خفض قيمة الدينار العراقي يربك الأسواق ويزيد الأعباء المعيشية

أدى قرار البنك المركزي العراقي تعديل سعر صرف الدولار إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية واضطراب الأسواق، ما فاقم الأعباء المعيشية على المواطنين وكشف هشاشة اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط والاستيراد.

0:00
  • خفض قيمة الدينار العراقي يربك الأسواق ويزيد الأعباء المعيشية
    خفض قيمة الدينار العراقي يربك الأسواق ويزيد الأعباء المعيشية

يقف علي المعموري، البالغ من العمر 52 عاماً، حائراً في سوق "المعملجي" بمدينة كربلاء العراقية، وهو يراقب الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية، بعدما بات عاجزاً عن شراء حاجاته الأساسية التي لم تعد تتناسب أسعارها مع قدرته الشرائية. 

وجاءت موجة الغلاء عقب قرار البنك المركزي العراقي تعديل سعر صرف الدينار مقابل الدولار الأميركي، بنسبة بلغت نحو 15%، ما انعكس سريعاً على الأسواق المحلية، وأدخل قطاعات تجارية واسعة في حالة من الركود والاضطراب.

يقول المعموري لـلميادين نت: "بين ليلة وضحاها انقلبت الأمور رأساً على عقب. السلعة التي كان سعرها 1000 دينار قبل القرار أصبحت تُباع بـ1500 دينار. يستغل التجار هذه القرارات وغياب الرقابة لتحقيق مكاسب مالية كبيرة، فيما يبقى المواطن ضحية سياسات الحكومة وجشع التجار".

ويعمل المعموري في وظيفة حكومية خلال النهار، ويقود سيارة أجرة مساءً، لكن مصدرَي الدخل لم يعودا كافيين لتغطية أعباء الحياة، من نفقات تعليم أطفاله وفواتير الكهرباء والمياه وأجور المولدات، وصولاً إلى تكاليف الطعام والدواء.

ويضيف أن الأسواق شهدت خلال الأشهر الماضية ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار المواد الغذائية، قبل أن يأتي القرار الأخير ليفاقم الأزمة ويطال تأثيره مختلف القطاعات الحيوية، من الغذاء والدواء إلى المواصلات والأجهزة الكهربائية. ويتساءل: "كيف سيتمكّن المواطن من تحمّل كل ذلك، فيما بقي راتبه على حاله ولم يتغيّر؟".

ولا تقتصر معاناة المعموري على حالته الفردية، بل تعكس واقع شرائح واسعة من العراقيين الذين يواجهون ضغوطاً معيشية متزايدة، ويحاولون التوفيق بين دخول محدودة وحاجات أساسية تتصاعد تكاليفها يوماً بعد يوم.

قرار مفاجئ

ولا تنفصل هذه الضغوط المعيشية عن الاضطراب الذي أحدثه قرار مفاجئ اتخذه البنك المركزي العراقي بتعديل سعر صرف الدولار مقابل الدينار، فاعتمد سعر بيع الدولار الأميركي للجمهور عند 1520 ديناراً للدولار الواحد، بعدما ظل السعر مثبتاً عند 1320 ديناراً منذ شباط/فبراير 2023.

وسرعان ما انعكس القرار على سوق الصرف الموازية، إذ قفز سعر مئة دولار من 156 ألف دينار إلى 186 ألفاً عند صدوره، قبل أن يتراجع لاحقاً إلى نحو 170 ألف دينار.

وأحدث القرار ارتباكاً واسعاً في الأسواق الرئيسية ببغداد، ومنها الشورجة وجميلة وشارع الصناعة، حيث أغلقت محال ومخازن تجارية أبوابها، وتوقفت عمليات البيع والشراء بانتظار اتضاح اتجاهات الأسعار واستقرار السوق.

في المقابل، ارتفعت أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية والأدوية والأجهزة الإلكترونية، وسط تراجع تداول العملات الأجنبية وإغلاق عدد كبير من المخازن ومحال بيع الجملة.

وزاد لجوء التجار إلى رفع أسعار بضائعهم، كإجراء احترازي، من حدة الأزمة، لا سيما أن قسماً كبيراً من السلع الاستهلاكية والأجهزة الكهربائية المتداولة في العراق مستورد، ما يجعل أسعارها شديدة التأثر بتقلبات سعر الصرف.

وفي ظل هذه التطورات، تصاعد الاستياء الشعبي، وارتفعت الدعوات إلى التراجع عن القرار بسبب انعكاساته المباشرة على الحياة اليومية للعراقيين، فيما أحجم كثيرون عن الشراء انتظاراً لما ستؤول إليه الأوضاع.

وفي توضيح لأسباب تعديل سعر الصرف، قال البنك المركزي إن الخطوة جاءت "نظراً للظروف الاقتصادية والمالية الراهنة، وبناءً على توصية مجلس الوزراء".

وأكد البنك قدرة احتياطياته الأجنبية على تلبية المتطلبات النقدية، مشدداً على استمرار تمويل التجارة الخارجية، وتسوية معاملات البطاقات المصرفية في الخارج، وتوفير النقد للمسافرين.

واعتبر أن تعديل سعر الصرف من شأنه أن يفتح آفاقاً جديدة لخدمة الاقتصاد الوطني والمواطن، عبر دعم المنتج الوطني والصناعة المحلية وتعزيز قدرة السلع العراقية على المنافسة أمام المنتجات المستوردة.

وربط مراقبون القرار بالضغوط الاقتصادية الناجمة عن أزمة مضيق هرمز، في ظل اعتماد العراق الكبير على صادرات النفط، التي توفر نحو 90% من إيرادات الدولة. وأدى إغلاق المضيق عقب الحرب الأميركية على إيران إلى تكبيد الاقتصاد العراقي خسائر كبيرة، وفاقم المخاوف من تداعيات استمرار اضطراب طرق تصدير النفط.

ركود في الأسواق

بين ليلة وضحاها، تبدّل المشهد في أسواق الجملة الرئيسية بالعاصمة بغداد؛ فبعدما اعتادت ضجيجاً متواصلاً وحركة نشطة طوال اليوم، خيّم عليها الهدوء، وأغلق عدد كبير من التجار مخازنهم بانتظار استقرار الأوضاع.

وتشهد هذه الأسواق تراجعاً حاداً في أعداد المتسوقين، بالتزامن مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية والخضار والفواكه، في مشهد يعكس حجم الاضطراب الذي أصاب حركة البيع والشراء.

وامتدت التداعيات إلى الأسواق التجارية في المحافظات الأخرى، التي تعتمد بدرجة كبيرة على البضائع الواردة من بغداد. ومع ارتفاع كلفة الحصول على السلع، عمد تجار في تلك المحافظات إلى زيادة أسعار بضائعهم، قبل أن تنتقل الزيادات إلى المحال الصغيرة، التي رفعت أسعارها بنسب تجاوزت، في بعض الحالات، نسبة ارتفاع سعر الدولار مقابل الدينار.

وهكذا، وجد المواطن نفسه أمام الحلقة الأشد وطأة في الأزمة، إذ يدفع كلفة ارتفاع الأسعار من دخله المحدود، من دون أن يقابل ذلك تحسن في الأجور أو زيادة في الرواتب.

ويواجه العراقيون أصلاً صعوبات في تغطية نفقات الخدمات والصحة والغذاء والمواصلات، لتأتي الأزمة الجديدة وتضاعف الأعباء المعيشية وتضيّق هامش الإنفاق المتاح للأسر.

جذور الأزمة

لم يكن الاضطراب الذي أعقب قرار البنك المركزي وليد اللحظة، بل جاء في سياق مشكلات اقتصادية متراكمة، تعاني منها الأسواق العراقية منذ سنوات. فإلى جانب إغلاق محال الجملة وتعطل بعض شركات الصرافة، برزت هشاشة السوق المحلية أمام التغيرات المفاجئة في سعر الصرف، في ظل اعتماد واسع على الاستيراد ومحدودية البدائل المحلية.

وتشهد الأسواق العراقية منذ سنوات ركوداً متقطعاً، بالتوازي مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. كما أسهم ارتفاع كلفة استيراد السلع المسعّرة بالدولار، وزيادة أسعار المواد الأولية والسلع الوسيطة، واتساع الفجوة بين سعري البيع والشراء في السوق، في تعميق الضغوط على التجار والمستهلكين.

وتفاقمت هذه الاختلالات مع عجز الحكومات المتعاقبة عن معالجتها بصورة مستدامة، حتى جاءت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران لتزيد المخاطر الاقتصادية وتكشف حجم تعرض العراق للصدمات الإقليمية.

ويعود جانب أساسي من هذه الهشاشة إلى اعتماد الاقتصاد العراقي الكبير على عائدات النفط، التي تمر صادراتها عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة أو تراجع في الصادرات ينعكس على الإيرادات العامة وقدرة الدولة على إدارة التزاماتها المالية.

وفي هذا السياق، يؤكد الأستاذ الجامعي محمد السامرائي، في حديث إلى الميادين نت، أن الأزمة الاقتصادية الحالية لا ترتبط بقرار البنك المركزي وحده، بل هي نتيجة تراكم سياسات وقرارات اقتصادية خاطئة على مدى سنوات، في ظل عجز الحكومات المتعاقبة عن إيجاد بدائل اقتصادية تقلّص الاعتماد على النفط وتحدّ من تأثير التقلبات الخارجية.

ويرى السامرائي أن ما تشهده الأسواق العراقية اليوم هو نتيجة طبيعية لسنوات من الإهمال والتراخي في التعامل مع التطورات السياسية والأزمات الاقتصادية في المنطقة، الأمر الذي جعل العراق أكثر عرضة لتداعيات التصعيد الإقليمي.

في المقابل، يشير إلى أن الأزمة الراهنة قد تشكّل فرصة لإعادة النظر في بنية الاقتصاد الوطني، عبر تنويع مصادر الدخل، ودعم الإنتاج المحلي، وتوسيع الفرص أمام المشاريع الاستثمارية الصغيرة والكبيرة، بما يعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات الإقليمية والدولية.

لا يبدو أن العراق قادر، في المدى القريب، على التحرر من الاعتماد على النفط، لكن التحديات الحالية تضع أمامه ضرورة ملحّة للانتقال إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وأقل هشاشة أمام الصدمات الخارجية. ويتطلب ذلك تحركاً حكومياً فاعلاً لدعم الكفاءات الشابة، ومنح الأولوية للمنتجات المحلية، وتوسيع قاعدة الاستثمار والإنتاج، إلى جانب تعزيز الرقابة على الأسواق والحد من الاستغلال.

ففي نهاية المطاف، لا تُقاس فاعلية السياسات الاقتصادية بمؤشراتها المالية وحدها، بل بقدرتها على حماية القدرة الشرائية للمواطنين، وضمان وصولهم إلى حاجاتهم الأساسية، ومنع تحوّل كل أزمة جديدة إلى عبء إضافي على الأسر العراقية.

اخترنا لك