غزة تواجه صدمة جماعية بعد الحرب: اضطرابات نفسية وعلاج مفقود

سكان غزة يعانون من اضطرابات نفسية شديدة نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر منذ عامين، حيث تأثرت حياتهم اليومية بتزايد حالات الاكتئاب، الصدمات النفسية، وفقدان الأمان.

  • غزة تواجه صدمة جماعية بعد الحرب: اضطرابات نفسية وعلاج مفقود
    غزة تواجه صدمة جماعية بعد الحرب: اضطرابات نفسية وعلاج مفقود

يعاني سكان قطاع غزة من اضطرابات نفسية متفاوتة نتيجة العدوان الإسرائيلي الذي استمر عامين كاملين، وما خلفه من دمار وخسائر بشرية وأزمات صحية ونفسية أثرت على حياتهم اليومية، لتصبح هذه الاضطرابات جزءاً من تفاصيل الحياة وتترك آثاراً قد تستمر لسنوات.

ووفق تقديرات صحية، ارتفعت حالات الاكتئاب والانهيار العصبي، خصوصاً بين الأطفال والنساء، نتيجة الظروف الإنسانية القاسية، والحياة في خيام أو مراكز إيواء أو على قارعة الطريق، وفقدان الأحباء.

صدمات نفسية وانعدام استقرار

ويعكس الفلسطينيون تجارب صادمة على المستوى الفردي، إذ يعاني خليل أبو شرخ من "اضطراب ما بعد الصدمة" نتيجة العدوان على غزة في السابع من أكتوبر 2023، حيث يعيش حالة مستمرة من الخوف وانعدام الاستقرار النفسي، تدفعه أحياناً إلى تمني الموت أو الانعزال لساعات طويلة داخل خيمته نتيجة تراكم الصدمات اليومية.

يؤكد أبو شرخ لـلميادين نت، أنّ "العدوان ترك في داخلي أثراً نفسياً عميقاً، فالمشاهد اليومية من فقدان الأحبة ودمار وانعدام الأمان تجعل من الصعب عليّ العيش بطريقة طبيعية. وبرغم توقف الحرب، شعوري بالتهديد والخوف على حياتي وحياة أسرتي لم ينتهِ بعد".

ويشير إلى أنّه يحاول البقاء قوياً من أجل عائلته، ولكن الصبر أصبح تحدياً كبيراً له، موضحاً أنّه "أحياناً أجد الراحة في لحظات قصيرة من الانعزال، أحاول خلالها إعادة ترتيب أفكاري ومواجهة الصدمات التي أعيشها".

وبشأن تلقي العلاج والدعم النفسي، يؤكد أبو شرخ أنّ ذلك يمثل تحدياً يومياً، فحتى الجلسات المجانية تمنحه راحة مؤقتة فقط، بينما صعوبة التنقل وندرة الأدوية تجعل معاناته النفسية مستمرة.

أما المواطن إبراهيم مصلح فقد عاش رعباً شديداً خلال الحرب، خاصة عند قصف الطائرات لمربعات سكنية في معسكر جباليا بشمال القطاع فوق رؤوس ساكنيها، حيث نجت أسرته بأعجوبة.

ويقول مصلح للميادين نت: "أصبحت عصبياً جداً، ومزاجي يتقلب باستمرار، وأحياناً أبقى صامتاً لساعات طويلة عندما تستعيد ذاكرتي لحظة القصف، والخوف يلازمني في كل مكان، خاصة عند سماع أصوات المسيّرات التي لا تفارق الأجواء لحظة واحدة".

ويضيف مصلح: "تلاحقني ذكريات النزوح المتكرر والفزع المستمر، فقد نزحت أكثر من 13 مرة خلال العدوان الأخير، وفي كل مرة واجهت معاناة مضاعفة وسط أوضاع معيشية قاسية وغلاء فاحش ونقص حاد في كل شيء"، لافتاً إلى أنّ "حياة الخيام لا توفر أي خصوصية أو أمان، وكل يوم مليء بالخوف والقلق، وكأن حياتنا معلّقة على شفا الخطر".

ويرجع مصلح شعوره بـ "اليأس الشديد" إلى عدم تمكنه من العودة إلى منزله في شمال القطاع بسبب الخط الأصفر الذي فرضه الاحتلال، واستمرار خروقاته من القصف والتدمير، مما يجعله يشعر وكأن الحرب مستمرة بوتيرة أقل حدة.

اكتئابٌ لا ينتهي

فقدان الأحبة في غزة يترك آثاراً نفسية عميقة، إذ يعيش الناجون صدمات مستمرة واكتئاباً حاداً وخوفاً دائماً، ويواجهون صعوبة في النوم والتركيز، بينما تطاردهم ذكريات اللحظات الأخيرة لمن فقدوهم في كل لحظة من حياتهم اليومية.

من جهتها، المواطنة ياسمين المغاري عايشت أصعب لحظات حياتها، إذ فقدت عدداً من أفراد أسرتها في لحظة واحدة وكانت شاهدة على استشهادهم أمام عينيها. في إحدى جلسات الدعم النفسي، تقول: "أتذكر فقدان أبي وأمي وأخي وأختي كأنه شريط مصور يُعرض أمامي الآن".

وتتابع للميادين نت: "أعيش في اكتئاب مستمر ولا أستطيع نسيان ما حدث، كما أشعر بإرهاق صحي ونفسي شديد، ولا أجد رغبة في الطعام أو الشراب، ومزاجي دائماً متقلب وعصبي، ولا أنام كما يفعل الناس العاديون".

وتلفت المغاري إلى أنّ معاناتها النفسية شديدة للغاية بسبب نقص الأدوية وقلة جلسات الدعم المكتظة، ما يجعل التعافي شبه مستحيل ويضاعف معاناتها اليومية.

الخمسينية أم علاء عسلية فقدت ثلاثة من أبنائها في قصف عنيف استهدف مدينة غزة. وتوضح للميادين نت، وهي تغالب دموعها خلال جلسة دعم نفسي: "ما زلت غير مصدقة أنني أم لثلاثة شهداء، لا أستطيع النوم أو الأكل، وليتني رحلت معهم".

وتشير أم علاء إلى أنها تواجه صعوبة كبيرة في استعادة توازنها النفسي وتحسين مزاجها، إذ تعاني من نوبات بكاء متكررة وسلس بول ليلي ناتج عن الصدمة والخوف المستمر، مؤكدة أنّ الألم لا يفارقها وأنها تشعر بأن الحياة فقدت معناها بعد فقدان أبنائها.

تغيرات نفسية مقلقة

من جانبه، يقول الفلسطيني قصي حجازي إن ابنه البالغ 18 عاماً بدأ يظهر تغيّرات نفسية مقلقة نتيجة تداعيات الحرب على غزة. ويضيف للميادين نت: "ألاحظ عليه ميلاً للعزلة وخوفاً وقلقاً دائمين، برغم أنه كان اجتماعياً جداً سابقاً، كما ينام لساعات طويلة نهاراً كأنه يحاول الهروب من الواقع".

ويشير حجازي إلى أنّ هذه التحولات دفعته لاستشارة مختص نفسي، الذي أكد أن ما يعانيه ابنه انعكاس مباشر لصدمات الحرب، موصياً بإشراكه في الحياة العائلية والأنشطة الاجتماعية لتفادي تفاقم حالته النفسية.

هؤلاء ليسوا وحدهم من يعانون آثار الحرب النفسية؛ فآلاف الفلسطينيين من مختلف الفئات العمرية يعيشون حالة جماعية من القلق والاضطراب نتيجة العدوان الذي ألقي بظلاله الثقيلة على تفاصيل الحياة اليومية في غزة.

انهيار الأمان

وكشف تقرير برنامج غزة للصحة النفسية في تشرين الأول/أكتوبر الماضي أن 67.8% من سكان القطاع يعانون اضطراب ما بعد الصدمة، فيما يشعر 96% من الأطفال بأن الموت وشيك، ويجد 92% صعوبة في التكيف، وتظهر على 87% منهم علامات الخوف والكوابيس المستمرة. كما يتجنب أربعة من كل خمسة أطفال الحديث عن تجاربهم المؤلمة، ويعاني نحو 73% سلوكيات عدوانية، ما يشكل "مؤشراً خطيراً على انهيار الأمان النفسي لدى الجيل الصغير".

معدلات الاضطرابات تتصاعد

وفي الإطار عينه، يحذر أستاذ الصحة النفسية بجامعة الأقصى، عبد الله الخطيب، من ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية في غزة، لا سيما بين الأطفال والنساء، نتيجة الحرب وفقدان الأمن والخصوصية، مشيراً إلى أنّ الكثيرين يعانون من القلق والخوف وأعراض الاكتئاب مثل الحزن والإرهاق والعجز وتأنيب الضمير، كما لوحظ تصاعد الاضطرابات السلوكية، بما في ذلك الغضب، والسرقة، والتعلق المفرط.

ويؤكد أنّ التعافي النفسي يبدأ بعودة الحياة الطبيعية ووقف الحرب، وإعادة الإعمار وعودة السكان إلى منازلهم وأعمالهم، مع فتح المدارس والمعابر وتوفير الخدمات الأساسية، موضحاً أنّ آثار الحرب النفسية قد تستمر مدى الحياة، وتشمل الأرق والكوابيس والفزع وفقدان الثقة والغضب والشعور بالذنب والعجز.

ويحذر الخطيب من أن نقص الأدوية والدعم النفسي يعيق التعافي، مؤكداً أنّ نحو 70% من السكان قد يعانون اضطراب ما بعد الصدمة، داعياً إلى توفير الأدوية وزيادة جلسات الدعم النفسي والتدخل العاجل لتفادي أزمة نفسية أعمق.

وتعرض مستشفى الطب النفسي في مدينة غزة خلال الشهر الأول من العدوان للتدمير، ما أدى إلى فقدان عشرات آلاف المرضى النفسيين لخدماتهم، وتركت الحالات الحادة بلا رعاية، معرضة لخطر على حياتهم أو لمصير مجهول.

تدمير المستشفى يزيد المعاناة

وفي هذا السياق، يؤكد مدير عام إدارة الطب النفسي في وزارة الصحة بقطاع غزة، عبد الله الجمل، أن واقع الصحة النفسية في القطاع مأساوي بعد حرب امتدت عامين، إذ تضررت المنظومة بالكامل وتأثر الكادر الطبي نفسياً بسبب فقدان أقاربه أو ممتلكاته أو النزوح، ما انعكس على جودة الخدمات.

ويبيّن الجمل للميادين نت أن تدمير مستشفى الطب النفسي الوحيد وثمانية مراكز للرعاية الأولية فاقم الأزمة، خاصة مع فقد أكثر من 70% من أدوية الأمراض النفسية، في حين تغطي الخدمات المتبقية نحو 10% فقط من الاحتياجات، ويعجز كثير من المرضى عن تلقي العلاج بسبب انهيار النظام الصحي وصعوبة الوصول إلى المراكز العاملة.

ويشير الجمل إلى أنّ الطواقم تعمل حالياً من مقر مؤقت، حيث يستقبل الأطباء أكثر من 100 مريض يومياً في غرفة واحدة، ما يقلل الخصوصية ويعيق تقديم الرعاية النفسية، مبيناً أنّه مع بدء الهدنة ارتفع عدد المتقدمين، وبدأت الوصمة تجاه العلاج النفسي تتلاشى، في ظل معاناة الغالبية من اضطرابات متوسطة إلى شديدة، خصوصاً الأطفال والنساء الذين يعانون نوبات هلع واضطرابات نوم وفقدان التركيز.

ويذكر أنّ البرامج العلاجية للأطفال محدودة، مما يزيد خطر تطوير اضطرابات طويلة الأمد تشمل القلق والاكتئاب والسلوكيات العدوانية، بينما يعاني المصابون مسبقاً نقص الأدوية والخدمات.

ويشدّد الجمل على أنّ إعادة المنظومة النفسية تتطلب مستشفى ميداني وكرفانات مجهزة، وتوفير أدوية وطواقم مؤهلة، إلى جانب برامج دعم شامل للأطفال والنساء وكبار السن، واستقرار الأوضاع وتأمين الاحتياجات الأساسية.

اخترنا لك