حظر "التوك توك" في مصر: بين تنظيم المرور وتهديد أرزاق الملايين
قرار مصر حظر "التوك توك" وإحلاله بمركبات بديلة يثير مخاوف ملايين السائقين من فقدان مصادر رزقهم، برغم أهدافه التنظيمية والأمنية.
-
حظر "التوك توك" في مصر: بين تنظيم المرور وتهديد أرزاق الملايين
في زاوية من شارع القصر العيني التاريخي بالقاهرة، وقف الشاب محمود عليوة يحبس دموعه بعدما أوقفه شرطي المرور مطالباً بإبراز ملكية وتراخيص مركبة "التوك توك" التي يعمل عليها سائقاً لإعالة أسرته المكوّنة من ستة أفراد.
عليوة، شاب على مشارف الثلاثين وخريج كلية التجارة بجامعة عين شمس، لم يجد عملاً يليق بمؤهله، فاضطر إلى شراء "توك توك" بالتقسيط للإنفاق على عائلته.
عمّمت السلطات المحلية قراراً بحظر "التوك توك" - وهو دراجة نارية ثلاثية العجلات - في الشوارع الرئيسية بثلاث محافظات: القاهرة والجيزة والإسكندرية، مع خطة لتعميم التجربة على بقية المحافظات، واستبداله بسيارات صغيرة ملائمة للشوارع الضيقة والحارات الشعبية، وتتميّز بالأمان والانضباط الغائبين عن "التوك توك" الذي يعمل غالباً بدون ترخيص، ويُستبدل بمركبة تُعرف باسم "باجاج كيوت".
يأس وخوف من قرار الإحلال
قرار سحب وإحلال "التوك توك" بعربة صغيرة تعمل بالغاز أو البنزين (باجاج كيوت) دفع عليوة إلى اليأس والخوف من تراكم الديون، كما يضعه تحت رحمة السلطات التي تصادر المركبة المخالفة لشروط التراخيص والسلامة.
في لحظة توقيفه، انشغل بتفادي هذا المأزق من دون سحب مركبته أو دفع غرامة جديدة، خاصة أنه دفع سابقاً غرامات وصلت إلى 10 آلاف جنيه (الدولار ≈ 47 جنيهاً) لمخالفته السير في شوارع رئيسية، لكنه فعل ذلك هذه المرة لنقل والده السبعيني إلى المستشفى بعد إصابته بجلطة دماغية مفاجئة.
بصوت متقطع مليء بالمرارة، تساءل عليوة في حديثه لـلميادين نت: "كيف أشتري المركبة الجديدة بقرض آخر؟ اشتريت التوك توك بـ50 ألف جنيه بعد التخرج، وهو رزقي الوحيد. لو ألغوه هروح فين؟ البطالة زادت، والسيارة الجديدة باهظة الثمن مقارنة بحالي، وليس في مقدرتي اقتناؤها".
محمود عليوة، الذي يخشى فقدان دخله اليومي المتراوح بين 200 و300 جنيه (أقل من 7 دولارات)، قد يدفعه القرار إلى طابور العاطلين مجدداً، فيما تتطلب إجراءات ترخيص العربة الجديدة نحو 13 ألف جنيه (300 دولار)، وهو مبلغ كبير مع أعبائه الأسرية وأقساط البنك، مؤكداً أن القرار "سيقلب حياتي رأساً على عقب".
انتشار واسع وجدال محتدم
ينتشر "التوك توك" كوسيلة نقل رخيصة في دول آسيوية وعربية، لكنه يتسبب بفوضى مرورية، ما دفع مصر إلى برنامج لاستبداله بـ"الكيوت". ودخلت هذه المركبة إلى مصر عام 2005 من الصين عبر وزارة التجارة وصفقات رجال أعمال. وتعريفته غير موحدة، وتكمن خطورته في ارتفاع الحوادث ومعدلات الاستغلال الجنائي.
أثار قرار الإحلال جدلاً بين مؤيد ومعارض، إذ يُقدَّر أن نحو 5 ملايين مصري يعتمدون على "التوك توك". وبرغم أن التطبيق تدريجي وطوعي في مرحلته الأولى، فإنه يترافق مع غرامات قد تصل إلى آلاف الجنيهات، بينما تتطلب السيارة الجديدة رخصة قيادة ولا يقودها صغار السن كما في "التوك توك"، ما قد يهدد مصدر رزق ملايين الشباب ويزيد البطالة.
ضمن هؤلاء محمود فؤاد كمال (17 عاماً)، الذي دفعته ظروفه الاجتماعية إلى التسرب من التعليم في المرحلة الإعدادية. وبرغم أنه حرفي في النجارة، فإنه تركها لصالح قيادة "التوك توك" الذي يوفر دخلاً يكفي أسرته المكوّنة من أربعة أطفال إضافة إلى والديه، وفقاً لحديثه لـلميادين نت.
في شوارع السيدة زينب المزدحمة بالقاهرة، يقود كمال - الذي لا مورد آخر لأسرته بعد إصابة والده بمرض الكلى المزمن - مركبته، ويقول بغضب إن ملاحقة الحكومة للسائقين ومصادرة مركباتهم وقصر حركتها على الطرق الفرعية، مع حملات ضبط غير المرخص، "تزيد فقر الغلابة"، معرباً عن خشيته من فقدان مصدر رزقه الوحيد.
مخاوف تتسع بين السائقين
في شارع عين شمس بمنطقة حلمية الزيتون، يسير محمد محمود مكي بـ"التوك توك" وهو يشعر بالخوف من توقيفه ومخالفته أو مصادرة مركبته.
مكي، الذي يعمل وردية ليلية لدعم معيشة أسرته، يرى أن ملايين المصريين - خصوصاً الشباب - وجدوا في "التوك توك" مدخلاً إلى سوق العمل.
هذا الشاب الأربعيني، الذي نزحت أسرته من المنيا إلى القاهرة واستقر في مصنع صغير للبلاستيك، يقول إن أعباء الحياة تدفع الفرد إلى الجمع بين أكثر من عمل، محذراً من أن "القرار سيدمر نحو 6 ملايين مصري، لأنه سيطال حرفيين وميكانيكيين وورش صيانة وقطع غيار، ويهدد ملايين الأسر بأزمة اجتماعية خطيرة".
ولا توجد إحصاءات رسمية دقيقة لعدد "التوك توك" في مصر. فبينما قدّرته الحكومة بنحو 2.5 مليون مركبة حتى منتصف 2021، بلغ عدد المرخّص منها نحو 187 ألفاً وفق الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء نهاية 2024، فيما تشير تقديرات شبه رسمية إلى نحو 3.5 مليون مركبة على مستوى البلاد.
خطر على الأسر الفقيرة
بلهجة يائسة، يقول فيصل عبد الرحيم: "التوك توك ده مش مجرد وسيلة نقل، ده رزقي الوحيد. لو ألغوه هروح فين؟ العربة الجديدة غالية، سعرها يصل إلى 250 ألف جنيه. من أين نأتي بها؟ نحن عائلات فقيرة لا تمتلك قوت يومها".
بعد القرار، توقف عبد الرحيم، وهو ستيني، عن العمل في الشوارع الرئيسية بمنطقة الهرم بالجيزة، ما خفّض دخله اليومي بنسبة 70%، وأثّر مباشرة في أسرته. ويقول إنه يفكر في عمل بديل لكنه يخشى تراكم الديون، إذ لا يزال مديناً بنحو 30 ألف جنيه من ثمن المركبة، مضيفاً: "من يطلب رجلاً ستينياً للعمل؟ القرار سيدمر بيوتاً كثيرة مثلنا".
الأب لثلاثة أطفال، عبد الفتاح ناجح، يرى أن مقترح الاستبدال غامض، إذ لا يعرف إن كان سيتمكن من بيع "التوك توك" في ظل الإحلال، أم سيتكبد خسائر مضاعفة، لأنه اشتراه بالتقسيط قبل عامين ولا يزال يسدد القرض.
ناجح، حارس عقار أربعيني بمنطقة فيصل، يخشى تداعيات القرار على أسرته، إذ يعد "التوك توك" مصدر رزق أساسياً لها، كما أنه لا يجيد قيادة السيارات، قائلاً: "سأتعرض للسجن إن لم أسدد الديون، ومن يعيل أسرتي؟".
وبرغم التيسيرات التمويلية التي طرحتها الحكومة لاستبدال "التوك توك"، ومنها منح المالك نحو 13 ألف جنيه كحوافز وتسهيلات ترخيص، يرى ناجح أنها غير كافية مع ارتفاع سعر السيارة الجديدة إلى نحو 200 ألف جنيه، ولا تتناسب مع وضعه المعيشي.
قلق واسع بين الملاك
يشير صبري جاد، مستشار الرابطة العامة لمالكي "التوك توك" في مصر، إلى أن حظر المركبة داخل المدن واستبدالها بسيارة يثير قلقاً واسعاً بين الملاك، مضيفاً أن نحو 8 ملايين مواطن - بخلاف الأسر - مهددون بفقدان مصدر رزقهم.
ويؤكد أن "التوك توك" أصبح واقعاً يصعب إلغاؤه كلياً، وأن الحظر التام سيؤدي إلى أزمات مالية للمالكين وورش الصيانة ومحال قطع الغيار، لافتاً إلى أن مصر تضم نحو 3.5 مليون مركبة من هذه الفئة يُصنَّع جزء منها محلياً، وأن حظرها يهدد معيشة نحو 10 ملايين مصري من سائقين وأسر، وقد يفاقم أزمة النقل داخل المحافظات.
ووفق رابطة الملاك، تقوم شركة غبور منذ 25 عاماً بتجميع "التوك توك"، فيما تُنتج المركبات البديلة بالتعاون مع مصنع 999 الحربي بمكونات مستوردة من شركة "باجاج" الهندية، إلا أن ارتفاع سعرها لن يحل الأزمة.
رؤية رسمية: ضرورة تنظيمية
يرى اللواء أحمد هشام، الخبير المروري، أن "التوكتوك قنبلة موقوتة"، وأن استبداله ضروري لتقليل الحوادث والحد من معدلات الجريمة، مع ضرورة تدريب السائقين على قيادة المركبة الجديدة.
وأضاف أن القضية "أمن قومي"، بسبب ملايين المركبات غير المرخصة التي تسبب فوضى مرورية، وأن القرار يتماشى مع تطوير منظومة النقل وتوفير بدائل أكثر أماناً، منها سيارات كهربائية صديقة للبيئة.
رد حكومي بين الترغيب والضبط
أكدت الحكومة المصرية أن الاستبدال طوعي في المرحلة الأولى، مع حرية المالك في البيع بالسعر الذي يحدده، لكنها حددت شروطاً للإحلال، منها أن يكون المالك من أبناء المحافظة ومثبتاً بالرقم القومي. كما يقتصر الحظر على الشوارع الرئيسية والمحاور الحيوية، مع سحب المركبة المخالفة وتغريم مالكها نحو 3000 جنيه، وإلزامه بالانضمام لمنظومة الإحلال، وفق بيان محافظة الجيزة، مع توجيه المركبات المستبدلة إلى المناطق الريفية.
وقال محافظ الجيزة عادل النجار إن المرحلة الأولى اختيارية، مشيراً إلى أن الإحلال سيصبح إلزامياً عند عدم الترخيص أو السير في الشوارع الرئيسية، مؤكداً أن الهدف هو تنظيم النقل الصغير وتقليل الحوادث والجرائم وتحسين جودة الحياة دون التضييق على الأرزاق.
ويرى جمال عسكر، رئيس لجنة الصناعة بنقابة المهندسين، أن المبادرة خطوة إيجابية نحو مركبات أكثر أماناً وصديقة للبيئة، لكنه شدد على ضرورة تسهيل تمويل السائقين لتجنب زيادة البطالة.
أما هشام إبراهيم، أستاذ التمويل بجامعة عين شمس، فيرى أن القرار يدعم التنمية، لكنه يتطلب توازناً بين التنظيم والدعم الاقتصادي لتفادي تفاقم البطالة.