رمضان في العراق.. ماذا تبقى من عادات شهر الصوم؟
في سوق "السلام" بكربلاء، يتنقل العراقيون بين المحلات في ليالي شهر رمضان، حيث تتنوع الأجواء الروحانية والتجارية وتظل طقوس شهر رمضان متأصلة برغم تأثيرات الأزمة الاقتصادية.
-
رمضان في العراق.. أجواء روحانية وطقوس اجتماعية راسخة
في سوق "السلام"، وسط مدينة كربلاء العراقية، يتنقّل علي عبد الجبار (57 عاماً) مع زوجته بين المحلات لشراء حاجيات شهر رمضان أو ما يُعرف باللغة المحلية بـ "مسواك رمضان".
اعتادت الأسر العراقية شراء كميات وفيرة من المواد الغذائية الأساسية والخضار والفواكه قبل أيام من رمضان لتأمين احتياجاتها خلال الشهر الفضيل، ولذلك تتحول الأسواق التجارية إلى ما يشبه خلايا نحل تعجّ بالمتسوقين.
يقول علي عبد الجبار للميادين نت: "مسواك رمضان هو تقليد اجتماعي متوارث في المجتمع العراقي، حيث تعمد الأسر إلى تأمين المواد الأساسية اللازمة لإعداد الأطباق الرئيسية والحلويات والمشروبات على موائد رمضان".
ويتحدث عبد الجبار عن تنوع المائدة الرمضانية في كربلاء، من التشريب والدليمية إلى الدولمة والكبة المصلاوية والمقلوبة والبامية، إضافة إلى سمك المسكوف، أما الحلويات فتتنوع بين الزلابية والبقلاوة والدهين والكليجة، في حين يشكل نومي البصراوي والزبيب والتمر هندي أبرز أنواع العصائر على الموائد.
بالمقابل، يشير عبد الجبار إلى تأثير ارتفاع الأسعار هذا العام على "المسواك الرمضاني"، حيث انخفضت كمية المواد التي اشتراها بشكل ملحوظ مقارنة بالأعوام السابقة، وهذا ما يعزوه عبد السلام إلى انخفاض القدرة الشرائية للمواطنين في ظل الأزمة الاقتصادية التي يشهدها العراق.
شوارع العراق تتزين لحلول شهر رمضان
اكتست شوارع العاصمة العراقية بغداد، وأسواقها، ومحالها التجارية بالأضواء الملونة، والزينة، والفوانيس مع مجيء شهر رمضان المُبارك، حيث اعتاد العراقيون على دمج الطقوس الرمضانية مع التقاليد الشعبية لخلق مزيج فريد من الأجواء الروحانية خلال الشهر الفضيل.
ولا تقتصر الأجواء الرمضانية على الشوارع العامّة، وإنما تصل إلى المنازل، حيث يتهافت العراقيون على شراء الزينة والفوانيس والأضواء لنقل الأجواء الروحانية إلى بيوتهم.
كما يحرص العراقيون على طباعة "الإمساكيات" -تقويم مواقيت الصلاة ومواعيد الإفطار والإمساك- وتوزيعها مجاناً في المساجد والمحلات التجارية.
أجواء روحانية في رمضان
تشهد الأسواق العراقية خلال شهر رمضان ازدحاماً كبيراً، مع انتشار بائعي الحلويات الرمضانية والعصائر، فتمتزج روائح الحلويات مع روائح البهارات، كما تصدح أصوات الباعة الذين يتسابقون لتسويق منتجاتهم بطريقة غنائية، لتتشكل صورة رمضانية فريدة من نوعها.
وفي الوقت نفسه تشهد المطاعم ومحلات الوجبات السريعة إقبالاً كبيراً من العراقيين، كما تتضاعف عمليات الطلبات إلى المنازل، وهذا ما يؤدي غالباً إلى انتعاش الحركة التجارية بشكل ملحوظ خلال رمضان.
ولا يغفل العراقيون عن أهمية التكافل الاجتماعي خلال شهر رمضان، إذ يتسابق الأهالي على تبادل وجبات الطعام مع حلول موعد الإفطار، فترسل كل عائلة أطباقاً متنوعة من موائد إفطارها إلى الجيران والأقارب، وهكذا تتجمع مختلف الأصناف على المائدة الرمضانية في كل منزل، وهذا الطقس الرمضاني متوارث عبر الأجيال لما يتركه من أثر إنساني على تقوية العلاقات والروابط الاجتماعية.
ويبرز التكافل الاجتماعي من خلال المبادرات الإنسانية الخيرية، سواء من خلال توزيع الطرود الغذائية على العائلات الفقيرة قبيل رمضان، أو من خلال تقديم وجبات الإفطار للصائمين خلال الشهر الفضيل، حيث تنشط في مختلف المحافظات مبادرات شبابية ومؤسسات خيرية تنفذ حملات واسعة لإعداد وجبات الإفطار والسحور بكميات كبيرة وتوزيعها على الأسر المتعففة والأيتام وكبار السن والمرضى، ما يعزز من التماسك الاجتماعي ويحقق العدالة الاجتماعية، خاصة مع تزايد التحديات الاقتصادية والمعيشية.
ويضج شهر رمضان بالأجواء الروحانية الدينية، حيث يجتمع الناس في المساجد والحسينيات وحتى المنازل لقراءة الأدعية وتلاوة القرآن والاستماع الى المحاضرات الدينية التي تتحدث عن أهمية ومكانة الشهر الفضيل.
طقوس راسخة وأخرى تقاوم للبقاء
ضمن بعض الأحياء القديمة في العاصمة بغداد، لا يزال "الدمّام" أو "المسحراتي" حاضراً بصوته العذب و"طبلته" التُراثية، وهو يجوب الشوارع والأزقة خلال ساعات الليل لإيقاظ الناس من أجل تناول وجبة السحور.
هذا الطقس الرمضاني بدأ يخفت تدريجياً مع التطور التكنولوجي والعمراني داخل العراق، وبات يقتصر على بعض الأحياء القديمة، لكنه يبقى حاضراً في ذاكرة كبار السن كتقليد راسخ لا يمكن الاستغناء عنه، فوجبة السحور لديهم مرتبطة بوجود "أبو الطبل".
ومن الطقوس الرمضانية التي اختفت داخل المجتمع العراقي "المحيبس"، وهي لعبة تراثية تعتمد على الفراسة والذكاء، حيث يتحدى أفراد العائلة أو الأصدقاء بعضهم لإيجاد الخاتم الذي يتم إخفاؤه مسبقاً.
أما الطقس الرمضاني الذي لا يزال حاضراً بقوة في المجتمع العراقي هو موائد الإفطار الجماعية، حيث تتبادل العائلات الزيارات فيما بينها لتناول وجبات الإفطار، وغالباً ما يستمر الاجتماع العائلي حتى وقت السحور بأجواء مليئة بالفرح والألفة ما يعزز الروابط الاجتماعية فيما بينهم.
كما تشهد معظم الأحياء في مختلف المحافظات بعد الإفطار والصلاة تجمعات شبابية في المقاهي الشعبية والساحات العامة، لتبادل الأحاديث وممارسة الألعاب التقليدية مثل: الطاولة والدومينو.
المطبخ العراقي في رمضان
تتميز موائد الإفطار الرمضانية في العراق بتنوعها الكبير، من التمر واللبن البارد وحساء العدس والنومي البصراوي والتمر هندي، إلى طبق الأرز "التمّن" والمرق "التشريب" مع الفاصولياء أو البامية.
ويعتمد المطبخ العراقي بدرجة كبيرة على الحبوب واللحم، ومن الأطباق الأساسية لدى العراقيين "الدولمة" وهي عبارة عن خضراوات مثل الكوسا والباذنجان والبصل والملفوف محشوة بالأرز واللحم ومنكهة بالبهارات العراقية التقليدية.
وطبق "الدولمة" يختلف بين المحافظات العراقية، فتراه في الشمال يميل إلى اللون الأحمر لأنه يحوي على "معجون الطماطم"، أما في محافظات الوسط والجنوب فلونه أصفر نظراً لاحتوائه على بهارات خاصّة تكون حارّة إلى حد ما.
وبين الطقوس المترسخة في المجتمع والعادات التي اختفت تدريجياً، لا يزال شهر رمضان يمتلك أجواءً روحانية واجتماعية فريدة من نوعها ترتبط بالمجتمع العراقي، وهي بمجملها تدعو إلى التكافل الاجتماعي وتعزيز الروابط الأسرية.