حمزة أبو قينص.. راثي الشهداء وصوت غزة الشجي

حمزة أبو قينص، المنشد الفلسطيني الملقب براثي الشهداء، وسيرته وأشهر أناشيده التي وثّقت معاناة غزة وصمود شعبها، ومنها "وين رايح" و"أخي سوف تبكي عليك العيون".

0:00
  • راثي الشهداء وصوت غزة الشجي.. حمزة أبو قينص
    راثي الشهداء وصوت غزة الشجي.. حمزة أبو قينص

في كل زاوية من زوايا قطاع غزة الصابر، كانت أصوات الأناشيد تتردد كبلسم يمسح على قلوب الثكالى والمكلومين. ومن بين تلك الحناجر التي نذرت صوتها للوطن، برز اسم المنشد الفلسطيني الشاب حمزة أبو قينص، ابن حي الشيخ رضوان غرب مدينة غزة، الذي عُرف بين أهالي القطاع وفي فلسطين بلقب "راثي الشهداء".

لم يكن أبو قينص مجرد منشد عابر، بل كان صوتاً مجتمعياً نابضاً بالحياة، يجسد آلام الفلسطينيين وآمالهم في الحرية والكرامة، ويعبّر بأناشيده عن وجدان الناس وتجاربهم في ظل الحرب والفقدان.

حمزة أبو قينص.. بداية مسيرة الإنشاد من الإذاعة المدرسية

بدأت مسيرته الفنية في سن مبكرة جداً، وتحديداً عندما كان طالباً في الصف الرابع الابتدائي؛ إذ انطلقت حكايته مع الإنشاد من الإذاعة المدرسية، التي ملأها بحلاوة صوته وعذوبته، قبل أن تمتد خطاه مبكراً نحو الأستوديوهات الصوتية ليبدأ تسجيل أعماله الأولى.

تميّز أبو قينص بصوته العذب والدافئ، القادر على ملامسة شغاف القلوب بلا تكلف، واستخدم موهبته في الإنشاد سلاحاً معنوياً وإرثاً فنياً في المهرجانات الوطنية والمناسبات العامة، ومن خلال الأناشيد المسجلة التي وصلت إلى كل بيت فلسطيني.

غنّى حمزة للمقاومة الباسلة، ورثى بصدق وعمق أبطالها، فشكّلت أعماله مرآة حقيقية لواقع الشارع الغزي، وعكست مشاعر الحزن والصمود والفخر لدى أهالي قطاع غزة.

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، كان نشاطه واسعاً ومؤثراً، إذ تفاعل المتابعون بحماس مع إصداراته التي وثّقت لحظات العزة والفخر. ومن أبرز أعماله أنشودة "وين رايح"، التي لامست قلوب ملايين المحبين بصدق تعابيرها، إلى جانب عمل الإهداء المؤثر "يا حنين الشوق"، الذي خصّصه لشهداء عائلة أبو ريا في جباليا.

أناشيد حمزة أبو قينص.. صوت الفقدان والصمود في غزة

لم تقتصر رسالة حمزة على الفن والإنشاد فحسب، بل دفع ضريبة الانتماء من دمه وعائلته؛ فقد تجرّع مرارة الفقدان مبكراً باستشهاد أشقائه ووالده، وبقي صامداً يواسي الناس بأنشودته الخالدة "أخي سوف تبكي عليك العيون"، وكأنه كان يكتب لحنه الخاص ويجهّز لرحيله الطاهر.

لقد تركت كلماته وألحانه أثراً عميقاً في الوجدان الجمعي لأهالي غزة، فمنحتهم صبراً إضافياً على مواجهة القهر والحصار، وتحولت تسجيلاته إلى أناشيد وداع لكل عائلة تودّع شهيداً لها في دروب فلسطين وتضحيات شعبها.

صداقة جمعتها المحبة وخلّدها الفقدان

عُرف حمزة أبو قينص بين رفاقه وأهل حيّه بخفة دمه وروحه الجميلة التي لا تُنسى، وتحديداً بين أصدقائه من الصحفيين، أمثال أنس الشريف وإسماعيل الغول.

ولطالما جمعت بينهم لحظات إنسانية تفيض بالمحبة، خلّدها مقطع فيديو شهير يظهرهم وهم يتبادلون المزاح تحت قصف الموت. في ذلك المقطع، داعب الصحفي أنس الشريف صديقه حمزة قائلاً: "إذا استشهدنا لا تنسى أن تنشد لنا"، ليرد عليه حمزة بابتسامته المعهودة وصوته الدافئ: "يبدو لن يبقى منا أحد حتى ينشد للآخر".

وكأنهم كانوا يتعاهدون على درب الشهادة والفقد، ليرحل الثلاثة تباعاً، وتبقى ضحكاتهم وصداها محفورة في وجدان الناس، شاهدة على لحظات إنسانية جمعتهم وسط أهوال الحرب.

استشهاد حمزة أبو قينص في غزة.. رحيل الجسد وبقاء الصوت

ظل حمزة مرابطاً بصوته وروحه في شمال غزة، حتى استهدفه طيران الاحتلال، ليرتقي شهيداً متأثراً بجراحه يوم الأحد 13 تشرين الأول/أكتوبر 2024، ويلتحق بمن طالما رثاهم وخلّد سيرتهم بأعذب الكلمات.

رحل الجسد، لكن الصدى العذب بقي يتردد في أزقة المخيمات والشوارع المدمرة، وتواصلت أناشيده في استحضار الحكاية الفلسطينية، ومن بينها أنشودة "يا كاتب التاريخ"، التي وثّقت بطولات الأحرار.

لقد ترك المنشد الفلسطيني حمزة أبو قينص فراغاً كبيراً في المشهد الثقافي والوطني، لكن سيرته العطرة بقيت حيّة في ذاكرة مجتمع لا ينسى من وقف إلى جانب آلامه وأفراحه بصوت الصدق والإباء.

وهكذا، بقي حمزة، المعروف بلقب "راثي الشهداء"، حاضراً في ذاكرة الفلسطينيين من خلال أناشيده التي رافقت لحظات الفقد والصمود، وصوته الذي تحوّل إلى جزء من الذاكرة الإنسانية والوطنية لقطاع غزة.

اخترنا لك