عملة جديدة في سوريا.. هل يُحسّن "حذف الأصفار" معيشة الناس؟
إعلان طرح عملة سورية جديدة مع حذف صفرين يثير تساؤلات السوريين حول جدواه الفعلية، في ظل أزمة معيشية متفاقمة وغياب أدوات حقيقية لتحسين الاقتصاد.
-
عملة جديدة في سوريا.. هل يُحسّن "حذف الأصفار" معيشة الناس؟
أكثر من عام مضى على سقوط نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا، إلا أن السوريين ظلوا طوال الأشهر الماضية يتداولون العملة النقدية التي تحتوي على صورة رئيسهم السابق، قبل أن يُعلن مصرف سوريا المركزي أخيراً عن استبدال العملة القديمة وطرح فئات نقدية جديدة للتداول، مع إقرار حذف صفرين من العملة.
المصرف السوري المركزي أعلن طرح 6 فئات جديدة من العملة، هي: 10، 25، 50، 100، 200، و500 ليرة، على أن يتم لاحقاً إصدار 3 فئات أخرى هي: الليرة، و5 ليرات، و1000 ليرة.
وجاء طرح العملة ضمن مسار أوسع لإعادة هيكلة السياسة النقدية وبناء مرحلة اقتصادية جديدة، وفق ما تؤكده الحكومة الانتقالية في سوريا، بينما يشير مختصون إلى أن العملية لا تتعدى كونها إجراء شكلي لتخفيف قيمة السيولة المتداولة في الأسواق، خصوصاً أن الحكومة لا تمتلك أدوات اقتصادية حقيقية لدعم العملة الوطنية.
وفقدت الليرة السورية خلال سنوات الحرب أكثر من 99% من قيمتها منذ عام 2011، وبات سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأميركي يصل إلى حدود 12 ألف ليرة للدولار الواحد، بعد أن كان في العام 2011 لا يتجاوز 50 ليرة للدولار.
"لا يهمنا شكلها؛ نريد أن نشعر بقيمتها"، هكذا علّق يزن محمود (52 عاماً) للميادين نت على إعلان مصرف سوريا المركزي طرح العملة الجديدة، معتبراً أن تغيير شكل العملة أو حذف أصفارها لا يُعالج جوهر الأزمة الاقتصادية والمعيشية التي يواجهها السوريون منذ سنوات.
ويشير محمود إلى أن التضخم الكبير الذي تعيشه سوريا مقارنة بانخفاض القدرة المعيشية للمواطنين يزيد الأعباء المعيشية بشكل لا يمكن تحمله، في حين تواجه البلاد ركوداً اقتصادياً وارتفاعاً قياسياً في معدلات البطالة، حيث يعاني السوريون من انعدام فرص العمل، وقلّة المشاريع الاستثمارية برغم الوعود الحكومية بإنعاش الاقتصاد الوطني.
ويتخوّف محمود من طرح العملة الجديدة في الوقت الذي تغيب فيه الرقابة التموينية عن الأسواق، ما قد يؤدي إلى فوضى في الأسعار قد تؤثر بشكل مباشر على الفئات الفقيرة داخل سوريا.
حذف الأصفار لا يعني تحسين الاقتصاد
الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع اعتبر خلال حفل إطلاق العملة الجديدة في قصر المؤتمرات بدمشق أن حدث تبديل العملة الجديدة هو "عنوان لأفول مرحلة سابقة غير مأسوف عليها وبداية مرحلة جديدة يطمح لها كل الشعب السوري وكل شعوب المنطقة".
وتابع الشرع: "من شأن العملة الجديدة تسهيل عمليات التداول في البيع والشراء وتقليل الاعتماد على الدولار وتعزيز الثقة بالاقتصاد على المدى الاستراتيجي".
الشرع قال إن عملية استبدال العملة بمثابة "عملية جراحية دقيقة جديدة في تحول الحالة النقدية للبلاد"، وأن العملة الجديدة ستُعزز الشعور بالثقة لدى المواطنين، وهي عنوان لاقتصاد جديد في البلد.
الرئيس الانتقالي أقرّ بأن حذف صفرين من العملة القديمة لا يعني تحسين الاقتصاد وسعر الصرف، وإنما يُسهل التعامل والتداول فقط، وأن تحسين الاقتصاد يتوقف بشكل أساسي على زيادة معدلات الإنتاج وانخفاض معدلات البطالة، وأشار إلى أن كلا الأمرين يساهم بشكل مباشر في تحسين النمو الاقتصادي.
وكان حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية أعلن في مؤتمر صحافي يوم الأحد 28 كانون الأول/ديسمبر أن جميع أرصدة المصارف المحلية ستكون بالليرة الجديدة بداية من العام الجديد، وأوضح أن العملة الجديدة تحذف صفرين من العملة القديمة، حيث ستصبح كل 100 ليرة سورية قديمة معادلة لليرة واحدة جديدة.
وأضاف أن استبدال العملة لن يؤثر على قيمتها، كون التغيير هو تغيير في القيمة الاسمية فالقيمة هي ذاتها ولن يكون للاستبدال آثار على قيمتها مباشرة، موضحاً أن المصرف المركزي السوري سيعيد فتح فرعه في إدلب أسوة بباقي المحافظات.
وأكد الحصرية أن العملة الجديدة تحظى بمزايا أمنية حديثة، إضافة إلى ميزات خاصة تمكن ضعيفي البصر والمكفوفين من استخدامها، موضحاً أن حذف الأصفار لن يؤثر على المهام المشتركة لليرة الجديدة، داعياً إلى التعاون من قبل الجميع للمحافظة على قيمة الليرة.
وبرغم امتناع حاكم مصرف سوريا المركزي خلال حديثه عن ذكر مكان طباعة العملة الجديدة، فإن المعلومات أكدت أن الحكومة الانتقالية أبرمت منذ أشهر عقداً مع شركة "جوزناك" الروسية لطباعة الأوراق النقدية الجديدة.
وشركة "جوزناك" هي مؤسسة حكومية روسية مملوكة بالكامل للحكومة الروسية، وتعد واحدة من الشركات الرائدة في مجال صك العملة وطباعة الأوراق النقدية.
واتُهِمتْ الشركة سابقاً بمسؤوليتها عن طباعة أكثر من مليار دولار من العملة الليبية المزيفة، وهو ما ساهم في تفاقم الأزمة الاقتصادية التي واجهتها ليبيا.
أزمة اقتصادية متجذرة
لا يخفى على أحد أن سوريا تواجه منذ سنوات أزمة اقتصادية خانقة بفعل الحرب أولاً، والعقوبات الاقتصادية الغربية ثانياً، بدون إغفال العجز الحكومي عن إيجاد خطط نوعية للالتفاف على العوامل السلبية التي عاشتها البلاد لسنوات، لذلك فإن قرار تبديل العملة وحذف الأصفار جاء ضمن سياق الواقع الاقتصادي المعقد، وفي هذا الاتجاه فإن نجاح الخطوة يبقى مرهوناً بمدى استقرار السياسات المالية والنقدية المصاحبة لها.
ويعاني الاقتصاد السوري من التضخم المفرط وفقدان القيمة الشرائية لليرة، التي شهدت انهيارات متلاحقة ومتسارعة خلال سنوات الحرب، وهو ما انعكس سلباً على الحياة اليومية للسوريين، حيث تدنت القدرة الشرائية إلى مستويات قياسية مقابل ارتفاع جنوني في الأسعار.
أمام هذا الواقع، يطالب السوريون اليوم باتخاذ إجراءات اقتصادية صارمة لضبط الأسواق وكبح جماح المضاربين والتجار، الذين قد يستغلون فترة طرح العملة الجديدة لخلق فوضى من الأسعار تمكنهم من تحقيق أرباح مالية كبيرة على حساب المواطنين من أبناء الطبقتين الفقيرة والمتوسطة.
شكل العملة يثير تساؤلات عديدة
لم يكن الإعلان عن فئات العملة السورية الجديدة حدثاً عابراً، حيث تعرّضت الأشكال الجديدة لردود فعل متباينة، خاصة أنها ابتعدت كلياً عن أيّ صور تعبّر عن الآثار والحضارة السورية الممتدة إلى أكثر من 15 ألف عام قبل الميلاد.
التصاميم الجديدة للعملة ذهبت نحو الخيرات الطبيعية بما في ذلك الوردة الشامية، والتوت الشامي، والبرتقال، والقمح، والقطن، والزيتون، إلى جانب عناصر من البيئة والحياة البرية كالحصان العربي، والريم، وعصفور الدوري، والفراشة، وصدف البحر.
مصادر أكدت أن أشكال العملة الجديدة ركّزت على عناصر الطبيعة والبيئة الزراعية، بما تحمله من معاني الخصوبة والاستمرارية والهدوء، لكنها أغفلت الإشارة إلى التاريخ، والمدن، والمعالم، والحضارة، والذاكرة الجمعية التي شكّلت وجدان السوريين عبر قرون.
وبرغم أن العديد من الدول لجأت سابقاً إلى حذف الأصفار من عملتها لتعزيز اقتصادها المحلي، إلا أن العملية داخل سوريا قد تبدو معقدة نسبياً في الوقت الحالي، حيث تعاني البلاد من غياب الاستقرار الاقتصادي والأمني، إضافة إلى عدم وجود سياسة نقدية واضحة، مع غياب المشاريع الاستثمارية القادرة على إنعاش الاقتصاد المحلي، لذلك فإن قرار حذف الأصفار سيبقى شكلياً ما لم يتم وضع خطط واقعية تساهم في إنعاش الاقتصاد وخفض معدلات التضخم وتقليل نسبة البطالة في البلاد.