دموع ودعوات للانتقام.. أسبوع الوداع الذي أعاد رسم مشهد ما بعد استشهاد القائد الأممي

إيران والعراق شهدتا مراسم تشييع حاشدة امتدت لأسبوع كامل للشهيد السيد علي خامنئي وعائلته بمشاركة ملايين المشيعين المطالبين بالثأر، تأكيداً على تماسك الدولة واستمرار نهجها تحت القيادة الجديدة.

  • دموع ودعوات للانتقام.. أسبوع الوداع الذي أعاد رسم مشهد ما بعد استشهاد القائد الأممي
    دموع ودعوات للانتقام.. أسبوع الوداع الذي أعاد رسم مشهد ما بعد استشهاد القائد الأممي

على مدى أسبوع كامل، وفي أجواء غلب عليها الحزن والدعوات للانتقام، ودّعت إيران الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي وأربعة شهداء من أفراد عائلته، بعد أربعة أشهر من استشهاده في الحرب التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران في 28 شباط/فبراير 2026.

وتحوّلت مراسم التشييع إلى حدث سياسي وديني وشعبي، امتد من العاصمة طهران إلى مدينة قم، مركز الحوزة العلمية، ثم إلى النجف وكربلاء في العراق بما تمثلانه من عمق روحي لدى الإيرانيين، قبل أن يختتم المشهد في مدينة مشهد، مسقط رأس الشهيد، حيث ووري الثرى في العتبة الرضوية إلى جوار مرقد الإمام الرضا (ع).

 الوداع الرسمي.. رسالة استمرارية

استهلت المراسم الجمعة 3 تموز/يوليو بوداع رسمي في مصلى طهران الكبير، خُصص للوفود الرسمية والبعثات الدبلوماسية، في إشارة إلى أن التشييع يتجاوز البعد الداخلي. وشارك أكثر من 300 مسؤول وممثل عن أكثر من مئة دولة، إلى جانب حضور بارز لقوى المقاومة، ولا سيما وفود من حزب الله وحركة أمل وحركة حماس وحركة أنصار الله. وأتاحت هذه المحطة للدول الحليفة والصديقة تسجيل حضورها في لحظة انتقال حساسة، فيما أكدت إيران، من خلال هذا الحضور، أن غياب الشهيد الخامنئي لا يعني فراغا في إدارة الدولة أو في تمثيلها الخارجي.

 الوداع الشعبي... حشود تطالب بالثأر

  • دموع ودعوات للانتقام.. أسبوع الوداع الذي أعاد رسم مشهد ما بعد استشهاد القائد الأممي

بعد انتهاء المراسم الرسمية، تحوّل المصلى إلى ساحة وداع شعبي لم ينحصر بأبناء البلاد بل حضرت وفود شعبية من مختلف دول العالم. ولم يعد مكاناً للبروتوكول، بل فضاء مفتوحا لملايين المشيعين، يحمل في الوقت نفسه رمزية دينية خاصة لدى الإيرانيين، إذ ارتبط لعقود بإقامة صلاة عيد الفطر خلف قائد الثورة، غير أن الصلاة هذه المرة كانت عليه.

وامتلأت الباحة الرئيسية للمجمع منذ الساعات الأولى، فيما قُدرت المشاركة بأكثر من سبعة ملايين شخص خلال يوم ونصف، واستمرت مراسم الوداع 48 ساعة متواصلة.

ورفع المشيعون الرايات السود والحمراء، ورددوا هتافات "الموت لأمريكا"، و"الموت لإسرائيل"، و"الثأر الثأر"، كما حملوا رايات كُتب عليها "يا لثارات الخامنئي"، و"ثأر الإمام أمانة في عنق الأمة... لن ننام حتى نأخذ بثأره"، في تعبير عن تحميل الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية اغتيال أعلى مرجعية دينية ووطنية في البلاد.

وقال الشاب علي محمدي، لـ"الميادين نت": "مطلب الثأر ليس مجرد شعار، بل نحن جادون في هذا الطلب من دولتنا. يجب أن تعرف أمريكا وإسرائيل أن الإقدام على اغتيال رموز إيران بالغ الخطورة وباهظ الضريبة... نريدهم أن يعرفوا أن ثمن الدم لا يُدفع إلا بدم."

وبدموع ملأتها الحسرة قالت راحلة للميادين نت: "عارضت سياساته بشدة ولم أكن أتابع خطاباته وكلماته لكن بعد استشهاده انتشرت بعض كلماته على وسائل التواصل ومن بينها حديثه عن المرأة ومكانتها ووصفها بالريحانة، ثم تعمقت أكثر لأجد أنني ظلمته بقراراتي"، ثم ختمت راحلة حديثها قبل أن تنهار بالبكاء "أرجوك يا سيد علي سامحني".

في زاوية أخرى من باحة المصلى وعلى مقربة من جثامين الشهداء اجتمعت مجموعة من الشباب من ذوي البشرة السمراء، كانوا من مختلف دول القارة الأفريقية، قال أحدهم للميادين نت: "لم يكن السيد علي مخصصا لإيران بل كان قائدا أمميا، وصلت كلماته إلى مختلف دولنا الأفريقية وشكلت إلهاما لنا، رحل الجسد لكن الفكرة باقية ولن تمحى". 

أما الشاب اللبناني حسن قال للميادين نت: "ودعت سماحة السيد حسن نصر الله واليوم أودع السيد علي الخامنئي، هذه أيام صعبة جدا علينا لكن الإمام الخامنئي في آخر وصاياه ردد الآية الكريم "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين"، هو أكد على أن إيماننا لا يجب أن يضعف وأن نواصل المضي في طريق سخروا حياتهم لأجله". 

وعلى جدران خُصصت لكتابة رسائل الغضب والدعوات إلى الانتقام، قال الشاب ميثم عزتي لـ"الميادين نت": "لقد اغتالوا الإمام، وما زالوا يجددون التهديد باغتيال القادة الإيرانيين الآخرين. أيظنون أنهم قادرون على قتلنا كلما أرادوا؟ لا... هذه المرة مختلفة، وإذا لم ننتقم سيصبح قتلنا عادة."

طهران... الحاضنة الشعبية للثورة

  • دموع ودعوات للانتقام.. أسبوع الوداع الذي أعاد رسم مشهد ما بعد استشهاد القائد الأممي

في اليوم الرابع، انطلقت أضخم محطات التشييع في العاصمة، حيث سار المشيعون مسافة تقارب 15 كيلومترا، من شارع دماوند في الشرق إلى أوتوستراد الشهيد لشكري في الغرب، واستغرقت المسيرة أكثر من عشر ساعات تحت حرارة تجاوزت 30 درجة مئوية، بمشاركة قُدرت بنحو 12 مليون شخص.

واكتست شوارع طهران بالرايات السود حدادا، والحمراء طلبا للانتقام، فيما رفعت صور الشهيد الخامنئي ولافتات كتب عليها: "بقبضة اليد المغلقة... نحن في طلب الثأر لدمك". واعتمدت اللجنة المنظمة شعار "يجب أن ننهض"، إلى جانب رمز القبضة المغلقة الذي تصدر اللوحات الإعلانية في أنحاء العاصمة.

وقالت الطالبة فرزانة رحمتي للميادين نت: "الثأر لدماء الخامنئي تكليف شرعي ووطني جاء بالملايين من سكان المحافظات الأخرى إلى هنا. لقد حمل القائد الشهيد راية المقاومة طوال عقود، واليوم جاء دورنا لنحملها من بعده."

وأضافت والدتها: "نحن أمة لا تنسى دماء أبنائها وقادتها... القائد الجديد للبلاد يعرف تماما أن الشعب يريده منتقما، لا حاكما فقط."

ويرى بعض الإيرانيين أن مشروع القائد الجديد، السيد مجتبى الخامنئي، في الانتقام لا يستهدف أشخاصا بعينهم، بل يركز على ضرب الاستراتيجية التي تنتج "قتلة من أمثال نتنياهو وترامب"، بما يمنع تكرار استهداف القيادات الإيرانية مستقبلا.

ومع انتهاء هذا اليوم الطويل، ودعت الحشود جثمان الشهيد قرب مطار مهرآباد الدولي، فيما عبّر كثير من أهالي طهران عبر مواقع التواصل عن لحظة ألم شديدة لأن قائدهم غادر طهران نهائيا بعد نحو خمسين عاما من العيش فيها.

قم... الحاضنة الدينية للثورة

  • دموع ودعوات للانتقام.. أسبوع الوداع الذي أعاد رسم مشهد ما بعد استشهاد القائد الأممي

في اليوم الخامس، انتقل الجثمان إلى قم، مركز الحوزة العلمية وأحد أهم مصادر الشرعية الدينية للجمهورية الإسلامية، في محطة أكدت الترابط بين القيادة السياسية والمرجعية الدينية، ومنحت الجنازة طابعا دينيا يعكس الدور التاريخي للمؤسسة الحوزوية في قيام الجمهورية الإسلامية.

وشارك أكثر من أربعة ملايين شخص في التشييع الذي انطلق من مسجد جمكران، الذي اعتاد الإمام الشهيد زيارته، باتجاه مرقد السيدة فاطمة المعصومة (ع)، على مسافة ثمانية كيلومترات، واستغرقت المراسم أكثر من ست ساعات.

لكن شدة الازدحام حالت دون استكمال المسار إلى نهايته، فنُقلت جثامين الشهداء بالمروحية، وطيف بها جوا حول المرقد الشريف، قبل انتقالهم إلى العراق.

وقال الأستاذ علي عزيزي لـ"الميادين نت" إن التشييع في طهران وقم "أثبت أن الشعب الإيراني موحد حول قيادته، وأن الحضور الشعبي الغفير يمثل ورقة قوة تدعم الموقفين السياسي والعسكري لإيران، ورسالة واضحة للولايات المتحدة وإسرائيل بأن محاولاتهما إخضاع الجمهورية الإسلامية قد باءت بالفشل."

النجف وكربلاء... الامتداد الروحي للثورة

  • دموع ودعوات للانتقام.. أسبوع الوداع الذي أعاد رسم مشهد ما بعد استشهاد القائد الأممي

بلغت مراسم التشييع ذروتها العابرة للحدود في اليوم السادس، مع تشييع مهيب في النجف وكربلاء شارك فيه نحو عشرة ملايين شخص. واكتسبت هذه المحطة دلالة خاصة، إذ نقلت الجنازة من إطارها الوطني الإيراني إلى الفضاء الديني الأوسع، في مدينتين تمثلان جزءاً من الهوية الروحية للإيرانيين بما تضمانه من مرقدي الإمام علي (ع) والإمام الحسين (ع)، اللذين يقصدهما ملايين الزوار الإيرانيين على مدار العام.

كما حملت المحطة بعدا شخصيا في سيرة الشهيد، إذ عاد إلى النجف وكربلاء بعد نحو سبعين عاما من آخر زيارة لهما، بعد منعه من الزيارة في عهد الشاه ثم مسؤولياته بعد انتصار الثورة التي حالت من زيارة العراق، رغم ما عُرف عنه من تعلق بالمراقد المقدسة، وما كان يعبّر عنه مرارا من أسفه لعدم تمكنه من زيارتها بسبب موقعه السياسي والاعتبارات الأمنية.

مشهد... الوداع الأخير

  • دموع ودعوات للانتقام.. أسبوع الوداع الذي أعاد رسم مشهد ما بعد استشهاد القائد الأممي

وصل الجثمان في اليوم السابع إلى محطته الأخيرة في مدينة مشهد، مسقط رأس الشهيد وموطن مرقد الإمام الرضا (ع)، حيث احتشد ملايين المشيعين في الشوارع والساحات ومحيط العتبة الرضوية، ورفعت في المدينة ومطارها ومحطات مترو الأنفاق صور الإمام الشهيد ولافتات خاصة بمراسم التشييع، فيما حمل المشاركون الأعلام الإيرانية والرايات الحمراء.

وتُمثل مشهد، إلى جانب مكانتها الدينية باعتبارها أكبر مدن الزيارة في إيران، البعد الشخصي في سيرة الشهيد، إذ وُلد فيها وعاد إليها بعد رحلة امتدت عقودا في قيادة الجمهورية الإسلامية.

وبمواراة الجثمان الطاهر، الثرى في رواق دار الذكر داخل العتبة الرضوية، اختتم الإيرانيون أحد أضخم مراسم التشييع في تاريخ الجمهورية الإسلامية والمنطقة. كما أن وضع قبر الشهيد الخامنئي في محيط ديني يرتاده ملايين الزوار سنويا، سيجعله جزءا من جغرافيا الزيارة الدينية في إيران ومزارا شعبيا دائما.

دلالات التشييع... ما بعد الوداع

تتعدّد دلالات التشييع وتتشعب لكن تُقرأ في الداخل الإيراني بوصفها مؤشرات على تماسك النظام والشعب وقدرتهما على إدارة المرحلة الجديدة، كما عكست تحويل لحظة الفقد إلى رسالة قوة سياسية، تؤكد استمرار مؤسسات الدولة، وتماسك البيئة الشعبية المؤيدة للجمهورية الإسلامية.

وبانتهاء مراسم الدفن في مدينة مشهد، أسدل الإيرانيون الستار على أسبوع من الحداد، لكنهم فتحوا في الوقت نفسه صفحة جديدة عنوانها إدارة مرحلة ما بعد الشهيد الخامنئي، في ظل قيادة جديدة مصرة على ترجمة شعارات الحشود إلى سياسات وقرارات والمحافظة على إرث الشهيد ومواصلة نهجه.

بدأت يوم الجمعة 3 تموز/يوليو مراسم تشييع القائد الأممي الشهيد السيد علي خامنئي، في مراسم تستمر عدة أيام وتتنقل بين عدة مدن في إيران والعراق.

اخترنا لك