ذاكرة الحروب الثقيلة: لماذا يرفض الأميركيون مغامرات عسكرية جديدة؟

مع الحديث عن حروب جديدة، ينتشر تحفّظ واسع داخل المجتمع الأميركي تجاهها، تغذّيه ذاكرة مثقلة بتجارب أفغانستان والعراق، وخسائر بشرية ومالية هائلة، وتآكل الثقة بالقيادة السياسية وجدوى التدخلات الخارجية.

0:00
  • ذاكرة الحروب الثقيلة: لماذا يرفض الأميركيون مغامرات عسكرية جديدة؟
    ذاكرة الحروب الثقيلة: لماذا يرفض الأميركيون مغامرات عسكرية جديدة؟

يعود سؤال الحرب إلى الواجهة داخل المجتمع الأميركي مع تنامي الحديث في واشنطن عن احتمالات المواجهة قوى إقليمية ودولية، لكنّه يأتي محملاً بذاكرة جمعية مثقلة بتاريخ  من الحروب الطويلة والمكلفة وغير الحاسمة.

فمن أفغانستان إلى العراق، لم تعد تلك المواجهات مجرد محطات في سجل السياسة الخارجية، بل تحولت إلى إرث تاريخي وتجارب عميقة، زعزعت ثقة المواطن بالسلطات، وأعادت إحياء جدل واسع حول دور الولايات المتحدة في العالم، وحدود استعداد الأميركيين لدفع كلفة بشرية ومالية جديدة. 

هذه الذاكرة الثقيلة، التي لا تزال حاضرة بقوة، تشكّل اليوم الخلفية غير المعلنة، التي يستدعيها الأميركيون كمقياس لأي تصعيد عسكري محتمل. ومع قرع طبول الحرب، وتصاعد التهديدات الأميركية بإشعال مواجهة مع إيران والاستيلاء على غرينلاند وإسقاط أنظمة في أميركا اللاتينية، يتجدّد القلق الشعبي إزاء حروب جديدة ومدى جدواها.

الشارع الأميركي: البلاد تنزلق إلى مسار خاطئ

وسط مخاوف تتعلق بالسياسات الخارجية وتراجع الثقة بالقيادة الوطنية، يبدو الرأي العام الأميركي متحفظاً بشدة تجاه أي مغامرة عسكرية خارجية، سواء لإسقاط أنظمة، أو للسيطرة على موارد طبيعية خارجية، أو لإجبار دول على التنازل عن أراضيها للولايات المتحدة.

ويعكس مزاج الشارع هذا الحذر بوضوح، إذ عبّر نحو 70% من الأميركيين عن معارضتهم لأي عمل عسكري ضد إيران، بينما عارض 86% استخدام القوة للاستيلاء على غرينلاند، وفق استطلاع صادر عن معهد استطلاعات الرأي في جامعة كوينيبياك منتصف كانون الثاني/ يناير الجاري. 

وبرغم تباين المواقف داخل الشارع الأميركي حيال ما قامت به الولايات المتحدة من الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع الشهر الماضي، فإن الرفض الشعبي للوجود الأميركي المؤقت في فنزويلا، ولإرسال قوات أميركية إليها، يبدو حاسماً، وفقاً لما أظهره الاستطلاع نفسه. وهو ما يعكس حساسية متزايدة لدى الرأي العام تجاه أي تدخل عسكري خارجي، حتى حين يُغلَّف بشعارات سياسية أو إنسانية.

وفي موازاة ذلك، سجّل الاستطلاع تراجعاً ملحوظاً في رضا الأميركيين عن أداء مراكز القرار في البلاد، إذ قال أكثر من نصف المستطلَعين (56%) إن البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ، بينما يرى كثيرون أن ما يُسمّى "السلطة الأخلاقية" للولايات المتحدة في العالم قد تآكلت خلال عهد الرئيس دونالد ترامب.

وتُعزّز هذه المعطيات، نتائج استطلاع أجرته وكالة "أسوشيتد برس" ومركز "نورك" للأبحاث في الفترة نفسها، كشفت عن رفض معظم الأميركيين لانخراط بلادهم في الشؤون العالمية، كما أظهرت أن أكثر من النصف يعتقدون أن ترامب قد "تجاوز الحد" في استخدام الجيش الأميركي للتدخل في شؤون دول أخرى.

تاريخ طويل من التضليل

وتأتي هذه النتائج في سياق وعي شعبي متنامٍ بكلفة التدخلات السابقة، بعدما تكونت قناعة راسخة بأن حربي أفغانستان والعراق كانتا خيارين خاطئين، قُدِّما للرأي العام على أساس معلومات مضللة، ولم تحققا مكاسب حقيقية للولايات المتحدة، بل خلّفتا أعباء سياسية واقتصادية واجتماعية ما زالت آثارها ماثلة حتى اليوم.

وبينما تروّج بعض الدوائر السياسية في واشنطن لفكرة الردع بالقوة في مواجهة التهديدات الخارجية، يبدو الشارع الأميركي أكثر حذراً وتردّداً، فبعد عقود من الحروب الخارجية، لم يعد معظم الأميركيين يصدّقون الشعارات القديمة ولا التضليلات التي برّرت مغامرات عسكرية سابقة.

وعلى امتداد قرابة عقدين (2001–2021)، وجدت الولايات المتحدة نفسها غارقة في حرب أفغانستان، فيما كان الشارع الأميركي يراكم خيبة بعد أخرى من حرب لم تُترجم وعودها إلى نتائج ملموسة. 

ويوثق الفيلم الوثائقي "حارس الأكاذيب" للمخرج الأميركي دان كراوس، اعتماداً على مصادر حكومية ووثائق سرية وتسجيلات صوتية خاصة، قصة هذه الحرب، كاشفاً طبقات من التضليل والتناقض بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني الذي عاشه الجنود والمدنيون في أفغانستان، ومُظهراً كيف استمرّ المسؤولون الأميركيون بالترويج لنصر قريب، فيما كانوا يخفون تقارير تُشير إلى أن الحرب تتجه إلى كارثة.

وانعكست الحقائق التي تكشفت لاحقاً على موقف الشارع الأميركي. فقد أظهر  استطلاع للرأي أجراه مركز "بيو" عام 2019، أن أكثر من نصف الأميركيين يعتقدون أن الحرب في أفغانستان لم تُسفر عن مكاسب حقيقية، مقابل كلفة بشرية ومالية باهظة تكبّدتها البلاد. وتزامناً مع انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان عام 2021، أجرى "بيو" استطلاعاً جديداً، أشار إلى أن  70% من المشاركين يعتبرون أن الحرب فشلت في تحقيق أهدافها.

وفي سيناريو تضليلي مشابه، تلقى الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن دعماً واسعاً من الشارع الأميركي للإطاحة بصدام حسين عام 2003، بعد أن روّج لما اعتبره تهديداً من النظام العراقي للأمن القومي الأميركي، متحدثاً عن "أسلحة دمار شامل" وعلاقات مزعومة بتنظيم القاعدة، ومؤكداً امتلاكه أدلة على ذلك، في ظل مناخ عام كانت لا تزال فيه صدمة 11 أيلول/ سبتمبر 2001 حاضرة بقوة.

لاحقاً، فُوجئ الأميركيون بأن الدعم الذي قدموه لحرب استمرت 8 سنوات، بُني على أساس من الأكاذيب، بعدما كشفت تحقيقات عديدة أجرتها لجان مستقلة وحكومية أن تلك الإدعاءات لم يكن لها أساس من الصحة على أرض الواقع، ما قوّض مصداقية الحكومة الأميركية وزعزع الثقة بها على نطاق واسع.

حصيلة موجعة من الخسائر المادية والبشرية

الخسائر الفادحة للحروب، رسخت قناعة بأن التدخلات الخارجية لم تجلب للمواطن الأميركي العادي سوى الأعباء، ولم تُترجم إلى مكاسب ملموسة، بل جاءت على حساب أولوياته اليومية من الاقتصاد والصحة والتعليم. 

ففي بلد يعيش فيه نحو 36 مليون أميركي تحت خط الفقر، وفق تقديرات مكتب الإحصاء الأميركي لعام 2024، وبرغم استمرار تراجع المخصصات الفيدرالية للرعاية الصحية والتعليم والخدمات العامة، ما تزال ميزانية الدفاع الأميركية تسجل أعلى مستوى في العالم بفارق شاسع. هذا الاختلال الصارخ بات يغذّي شعوراً متنامياً بأن الداخل يدفع فاتورة الحروب بدون أن يحصد أي ثمار استراتيجية.

وبعد عقود، باتت الحروب الخارجية، لا سيما في أفغانستان والعراق جراحاً مفتوحة في الوعي الأميركي، مع حصيلة موجعة من الخسائر المادية والبشرية. فبحسب مشروع "كوست أوف وور" (Costs of War) التابع لمعهد واتسون/ جامعة براون، أنفقت الولايات المتحدة أكثر من تريليوني دولار على الحرب في أفغانستان، فيما فقدت نحو 6250 قتيلاً بين عسكريين ومدنيين ومتعاقدين، خلال الفترة الممتدة من عام 2001 إلى عام 2021.

وتشير التقديرات نفسها إلى أن الولايات المتحدة أنفقت أكثر من 2.89 تريليون دولار على الحرب في العراق وسوريا خلال نحو عقدين، فيما بلغت الخسائر البشرية الأميركية في العراق وحدها نحو 8260 قتيلاً من العسكريين والمدنيين والمتعاقدين.

وتكمن أكبر كلفة طويلة الأجل لهذه الحروب في إعانات الإعاقة والرعاية الطبية للمحاربين القدامى الذين خدموا في أفغانستان والعراق والمناطق المجاورة منذ 11 أيلول/ سبتمبر 2001، إضافة إلى عائلاتهم. 

ويُعدّ أكثر من 40% من قدامى محاربي ما بعد 11 أيلول/ سبتمبر مؤهلين للحصول على مدفوعات إعاقة مدى الحياة، وبين العامين 2001 و2020، تضاعفت مخصصات الرعاية العامة لهم من 2.4% إلى 4.9% من الميزانية الفيدرالية، بحسب المعطيات السابقة. 

وخلف الأرقام والاستطلاعات والخطابات السياسية، تتجسّد مخاوف الحروب المقبلة في تفاصيل حياة أميركيين عاديين يفكّرون في أقساط منازلهم وتأمينهم الصحي وتعليم أبنائهم ومستقبل وظائفهم، بالنسبة لهم، لم تعد الحرب شأناً جيوسياسياً مجرّداً، بل خطراً يطرق أبواب حياتهم اليومية.

اخترنا لك