطرها البيئية والزراعية المحتملة.
ووثق الأهالي قيام المروحيات الإسرائيلية بتنفيذ عمليات الرش لثلاث مرات خلال أقل من أسبوعين في بلدات "مزرعة أبومذراة" و"الحانوت" والعشة" و"كودنة" و"الأصبح" "والرفيد" في ريف القنيطرة.
وفي ظل الغموض الذي يلف طبيعة المواد المرشوشة، أعلنت مديرية الزراعة في القنيطرة أنها أخذت عينات من التربة والنباتات والأعشاب من المواقع التي تعرضت للرش، تمهيداً لإخضاعها للتحليل المخبري، بهدف تحديد نوعية المواد المستخدمة ومخاطرها المحتملة على الإنسان والبيئة.
كما أصدرت المديرية تحذيراً عاجلاً للفلاحين ومربي المواشي، دعتهم فيه إلى عدم الاقتراب من الأراضي التي تعرضت لعمليات الرش، أو استخدام منتجاتها الزراعية، إلى حين صدور نتائج التحاليل.
"أخدوا عيّنة من التربة ولهلأ ما قالولنا النتيجة"، يتحدث المُزارع خالد أبا زيد من ريف القنيطرة للميادين نت عن قيام مديرية الزراعة في القنيطرة بأخذ عيّنات للتحليل والتأكد إن كانت سامّة أم لا، لكن النتائج تأخرت كثيراً، ما تسبب بحالة من القلق لدى المزارعين.
يقول أبا زيد: "جميع المعطيات تؤكد أن المروحيات الإسرائيلية رشّت مواد سامة على المزروعات، وهذا الأمر يفرض على المؤسسات الحكومية التعامل بسرعة وجدية مع الكارثة البيئية، واتخاذ التدابير الفعّالة لمساعدة المُزارعين وإنقاذ أراضيهم ومحاصيلهم الزراعية".
وحول المساحة التي تعرّضت للرشّ بالمواد السامّة، يؤكد أبا زيد أن الكارثة كبيرة والمساحة لا يمكن تحديدها نظراً لقيام المروحيات الإسرائيلية بعمليات رشّ واسعة وفي مناطق وأوقات مختلفة، ما يعني تعرّض آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية للمواد السامّة، وهذا سيكون له تأثير صحي على المدنيين في عموم الجنوب السوري.
إسرائيل تريد قتل الغطاء النباتي السوري
تحظى المناطق التي رشّتها المروحيات الإسرائيلية مؤخراً بأهمية زراعية واقتصادية، إذ تشكل بوابة جغرافية لهضبة الجولان السوري المحتل، وتتميز بتربتها البركانية الخصبة، في حين يعتمد سكانها على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل.
وتشتهر القنيطرة بزراعة الحبوب شتاءً، والخضراوات صيفاً، فضلاً عن زراعة الأشجار المثمرة مثل الزيتون والتين والعنب والتفاح والكرز والتوت الشامي.
وتسببت الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة بخسائر كبيرة للمُزارعين الذين باتوا عاجزين عن تصريف منتجاتهم في الأسواق المحلية، خوفاً من حدوث كارثة صحية تُهدد آلاف المدنيين.
ولا تقتصر المعاناة على المُزارعين الذين تعرّضت أراضيهم للمواد السامّة في ريفي القنيطرة ودرعا، بل وصلت إلى مختلف الأراضي في الجنوب السوري، وسط قلق شعبي من احتمال تعرض تلك المحاصيل للتسمم، وهو ما أدى إلى تكدس المحاصيل لدى المُزارعين.
ويشير المُزارع عبد الله القدّة من ريف القنيطرة للميادين نت إلى ضرورة تحرك الحكومة السورية للدفاع عن حقوق الفلاحين وأراضيهم، خاصّة أن استمرار المروحيات الإسرائيلية بهذه الأعمال يعني القضاء على الغطاء النباتي في الجنوب السوري بشكل كامل، وبالتالي تستطيع "إسرائيل" تحقيق هدفها بالسيطرة الكاملة على المنطقة، لأن الوضع الحالي يعني هجرة جماعية للمدنيين نحو مناطق أكثر أماناً.
ويؤكد القدّة أن مُزارعي الجنوب السوري واجهوا خلال الأشهر الماضية انتهاكات عديدة من الجيش الإسرائيلي، تمثلت بتجريف أراضيهم، وسرقة محاصيلهم، وتهديدهم، واعتقال أبنائهم، وبرغم كل ذلك أصرّ المُزارعون على التمسك بالأرض، لكن الجريمة الأخيرة بتسميم المزروعات وعدم تحرك الحكومة لمواجهة ذلك يعني أنها تقف ضد أبناء شعبها.
انتهاكات إسرائيلية متواصلة
وسائل إعلام إسرائيلية اعترفت أن جيش الاحتلال بدأ بتشغيل مروحيات زراعية عند الحدود الشمالية مع لبنان وسوريا، بهدف رشّ الأراضي الزراعية بمواد سامّة لقتل النباتات الموجودة قرب الشريط الحدودي.
ويزعم الإعلام الإسرائيلي أن الخطوة جاءت بسبب مخاوف من "استغلال الغطاء النباتي الكثيف، وانتشار مسلحين معادين لإسرائيل قرب الحدود"، ولذلك قررت قيادة المنطقة الشمالية ببساطة القضاء على الغطاء النباتي القريب من الحدود.
ولا يمكن فصل التصرفات الإسرائيلية الأخيرة بمعزل عما جرى في الجنوب السوري خلال الأشهر الماضية، حيث عملت "إسرائيل" منذ سقوط نظام الرئيس بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر عام 2024، على التمدد في قرى وبلدات القنيطرة ودرعا، كما عمدت القوات الإسرائيلية إلى ترهيب المدنيين وتجريف أراضيهم واعتقال أبنائهم، بهدف إجبارهم على ترك قراهم والهجرة بعيداً عنها.
وفي هذا السياق، يقول الناشط الإعلامي فارس العقايلة من ريف درعا جنوب سوريا للميادين نت إن القوات الإسرائيلية حوّلت بعض الأراضي الزراعية إلى ثكنات عسكرية، كما عمدت إلى تجريف مناطق واسعة من القرى والبلدات القريبة من الشريط الحدودي، كما أقدمت على اعتقال عدد كبير من المُزارعين ومصادرة ممتلكاتهم ما دفع بعض المدنيين للهرب بعيداً عن مناطق وجود الإسرائيليين، خصوصاً في ظل الصمت الحكومي عن الانتهاكات الإسرائيلية بحق المدنيين.
ويضيف العقايلة: "مؤخراً قامت مروحيات إسرائيلية برشّ مواد سامّة على الأراضي الزراعية في ريفي القنيطرة ودرعا، وبرغم اعتراف الإعلام الإسرائيلي بهذه الجريمة، إلا أن الحكومة السورية التزمت الصمت حيال ذلك، ولم يصدر أيّ تنديد صريح بالانتهاك الإسرائيلي في الجنوب، وهو ما يثير تساؤلات عديدة حول سبب ترك المدنيين بمفردهم أمام الجرائم الإسرائيلية المستمرة".
وأمام الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة ضد أهالي الجنوب السوري، يبقى الموقف الحكومي الرسمي محط تساؤلات جوهرية، في ظل الصمت المتواصل على الاعتداءات المتكررة، التي تهدد حياة الآلاف من المدنيين، وتُنذر بقتل الغطاء النباتي في الجنوب بالكامل.