حظر الحجاب في أذربيجان: علمانية السلطة أم أمننة الهوية؟
تثير القيود المفروضة على الحجاب في مدارس أذربيجان احتجاجات شعبية وحقوقية، وتفتح النقاش حول العلمانية وحرية المعتقد وحق النساء والفتيات في التعليم والعمل.
-
حظر الحجاب في أذربيجان: علمانية السلطة أم أمننة الهوية؟
في اللحظة ذاتها، يتكشّف في الميدان العالمي مشهدان متناقضان تماماً. الأول في فرنسا، حيث ينتفض الطلاب في الشوارع لتحسين شروط التعليم، وبُناه التحتية التي يرونها متهالكة، مطالبين بتطوير المناهج العلمية والارتقاء بالبيئة التعليمية برمتها. أما الثاني، فيقع على مسافة أبعد في الشرق، وتحديداً في أذربيجان.
هناك، تختلف طبيعة الأزمة واهتمامات السلطة؛ إذ ينصبّ تركيز الرئيس إلهام علييف على زيّ الطالبات وتحديداً على حجابهن. فمضمون ما يتعلمنه ليس هو الأولوية في الأجندة الرسمية، بل الأهم هو الهيئة التي يدخلن بها إلى المدرسة.
نتيجةً لذلك، تُمنع الفتيات المحجبات من حضور الدروس، ويقاطع الزملاء والزميلات الحصص تضامناً معهن، بينما يتجمّع الأهالي أمام بوابات المدارس مطالبين بحق بناتهم الأصيل في التعليم.
قد يبدو هذا المشهد تفصيلاً هامشياً إذا قيس بحجم أزمات إقليم القوقاز، المُثقل تاريخياً بالصراعات والحروب والنزاعات الدامية. غير أنه يكشف عن تناقض بالغ العمق؛ فبينما ترفع الدولة شعار تحرير المدرسة من الرموز الدينية، تجعل من هذا الرمز نفسه معياراً وشرطاً للحصول على حق التعلم.
يغدو الحجاب هنا أشبه باختبار خفي لطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، فيما تحولت بوابة المدرسة إلى حدٍّ سياسي يفصل بين مواطنين يُفترض أنهم متساوون في الحقوق.
بدأت فصول الأزمة مع إصدار الحكومة قراراً في 21 أيلول/سبتمبر الفائت، يحظر أي إضافات تخالف الزي المدرسي الموحد أو تتعارض مع مبدأ علمانية التعليم.
هذا القرار، الذي شرع في تطبيقه قبل أيام، استهدف عملياً التلميذات المحجبات، مسيئاً إلى حقهن في حرية الاختيار والمظهر والإيمان. ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد؛ إذ تلاه قرار آخر في السادس من تشرين الأول/أكتوبر الحالي، ليفرض على ملابس المعلمين احترام المبدأ العلماني ذاته، مما نقل موجة الاحتجاج إلى المعلمات اللواتي وجدن أنفسهن أمام خيار قاسٍ: إما التخلي عن الحجاب، أو المخاطرة بفقدان وظائفهن.
بطبيعة الحال، لم يمر القرار بدون تداعيات، إذ اشتعلت سلسلة من الاحتجاجات الشعبية، أسفرت عن توقيف العشرات حتى هذه اللحظة. غير أن هذه الأزمة ليست وليدة اللحظة، فكيف بدأت الحكاية من جذورها؟
معركة مع الشعب
تعود جذور المعركة الرسمية في أذربيجان مع الحجاب إلى شهر كانون الأول/ديسمبر من عام 2010، حين أثار وزير التعليم احتجاجات واسعة بعد توجيهه المدارس بمنع غطاء الرأس الإسلامي استناداً إلى قواعد الزي الموحد. غير أن تجدد الجدل بعد ستة عشر عاماً يكشف بوضوح أن المشكلة لم تُحل، بل جرى ترحيلها وتأجيل انفجارها.
تتطلب معالجة أبعاد هذه القرارات مقاربتها من باب حقوق الإنسان أولاً، ومن منظور المساواة بين مواطني الدولة أمام القانون ثانياً. فعلى الصعيد الحقوقي، يُعد حق الاعتقاد مصوناً ومكفولاً في المواثيق الدولية بصورة واضحة وجلية. أما على الصعيد الثاني، فإن حظر الحجاب في المدارس يُخلّ بمبدأ تكافؤ الفرص والمساواة بين المواطنين، لاسيما إذا أخذنا في الاعتبار القيمة الرمزية والدينية التي تمثلها هذه الفريضة للملتزمات بها؛ إذ تنظر المسلمات إلى الحجاب بوصفه جزءاً أساسياً لا غنى عنه للتعبير عن إيمانهن، وفرضاً دينياً لا يجوز إلغاؤه بقرار إداري.
وتكمن خصوصية أذربيجان في كونها مجتمعاً ذا أغلبية مسلمة، ورث عن الحقبة السوفيتية فهماً للعلمانية لا يكتفي بالفصل بين المؤسسات الدينية والدولة، بل يميل إلى إخضاع المجال الديني بأسره لإشراف السلطة السياسية وتوجيهها. وفي عهد الرئيس إلهام علييف، أضحت إدارة الشأن الديني جزءاً من منظومة حفظ الاستقرار والأمن والهوية الوطنية. ولم تمر هذه السياسات بدون انتقادات؛ إذ طالما أثارت القرارات الأذربيجانية ردود فعل حقوقية، حتى في العالم الغربي الذي غالباً ما تتوجس سلطاته من المظاهر الإسلامية. وفي هذا السياق، أكدت اللجنة الأميركية للحرية الدينية الدولية، في تقريرها الصادر في آب/أغسطس 2025، أن السلطات الأذربيجانية تفرض قيوداً واسعة ومقلقة على النشاط الديني المستقل.
تُبرز هذه المواقف بوضوح الفرق الشاسع بين نموذجين للعلمانية؛ فالأولى تسعى لحماية حياد الدولة لتمكين المجتمع من التعبير عن تنوعه، بينما تطالب الثانية المجتمع بالتشابه الظاهري القسري لكي تثبت الدولة حيادها المزعوم. وفي ظل النموذج الثاني، يتجاوز الحجاب دلالته الدينية البحتة ليتحول إلى إشارة مضيئة تعكس استقلالاً اجتماعياً محتملاً عن التعريف الرسمي المفروض للمواطنة.
جدل عابر للحدود
تبدو القضية في ظاهرها شأناً وطنياً بحتاً مرتبطاً بإجراء حكومي داخلي، غير أن الأبعاد العقائدية واحتمال انتقال "العدوى" يثيران هواجس وقلقاً ملحوظاً في دوائر الجوار الإقليمي. وتأتي تركيا في مقدمة هذه الدول نظراً لقربها الجغرافي وشراكتها الاستراتيجية مع باكو؛ فقد انتقد أوكتاي سارال، مستشار الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، قرار حظر المحجبات من التعليم. هذا الموقف استدعى رداً حاداً من حزب "أذربيجان الجديدة" الحاكم، الذي اتهم أطرافاً في حزب العدالة والتنمية التركي بتسييس القضية والتدخل في الشؤون الداخلية. وهكذا أخذ الجدل طابعاً خارجياً، مهدداً بطرح الأزمة نفسها في دول أخرى تعيش ذات الانقسامات وتخوض النقاش عينه حول موقع الإسلام في المجال العام.
غير أن الخلاف مع أنقرة يكشف طبقة أعمق من الأزمة؛ إذ لا تنظر بعض النخب الحاكمة في باكو إلى الحجاب كرمز ديني خالص فحسب، بل تتعامل معه بعين الخوف من تمدد شعور ديني قد يقترب بالمؤمنين من إيران، التي يقودها نظام إسلامي ذو غالبية شيعية تشترك مع أذربيجان في المذهب ذاته. تتحول النظرة هنا إلى هاجس أمني بحت ومسكون بالريبة تجاه المواطنين.
مع ذلك، فإن المقاربة الأمنية الرسمية في أذربيجان تكاد تنذر بإنتاج أزمة عكسية؛ فبينما تحاول باكو كبح أي انسجام روحي بين مواطنيها وفضاء الجوار، قد تؤدي هذه السياسات إلى عكس المبتغى تماماً. فالقيود المفروضة تبدو مستفزة لقطاع واسع من الشعب الأذربيجاني نفسه لا الإيراني، مما قد يدفع نحو تعاطف عاطفي أكبر مع المرجعيات الدينية الخارجية الحامية لتلك المظاهر.
بعبارة أخرى، فإن التدابير التي يُرجى منها فصل الأذربيجانيين عن محيطهم قد تفضي في النهاية إلى فصلهم عن دولتهم وسلطتهم السياسية، مما يؤدي بتسلسل الأثر إلى تآكل شرعية الحكم واشتعال شرارات التغيير السياسي. والتاريخ شاهد على أنظمة سقطت مدويةً حين حاولت العبث بالعلاقة الروحية العميقة بين المواطن وعقيدته، محولة الهوية الدينية إلى مجرد "موضع اشتباه أمني".
بالأمس، نشرت صحيفة "آذرنيوز" مقالاً للباحث الديني تورال عرفان، دافع فيه عن توحيد الملابس باعتباره أداة لحماية المساواة والانضباط، ووقايةً من استيراد أنماط ثقافية ودينية غريبة عن التقاليد الوطنية. إلا أن هذه المقاربة تبدو سياسية بامتياز، محكومة بطبيعة السلطة وموازين القوة داخل النظام، أكثر مما تعبر عن خطاب ديني أصيل أو وعي اجتماعي بمخاطر المآلات.
البعد الإنساني وأفق المواجهة
تمنح قصص المعلمات هذا النقاش عمقاً إنسانياً جارحاً، بعد أن مُنعت بعضهن من دخول مدارسهن، بل وحُرِمت بناتهن من مقاعد الدراسة للسبب ذاته. يتجاوز الأمر هنا حرية المظهر الشخصي إلى التهديد المباشر بقطع الرزق، وخسارة المهنة، وحصار عائلات بأسرها في معيشتها وأفق تمكينها، لمجرد الانتماء الديني وبدون سند قضائي. ومن السهل تخيل ما يولده هذا التعسف من غضب واحتجاج نسوي وشعبي، ومن تصدّع عميق في نظرة المواطنين إلى العلمانية والدولة على حد سواء.
إن حظر الرمز الديني كفيل بأن يتحوّل من إجراء إداري فردي إلى شرارة غضب جماعي، حين يشعر الناس بأن الدولة لا تنازعهم في سلوكهم فحسب، بل في حقهم الأصيل في تعريف ذواتهم والتعبير عن هوياتهم. وحينئذٍ، يصبح التمسك بالرمز تعبيراً عن الكرامة والاستقلال، حتى لدى أشخاص لم يكونوا يعبأون به سياسياً من قبل. وتلك مفارقة يدركها علم الاجتماع الديني جيداً: فالسياسات القمعية للسلطة هي التي تصنع أحياناً تنامي الظواهر الدينية وتمنحها قوة الدفع.
وفي الختام، يبدو هذا المشهد حلقة جديدة في سلسلة إخفاقات السلطة السياسية في تقدير طبيعة العلاقة الأزلية بين الإنسان ومعتقده، حين تدفع المواطنين دفعاً للاختيار القسري بين سلطة سياسية زائلة، وسلطة إلهية مطلقة!